لقاءات
أصدقاء البيئة والعلوم
سير ذاتية
مشاركات أدبية
تغطيات
أخبار سريعة
القائمة البريدية
Username



E-mail



التصويت
ماذا نقنرح لنتطور أكثر

تغيير واجهة الموقع

تغيير اسلوب الكتابة

الإهتمام بالفن أكثر من الأدب

جميع ما تم ذكره سابقاً

الإعلانات

ابتسام شاكوش وقصتها القطار

ابتسام شاكوش

القصة الفائزة بجائزة البتاني2009 


 القطار

ووجه هيفاء هنا, عند الحاجز الحدودي تحطم القطار, انفصلت عربة القيادة الأمامية وتدهورت في الوادي, وظلت الخلفية عالقة في مكانها بلا قائد يتحكم في سيرها ووقوفها, انخلعت تحتها القضبان الحديدية , وتصادمت راسمة مثلثات لم تكن موجودة قبل انقلاب القطار. مثلثات ! نعم تلاقت المستقيمات المتوازية تحت ضغط فعل غير عادي, مستحدثة أشكالا جديدة , مثلثات ؟ انه كشف عظيم في علم الرياضيات, جلس على كومة تراب هش وأطلق لقهقهته العنان , تلفت الناس إليه برهة ثم نسوه , ليغرق في ضحكاته التي استحالت بكاء. مثل هذا القطار كان يمشي قبل اليوم, إهابه الأسمر الشاحب يضم جسدا ضئيلا, يمشي في كل الاتجاهات, لا تقيده سكك حديدية ولا إسفلت, جسده يمتد بين عربتين للقيادة, في إحداهما رجل أزرق بلون الرصاص, وفي الأخرى رجل أصفر بلون عباد الشمس, إلا أنه يكره الشمس, وبين العربتين – كما القطار - مئات من الركاب, من مختلف المشارب والاتجاهات , وطفل واحد يتيم , دائم الخوف, دائم التوق, تتأرجح في مقلتيه دمعتان, يحب الحياة ويعيش كالأموات, يحب الموسيقى ولا يملك من أدواتها سوى حنجرته, يحب الرسم ولا يملك دفترا ولا قلما, كل ما يملكه إصبع يخط بها على الرمال ويمضي. في سهرة الأمس جلس بين الرفاق, كان ساهما واجما يرقب صراع الرجلين في داخله, الرجل الأزرق بلون الرصاص دنا من هيفاء, أفرغ غضبه دموعا على وجنتيها وانصرف, غافله الأصفر, وراح يمسح دموعها ويربت على كتفها بحنان, ضمها بين أوراق عباد الشمس, استراحت للنور والعبق, أغمضت عينيها وابتسمت للأمان , تنبه الأزرق, انقض على الأصفر, جندله على الأرض ومرغه بالتراب,تغلب الأزرق, جلس ليرتاح مطلقا غضبه زفرات ملتهبة, تخرج من منخريه المستنفرين رجالا ينظرون بدهشة الى ما فعل, وانتهى المشهد, خافت هيفاء, هربت منهما, سحبت أريجها, لملمت أساورها وعقودها, اتخذت لهروبها خطا منفردا, ينطلق عموديا من منتصف المسافة الفاصلة بين الأزرق والأصفر, وتوغلت في امتداد الأفق تركض على مسار الشمس حيث انطفأت معها.

لكزه جاره في السهرة: هيه ..أين أنت؟ أنا هنا بينكم, أجابه الأصفر, أحبكم جميعا وأحب سهراتكم, ثم لاذ بالصمت, دار الحديث بين الحاضرين قفزاً فوق أقانيم الحياة اليومية, تناول أسعار السلع في الأسواق, وحكايات الغرام بين رجال القرية ونسائها, حلل أسباب الحروب الدائرة حول المنطقة وقضية الثأر بين قبيلتي عواد ومجحف, ثم توقف عند أساليب مكافحة الثعالب التي تتسلل في غفلة إلى أخمام الدجاج. قال الأزرق: خير وسيلة لمكافحة هذه المخلوقات المؤذية هو إحراق الأرض بما فيها ومن فيها, ظاهرها وباطنها, حتى لا يبقى فيها دجاج ولا ثعالب ولا أسعار مرتفعة ولا جياع ولا ثأر, ضج المكان بالضحك, اشتد غضب الأزرق, عاد ليصرخ: نعم  إحراق الأرض هو العلاج, حضر الأصفر, قال بمودة وخجل: من الأفضل إغلاق الأبواب ليلا على الدجاج, فلا يبقى أمام الثعالب سوى نافق الطيور, أو الأرانب البرية, التي تنتشر بكثرة, تتلف المحاصيل و تستقطب الصيادين لينهبوا ثمارنا على هامش صيدهم. بكى الطفل اليتيم, الأرانب مخلوقات ناعمة ضعيفة مثلي, لا ناب لها ولا مخلب, الكل يطاردها, الكل يحاصرها, ولا تملك عن نفسها دفاعا. كانت هيفاء ملء عينيه وقلبه, فلم يستطع الاندماج في سهرتهم, خاف الأزرق من استفزازهم لغضبه, وخاف الأصفر من سخرياتهم واتهامهم له بالضعف والجبن والحماقة, نهض من مجلسهم بلا استئذان, أغلق الباب خلفه واندس في ظلمة الطريق. القطار سيصل إلى محطته بعد ساعات, يلقي على رصيفه بأنواع من البشر, ينتظرون في الاستراحة حتى يصل القطار الآخر ليكملوا رحلتهم الى البعيد, هؤلاء الركاب هم أصدقاؤه الحقيقيون, تهفو روحه إليهم, يتفرق بين جموعهم, الرجل الأزرق والأصفر, والطفل أيضا, يبني كل منهم صداقة رائعة, تدوم طوال فترة الاستراحة وتنتهي بانتهائها.

الليل بحر متلاطم الظلمات, القطار نجم مذنب يزحف بجلبة على سكته, وهو, قطار مسخ بلا أضواء, يتخاصم قائداه على قيادته, الأزرق يندفع في الظلمة غير عابئ بالمخاوف, يتمنى لو يلاقيه عفريت من الجن, ليصرعه ثم يعقد معه صفقة يستخدمه بموجبها في كل غاياته وأهدافه, والأصفر يرتجف رعبا, يحاول العودة إلى البيت, يتغلب الأزرق, في كل مرة يتغلب الأزرق, مشى القطار في البر, اختبأ الأصفر خلف ستائر الرعب وأغمض عينيه, خرج الطفل ليمشي بمرح إلى جانب الأزرق, مطلقا لحنجرته العنان, كان يغني أغنيات الحب والأمل, ناظرا إلى نجوم تظهر وتختفي بين خطوط الخرائط العبثية التي ترسمها غيوم كانون, يغني لينسى البرد الذي جمد أصابعه, يطلق غناءه للريح, الرياح تجري ولا تلتفت, تحمل أغنياته خطوات ثم تنفضها عن جناحها وتتابع الصفير.

استمر السير هكذا, كان وجه هيفاء يومض كلما ظهر القمر من فرجات السحاب, فيبتسم له الثلاثة بسمة واحدة مشحونة بالرجاء, ويعود ليختفي فتصرخ الريح: ضاعت هيفاء.. ضاعت.. ضاعت.. يضرب الأزرق الأرض بقدمه غاضبا, فلتذهب هيفاء إلى الجحيم, سأجد ألف هيفاء غيرها, يتمطى الأصفر, يفتح عينيه بشدة عله يتبين شيئا في الظلام, يمد يده من تحت كوفيته, يتلمس صحراء رأسه, يتلمس قوس الرماد المتبقي فوق نقرته وخلف أذنيه, يبتسم بهزء بسمة مرة ويعاود النوم. يمشي الأزرق بهمة أكبر, يركض, يركض الطفل إلى جانبه, الفجر يشق طريقه بصعوبة بين ظلمة الليل وظلمة الغيم, قطرات ماء كبيرة تتناثر بين السماء والأرض مبشرة بالغيث, يرفع الطفل وجهه ليغسله بالمطر, يغضب الأزرق ويقمع الطفل بعنف, فالوقت غير مناسب للفرح, هناك ضجة تخترق غبش الفجر, تعاكس اتجاه الريح, انقلب القطار, راحا يركضان إلى مصدرها لاهثين, الأصدقاء المنتظرون صار أكثرهم مزقا من لحم وعظم تناثر بين أكوام الحديد, بعضهم ما زال يتحشرج نفسه متمسكا بالحياة, أسرع الأصفر لينقذ ما يمكن إنقاذه, وراح الأزرق يتأمل بدهشة كيف تكسرت المستطيلات المحصورة بين العارضتين الحديديتين فتحولت إلى مثلثات حادة الرؤوس تقذف الموت, أطلق ضحكا هستريا وبكاء, بينما قعد الطفل إلى جانبه على كومة التراب, يرسم بأصابعه قطارات جديدة, سوف تصل بركابها سالمة إلى المحطة, يطل من كل نوافذها وجه هيفاء.


Share |









أدخل النص المبين في الصورة أعلاه في هذا الحقل:




معارضي
زيارة مع دليل
مدن
أفلام عالم نوح
Odeco
كتبنا
عالميات
اللوحة الكبيرة تنتظرني عصام طنطاوي
الفنان التشكيلي الأردني عصام طنطاوي 2006 - 244 x 122 cm مع أن اللوحة الكبيرة تنتظرني في غرفة الرسم .. وكنت بدأت بها منذ ثلاثة أيام ، أصعب مرحلة في اللوحة اجتياز حاجز البداية وقد تجاوزتها ، ولكن بدأت إشكاليات جديدة .. كيف أٌكملها ؟ أجلس أمامها طويلاً ، أرسم تفاصيلها بعينيّ ، قبل أن أتجرأ على لمسها .. أضعها مقابل سريري ويظل الجدل البصريّ محتدماً بيننا ، أغفو وهي في خاطري وأحلامي .. صحيح أنني اتفقت مع الفندق على سعر معين قبضت نصفه قبل أن أبدأ بها .. ولكنها ليست وظيفة أذهب اليها في مواعيد معينة ، أو حرفة أتقنها ، هي أولاً وأخيراً لوحة جديدة ستحمل اسمي ، أريد أن أفرح بها ، أن أشعر بالدهشة في اكتشاف لون جديد .. منطقة جديدة مختلفة لم أدخلها من قبل ، لا أفكر أبداً بالسعر ولا بأي شي آخر ..لاجديد في الفن بالمعنى المطلق ، اللعبة في التفاصيل وتونات الألوان .. والتكوين هي حالة قلق لذيذة يعي المزيد

بحث

بحث في العناوين فقط

الإعلانات