لقاءات
أصدقاء البيئة والعلوم
سير ذاتية
مشاركات أدبية
تغطيات
أخبار سريعة
القائمة البريدية
Username



E-mail



التصويت
ماذا نقنرح لنتطور أكثر

تغيير واجهة الموقع

تغيير اسلوب الكتابة

الإهتمام بالفن أكثر من الأدب

جميع ما تم ذكره سابقاً

الإعلانات

القصة القصيرة في أعمال رابطة الكتاب السوريين جـ3 لمحمد شويحنة

القصة القصيرة في أعمال رابطة الكتاب السوريين جـ3  محمد شويحنة

( 1 )
السلوكية الظاهرية
( حسيب الكيالي )


إذا كانت القصة الوقائعية قد تناولت الواقع الاجتماعي في بؤسه وقهره ، من حيث هو موضوع إثارة وتحريض ، ومن زوايا عشوائية أو اعتباطية ، فإن حسب الكيالي قد يكون أول من استطاع أن يكسر طوق الوقائع لينفذ منها إلى الجوهر الحي لحياة الشعب وأحواله ، لتبديل ما يمكن أن يكون قهراً أو تسلطاً أو جهلاً وركوداً اجتماعياً ، ولعل مأثرته الكبيرة هنا أنه انطلق من ملاحظة الواقع أساساً ، أو تحديداً من الوقائع ، وبشكل أكثر دقة ، من رصد الظواهر الخارجية المتحركة ، بغية تشكيل عالم خاص قائم بذاته ، له صفة الاستقلال الفني ، فهو لم يكن يلحظ لذات الملاحظة ، ولم تستول عليه في ملحوظاته فكرة دعاوية مسبقة يريد أن يخضع الظواهر لها ، بل كان جهده منصباً على جمع الحقائق عن طريق الملحوظات الاجتماعية الصادقة ، ثم العمل على صياغتها وفق ترتيب موح بالأفكار العامة الخاضعة إلى خصوصية التناول والمعالجة ، وهكذا تصبح الحقائق التي يتوصل إليها اجتماعية إنسانية ، ممتلئة بالحيوية والصدق الفني ، وليست تجريدية أو مقحمة ، وبالتالي خارجة عن نطاق الفني والإنساني . فالحياة في قصص حسيب الكيالي ماثلة على السطور ، تتدفق بعفوية ، بكل حقائقها وألفاظها وأسلوبها .
هذه الطريقة في القص لا تعنى بالتحليل النفسي المباشر للشخصيات ، واستبطان الوعي الداخلي لها ، أو شرح الأحداث وتأويلها ، بل تفيد فنياً مما يمكن تسميته بالسلوكية الظاهرية . فهي لا تعرض من الحياة النفسية والاجتماعية للإنسان إلا ما يمكن أن يلحظه المتأمل في سلوك الشخص من المظاهر والحركات والصور الخارجية المحضة في موضوعية تامة . وإن سلسلة الانعكاسات الظاهرية تتساوى في الدلالة عليها الكلمات والحركات والملامح ، ومن خلال المشهد المصور يترك للقارئ الدور ليستدل ويستوحي .. وفي هذا الإضمار النفسي ، أو المادية التصويرية قد تفسر العواطف والانفعالات وحركات الأشخاص تفسيراً آلياً في ظاهره ، ولكنه قوي في إيحائه ، ولا سيما عندما يكون جانب الاختيار الفني فيه محكماً ، وهو اختيار يتوجه إلى الجوانب الجوهرية في الحياة العامة والخاصة ، في الموضوع والذات ، ولا يعمد الكاتب في هذه الحالة إلى توزيع الأضواء على الصور توزيعاً موحداً متعادلاً ، بل يلتقط الجوانب الموحية ، ويلقي عليها أضواء مختلفة ما بين ضعيفة وقوية ، ويترك جوانب أخرى تغوص في الظلام ، كي ينفذ القارئ بفطنته إلى الجوانب المطموسة ، أو المسكوت عنها ، مستدلاً عليها من الجوانب المضاءة ، والأخرى الخافتة الإضاءة ، وبهذا الاختيار والإيحاء من قبل الكاتب ستكتسب الأحداث والشخصيات المنوعة معانيها الفنية ، أو أبعادها الدلالية ، وتتوحد فيما تهدف إليه جميعاً مع قصد الكاتب ورؤيته ، أو مع المغزى العام الذي يتلامح خلف القصص . ولعل هذه الطريقة الفنية جعلت حسيب الكيالي يمتاز بين سائر أقرانه من كتاب القصة في الرابطة . وقد أشار ( قلب ) الذي قدم دراسة حول مجموعة قصص ( درب إلى القمة ) المشتركة لعدد من أعضاء الرابطة ، إلى وجود روابط فنية بين قصص كل من مواهب الكيالي وليان ديراني وحنا مينة ومراد السباعي .. إذ تشيع فيها روح السرد المتسلسل البارع ، ونوع من الصلات الأخرى بين قصص كل من مصطفى الحلاج وسعيد حورانية وصلاح دهني وشوقي بغدادي ، تنتظمها روح القص القائم على التداعي المنظم ، بينما انفرد حسيب الكيالي في رأيه بشخصية خاصة لا تصلها أية خيوط بواحدة من المجموعتين . فهو وحده يقدم الحياة في حوادث ظاهرية الحياد ، بعيدة عن أي تحليل ، مليئة بالحوار الواقعي والقريب من العامية أحياناً . ولعل موهبة حسيب الكيالي لا تكمن في ذلك فحسب بل في قدرته على تحويل أية مادة حياتية إلى مادة قصصية ، من خلال أنسنة الواقع عن طريق التركيز على تفاصيل معينة ذات دلالة من جهة ، وعن طريق بعث النضارة والمرح العذب في مجموعة المشاهد المصورة من جهة أخرى . وتكتسب أحداث القصة عندئذ قيمتها بالطريقة التي تعرض بها ، وبما تكشف عنه هذه الطريقة من أهمية إنسانية للأحداث ، فالظاهر هنا مرآة للباطن وما خفي ، ولمجمل الدواعي التي صاغت هذا السلوك والأحداث . وقد استطاع حسيب الكيالي من خلال نهجه التصويري أن يوفق بين الواقعية من حيث هي رؤية ، والواقعية من حيث هي طريقة فنية خلاقة لأنها غنية بالإمكانات التعبيرية . وهو يشير إلى شيء من ذلك في قوله : " أنا كاتب واقعي ، وأجد الواقع أعمق من أي خيال ، وأبعث على العجب ، والقصة مهما يكن نوعها ، يجب أن تكون قطعة ، جزءاً دافئاً نابضاً من الحياة ، والبراعة في أن يجعل القاص ( الكل ) يتراءى من خلال هذا الجزء . "
وإن الحرص على الترسم الواقعي والرصد الخارجي للظواهر ، يجعل من قصص حسيب الكيالي صوراً ، أو لوحات متحركة حية ، تقودنا بخيط سحري خفي إلى حيث تريد ، وقد نرى فيها نوعاً من التسجيلية في أعلى مستوياتها ، من حيث إنها تنتقي وتحذف وتظلل وتركز ، من خلال نشاط خلاق في الملاحظة والتأمل ، وطرافة اللقطة ودهشتها ، وحياكة المفارقات وجو المرح الوثاب والسخرية الرفيقة . وإن ذلك كله يشكل في نهاية المطاف وحدة موضوعية ، أو كلاً محدداً يتجه وجهة معينة ، يصنعها القارئ ويهدي إليها الكاتب .
وإذا كانت الصورة أو القطعة التسجيلية الظاهرية هي الأساس في قصص حسيب الكيالي ، فلا يعني ذلك خلو هذه القصص من البعد النفسي التحليلي . وهو ضمن هذا المستوى غالباً ما يلجأ إلى استعمال أسلوب ( ضمير المتكلم ) فيدع من خلاله الأعماق المغمورة تظهر على السطح في سلسلة من البوح ( الظاهري ) يحكي عن معاناة البطل وهمومه ، عن علاقاته الاجتماعية وسلوكه .
لقد انطلقت قصص حسيب الكيالي في تصورها للواقع من فهم عميق للحياة الشعبية بطابعها المحلي الصميم ، بكل تقاليده وعاداته وخصائصه وأصالته . وتبدو سمة المحلية في قصصه أليفة محببة إلى نفس القارئ ، توحي بالإيناس من خلال جوانب إنسانية شفيفة . وإن الاهتمام بالعنصر المحلي ظهر في مقدرة الكاتب على خلق الجو وصورة البيئة والإطار الموضوعي ، عبر اهتمام خاص بجانب التقاليد الشعبية ، والمأثورات والأقوال المألوفة ، والألقاب والهيئات ..
وقد رصدت قصص الكيالي فترة هامة من فترات التحول الوطني ، والبحث عن الذات ، بكل ما حوته تلك الفترة من عوالم البؤس والاستلاب ورقة الحال ، في مقابل عوالم الحلم الشعبي بأوليات العيش ، والصبوة إلى مستقبل أفضل تبشر به طلائع المجتمع الجديد في الخمسينات ، بشريحتيه الريفية والمدنية . وقد استطاع حسيب أن يقدم معالجة جادة للواقع الاجتماعي في إطار من المرح والسخرية ، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون ، بين الثبات والتحول ، فالحياة في قصصه تبدو في تدفق وتجدد دائمين ، والفئات الجديدة المعافاة تهب من كل مكان حاملة الفرح والنضارة ، وقد تصاب ببعض العقبات ، لكنها تستمر في رحلة إثبات الذات ببساطة واثقة ، وهي تجالد الواقع اليومي ، وتواجه حالة الركود والمخلفات الاجتماعية بمفارقاتها المرة .
ويعمد حسيب الكيالي بأسلوبه اللاذع في السخرية والهزل إلى تعرية الواقع الاجتماعي بعلاقاته القائمة على الصراع الفئوي والامتهان والجهل والركود والبطالة والحياة الباهتة المستلبة وسوء الإدارة والتطبيق وفساد المؤسسات والأجهزة القيادية ودكتاتورية الزعامات وتواطؤها .. وينسج علاقات هذا الواقع ومفارقاته على شكل صور ولقطات موحية معبرة ، تشير إلى الفاسد بلمح شفاف مؤثر ، وتهزأ به ، عبر انفعالية تتكامل فيها عناصر البناء الفني المحكم .
في قصة ( الرياض السندسية ) يصور الكاتب الهوة الكبيرة بين الفئات الشعبية بمختلف قطاعاتها ، وبين " القائد الوطني – بطل الانقلاب " حسني الزعيم ، ويعرض بتهكم قاس بأسلوب الانتخابات وتزوير الأصوات ، كما ينتقد بحدة هذا التملق الشعبي الذي قوبل به الزعيم .. فقد أصبح حديث الناس اليومي .. " حتى إن إحدى الصحف الكبرى في العاصمة عثرت على مخطوط أثري قديم مكتوب فيه أن الزعيم يتصل نسبه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأن منجماً مغربياً فتح له فألاً في صغره وجد فيه أموراً عجيبة ، وقيل إن المنجم همس في إذن المرحوم أبي الزعيم قائلاً : هذا كنز ، بالكم عليه .. سيحكم من البحر إلى البحر . " ثم إن حسني الزعيم يستفتي الأمة في انقلابه فيتزاحم الناس على أبواب اللجان الانتخابية ، حتى إن الموتى والمهاجرين والمشلولين والخرس والطرش يشتركون في الاستفتاء . " ومن ألطف ما حدث أن بعض الدوائر الانتخابية وجدت بعد فرز الأصوات ، أن عدد المقترعين يزيد مئات كثيرة عن عدد المسجلين في اللوائح .. وقد علل أحد رجال الدين الوقورين هذه العجيبة بأن العناية الصمدانية قد دعمت هذا المخلص ، بروح من عندها ، وأسهمت ، هي أيضاً ، بإعلاء شأنه رحمة ببلادنا المسكينة ! " وتنجلي المفارقة أخيراً عندما يتوجه منيب العطار الصديق القديم لحسني الزعيم إلى العاصمة إثر تلقيه برقية من مدير البريد في الشام يطلب فيها " فخامة المشير " مقابلته . وكان العطار قد بعث برسالة تهنئة دبجها ورفيقاه الشيخ عبد الفتاح ، إمام قطنا ، والصيدلي سامي زين العابدين . وقد أمعنوا فيها بالتقريظ والاحتفاء حتى جاءت " آية من آيات البلاغة والسحر " ، وقد انشغلت قطنا كلها ، نساءً ورجالاً في أمر منيب العطار ، حتى إن حشداً كثيفاً كان في كراج البلدة يودعه حينما سافر إلى دمشق ، إلى الخير الوافر والسعد المفاجئ . " ووصل إلى القصر الجمهوري في المهاجرين .. ما هذا ؟ محشو ؟ فرن يبيع خبز الوثيقة ؟ جبل عرفات ؟ صلاة الجمعة ؟ كانت حدائق القصر محشوكة بشتى أصناف البشر : حرس ، شرطة ، جيش ، بدو ، حضر .. وفتح منيب العطار فمه مدهوشاً وشعر بأنه ينضغط وينكمش ويصغر رويداً رويداً ! أين يذهب في هذا البحر المتلاطم من الناس ؟ " ويحاول منيب جاهداً أن يصل إلى باب القصر لكنه يضيع في بحر الزحام المتلاطم ، وبعد محاولاته تلك يستطيع مقابلة حارس القصر ، الذي يعده أخيراً بتوصيل تحياته إلى فخامة المشير . وتنتهي القصة بهذه الكلمات : " وازدحمت الأكتاف حول منيب العطار وتكاثفت واصطخبت ، وظلت تتدفق وترتفع حتى غيبته في لججها . "
وفي قصة ( مرشح السادة الأكارم ) نواجه صورة أخرى ساخرة لفساد المرحلة السياسية ، بكل ما انطوت عليه من فوضى وغوغائية .. فهذا مرشح ( قضاء بنش ) صابر العبياني ، يصعد المنبر وقد استاء من منافسه الفزاري ، فيخطب في الناس خطبة مدوية ، يعلن فيها أنه مرشح المفاليس ، فهو فقير مثلهم ، وكل ما يشاع عنه تجريح بشخصه !. وأنه مثلهم جائع وجاهل ، لا يحمل شهادة ولا يتقن صنعة ، فهو مرشح العاطلين عن العمل ، مرشح الجاهلين ، إذ يشعر بمصيبة كل من لا يحمل شهادة . . أما برنامجه الانتخابي فيتلخص في جعل الذئب يرعى العشب الأخضر في هذه البلاد مع الغنم ، وتأمين السمن والعسل لأفراد الشعب ، والإصلاح بصورة عامة . " أجل سوف أصلح ما أفسدته الأيدي التي لعبت بمقدرات الأمة .. أيتها الحكومة الخائنة ، سأضع حدًّا لهذه الفوضى التي ضربت أطنابها في هذه البلاد العزيزة . أجل سوف أضع لها حدًّا .. إن موعدي معك أيتها الحكومة في قبة البرلمان .. " وهكذا يكون – كما قال الراوي – من حسن حظ المفاليس والجهلاء أن العبياني قد نجح في الانتخابات .. والله أعلم !.
وفي قصة ( تقرير تفتيش ) يخط الموظف الحكومي تقريراً مطولاً عن " كبسة " قام بها لأمين الصندوق ( ... ) في إحدى دوائر الدولة ، يكتشف فيها أنه اختلس مبلغ خمسمائة ليرة ، هكذا ببساطة ! فيمضي المفتش في ذكر الإجراءات التي اتخذها في شأن الموظف " الموما إليه " وخلال ذلك يمتدح نفسه ويطلب الترقية ويسرد الأحاديث التي تؤكد حسن سيرته الوظيفية ، ثم يشير إلى أن الموظف قد فعل ما فعل بسبب مرض زوجته المفاجئ ، وأنه قد فضها معه بكف واحد صعقه به .. ويمضي في السخرية شوطاً أبعد : " الواقع أن الولد قدَّر الله عليه هذه الفعلة ، يعني أنخرب بيته ؟ أنشنقه ؟ كف يفض المشكل . "
وفي الحاشية يشير موظف التفتيش إلى أنه لم يتعب كثيراً في جعل المسكين يعترف بفعلته ، فهو لم يحص الموجودات ويكسر رأسه في الجمع والطرح والقسمة ، بل أطعم أمين الصندوق ( لقمة الزقوم ) ولما أكلها بدا عليه رعب شديد واعترف .. وأن ثمة أساليب أخرى إذا لم تجد تلك من ضرب المندل إلى التنويم إلى قراءة الكف .. سيتحدث عنها في تقارير أخرى .
يكشف هذا التقرير الضاحك عن جو التسيب واللا مسؤولية في قيادة الدوائر الحكومية .. فثمة أناس أقرب إلى العوام والمنجمين استطاعوا أن يتولوا مناصب مرموقة لها تأثير في الكيان الحكومي والواقع الاجتماعي .. مما يعكس معه جهلاً أعمى بالمهمات الوظيفية ، وتضخماً في الجهاز البيروقراطي ، وسلطة غاشمة رعناء تسير القوانين دون دراية أو تبصر ، بينما يكون هم منفذيها القفز إلى أعلى في المناصب الإدارية ، وتحقيق المكتسبات الشخصية .
أما ( طبيب الناحية ) رسمي أفندي فوجه آخر من وجوه الواقع المتهرئ الفاسد في علاقاته اللاإنسانية ، فالمرضى يتوافدون إلى عيادته بالعشرات ، كلهم من القرويين البسطاء المعوزين . وهؤلاء يحصلون بشق الأنفس على ورقة فقر حال من مجلس إدارة القضاء ، تغنيهم عن أجرة المعاينة .. " ويخيل إلى القروي بعد أن تصير الورقة في جيبه ، أنه امتلك جواز سفر يوصله إلى الصحة والعافية ، وأن على الطبيب ، بمجرد رؤيتها في يده ، أن يرفع يده بالتحية والاحترام ، ثم ينكب على القروي يفحصه بأدق عناية وأرهف وجدان .. والذين يعرفون طبيب الناحية ، رسمي أفندي ، يدركون تفاهة التسلح بورقة فقر الحال هذه .. فهو يكرهها جداً ، وينفر منها نفوراً شديداً ، ويغتاظ لدى رؤيتها كما لو كانت شتيمة دموية ، لا يخصص لحامليه إلا ساعة أو بعض الساعة من يومه ، ولو زاد عددهم على المائة . وهو في كل يوم يزيد ! " ويفحص الطبيب مرضاه بسؤال مشمئز : " – نعم شو مرضك أنت ؟ فيرتبك المسكين ، ولا يكاد يفتح فمه حتى يكون الطبيب قد كتب الوصفة . " ويتابع الراوي : " أما مع المرضى الذين لا يحملون شهادة فقر حال ، يعني الذين يمدون أيديهم بعد المعاينة ، وينترون محفظة جلدية قد قماط الولد الرضيع ، فرسمي أفندي إنسان آخر ، أحلى من العسل ، وديع ، حلو المزاج ، حاضر النكتة . " ويأتي الراوي بزوجته المريضة إلى العيادة عصراً ، ( وقت المعاينات الخاصة ) وقد حصل بالطبع على ورقة فقر الحال .. وبعد معاينة دقيقة ودواء وإبر .. يصعق الطبيب بورقة فقر الحال فيطير صوابه ، وتنجلي المفارقة الضاحكة عندما يستطيع الراوي أن يتغلب على واقعه بالحيلة والنكتة اللاذعة ، يخرج بهما من قلب البؤس والفقر ورقة الحال . ولعل هذا الهزء الذي ينتظم بنيان القصة وقصصاً أخرى غيرها يكون له أبلغ الدلالة على الوجهة المعيارية التي عمد حسيب كيالي إلى تعميقها وإغنائها ، فالنقد الاجتماعي هو الموضوع الأساس في رحلة البحث عن أفق سليم معافى لحياة جديدة ، في السياسة والإدارة ، وفي الأخلاق والغيرية الوطنية .. والنقائض التي تعج بها قصص الكاتب داخلة جميعاً في إطار من المعالجة المرتكزة إلى حدث يحكيه حسيب كيالي في الغالب أكثر مما يمسرحه ، وهنا لا تصدر الفكاهة من الحبكة التي يتيحها حسيب للحدث والشخصيات بقدر ما تبدو من خلال تقديمه الشخصي وأسلوبه القائم على رصف المفارقات وفرقعتها ولفت النظر إلى هذا النشاز في طبيعة العلاقات القائمة في الحياة اليومية ، وذلك على طريقة الرسم الكاريكاتيري الذي يختار اللقطة أولاً ، ثم يلجأ إلى تضخيم أجزاء منها بما يوحي بالمغزى العام الذي يسعى إليه ، وعلى هذا النحو رسم الكيالي في أقاصيصه صوراً كثيرة ولقطات متعددة تجسد على طريقتها حالة العزلة وضعف التغيرات الاجتماعية والركود المهيمن على الحياة اليومية ، ولا سيما في أريافنا النائية . وفي وجه آخر من وجوه تناوله للواقع الاجتماعي رسم بعض الصور التعبيرية تجسد نماذج اجتماعية سلبية رصد في بعضها البعد النفسي لشخصياته عبر أسلوب ضمير المتكلم . وقد أظهر في هذه الشرائح ما آلت إليه الفئات الصاعدة ، في قلقها وترددها وتملقها وضياعها ، وفي محاولة تمثيلها للصراع وتجاوز العقبات التي تعترضها وهي تخوض في حمأة التغيرات الصارخة بعيد الاستقلال . ولنا أن نلاحظ هنا كيف أن الكاتب قدم هذه الفئات وفق نهج انتقادي لا يخفى ولا تخفى دلالاته ، ولم يعمد إلى النمذجة والمثالية في تعامله مع هذه النماذج ، كما لم يخضع للنزعة التربوية كما كنا نجد عند الديراني مثلاً .
في قصة شعبية بسيطة ( حساب مضبوط ) نواجه النموذج الفضولي البائد ، في شخص الحاج أبو سعيد ، وقد أجر دكاناً لبائع الحمص الشاب حسين الحلو ، لقد وجد أبو سعيد في الصفقة نعمة وأية نعمة ، فواظب على المجيء إلى الدكان صباحاً ، وتناول صحن من الحمص مع كأس من الشاي يجلس ويترشفها بشغف وتأن وبطر .. معتقداً أن الشاب إنما يقدم إليه فطار كل يوم مع الضيافة والترحيب هبة وعرفاناً .. ثم – في آخر الشهر – يخصم البائع الشاب ثمن الطعام والشراب من أجرة الدكان .
في هذه القصة الفكهة ، يصور حسيب الكيالي حياة شريحة اجتماعية ، حياة بسيطة في كل شيء ، مكافحة وصابرة ، بدأت من الصفر لكن بجهد وثقة ، فبنت آمالها في ظروف متواضعة ( حسين الحلو ) ، تقابلها شريحة أخرى مرسومة بدقة وخبرة عالية بالنماذج الاجتماعية ( أبو سعيد ) الفضولي الطفيلي ومالك الدكان : " شي لله يا رفاعي . هذه ليست دكاناً أجرناها ، إنها كنز من الذهب فتحه الله في وجهنا ، من غامض علمه .. إذا كان النصح والإرشاد بصحن من الحمص وقدح من الشاي وجلسة لطيفة قدام الدكان ، فأرحب يا سيد حسين .. أرحب ، أنا كل يوم عندي نصيحة جديدة ! أبشر يا سيد حسين ، يا ذكي يا فطين ! "
ومن المنولوج المجسد لدخيلة نفس أبي سعيد ، إلى الراوي المتكلم الذي يجسد نموذجاً اجتماعياً للتبطل والفضول في قصة ( اللطف ) ، يرسمه الكاتب من خلال بناء ساخر متهكم ، بدءاً من العنوان نفسه ، وانتهاءً بماهيته ، فهذا اللطف من نوع خاص ، يستأثر بمجامع ( الراوي / النموذج ) : " أنا ، لا أخبي عليك ، رجل يستعبدني اللطف ، يسبيني ، يقعدني ، يشل حركتي ! باللطف تستطيع أن تشلحني الثياب التي على جسدي ، أن تشتريني وتضع اللجام في حلقي ، وتجرني كالحمار الذلول ، أن تركبني وتدلي رجليك على جانبي ! آه يا مولاي من اللطف ! إذا جاء يوم ورأيتني خادماً ، أجيراً ، عبداً على باب مسلم أو نصراني أو مجوسي ، فاعلم أن اللطف سبب عبوديتي وذلي .. اللطف .. اللطف !. "
أما في قصة ( الحبر الناشف ) فيقدم الكاتب لقطة نفسية حية لسيرة موظف قديم يعيش في دوامة السأم والجمود ، فكل الأشياء من حوله جف رواؤها ، يقبل على عمله دون حماسة .. يذكر حبًّا قديماً مضى .. في درج مكتبه أشياء عتيقة تقادم عهدها .. لا جديد في حياته . وهذا التجسيد يمهد لحدث آخر تال ، فإذ تقع عينه بين أشيائه على قيد نفوس قديم ، مكتوب باللغتين العربية والفرنسية ، يبدأ بالتحرك ، فتمتد يده إلى الريشة يغمرها في الدواة ، ويعود لينقل محتويات البطاقة إلى ورقة جديدة " وكان وجهه يعكس أمارات الاهتمام الشديد ، وخطه بديعاً حقًّا . " وهنا يعكس حسيب الكيالي معالم الخواء النفسي لبطله ، وانقطاعه عن تيار الحياة الصاعد ، في تفتحه واستمراره كما كان قدمه في صور من مثل : ( زبون واحد ، بين الدموع ، كاتب العرائض ) .
وإن رؤية الكاتب هنا ، من حيث هي أفق فني وفكري ، لم تقتصر على تصوير الفاسد ونقد المتهرئ في حياة بعض الشرائح الاجتماعية ، بل تعدت ذلك إلى رصد الجانب المعافى في المجتمع ، ذلك الذي نجد فيه نشدان الحب والحياة الجديدة الواعدة ، بل المستقبل الآمل الواثق .. وكانت هذه الرؤى البديلة تتلامح من خلال البعد العكسي الذي يترافق ونكهة السخرية الحسيبية الخاصة ، ذات الطعم المميز ، فضلاً عن اختيار اللقطة والجو وزاوية النظر .. ومثل هذا النهج في هذا التصوير يؤكده حسيب الكيالي في فهمه للقصة القصيرة ، فهي في رأيه : " أسطر ، حبر على ورق ، لا تلبث حتى تدب فيها الحياة ، فتنخلق كائنات لا حد لتعقيدها ، وتشابك مصائرها ، مثل الحياة ذاتها . القصة الجيدة هي التي تقدم ، من خلال أوضح تطريز وأبسطه ، عالماً يضج بين السطور أبعد وأعمق مما هو ظاهر من السطور ذاتها . "
وقد احتفت قصص حسيب بإظهار العوالم التي تشكل حلماً وصبوة عند أبطاله ، وقدمتها بحلة مرحة متفتحة ، تؤكد على صيرورة الحياة وانبعاثها من وسط البؤس والامتهان ومرارة العيش . وهنا يعتمد الكاتب أسلوباً جديداً في رصد واقع البؤس والأحزان الذي تحياه شخصياته ، من خلال تصوير الفسحة العاطفية التي تمتلكهم ، فتنهض بهم من كدر الواقع الباهت ذي الجوانب المنكسرة الميتة .. هكذا نرتاد عالماً جديداً من الموضوعات القصصية لتلك الفترة ، فنرافق عازف التمرينات الرياضية الصباحية في المذياع الأستاذ باكير في قصة ( في الأستوديو ) وقد شذ عن العرف والآداب ، وانبرى في شبه غيبوبة حالمة يرحل مع طيوف عهد سعيد مضى .. لقد بات موظفاً مسكيناً ، أرملاً يسكن وحيداً مقطوعاً في غرفة فقيرة ، وهاهو يبادر إلى النقر على أصابع البيانو العاجية .. حركات يابسة لا حياة فيها .. يرافق مذيع التمرينات الصباحية ، لكن ما لبث أن " زحفت في صدره كآبة جارحة ، شيعت جوانبه .. أحس إحساساً حاداً .. بالوحشة السوداء التي يقتات منها طوال يومه ، وهزيعاً مديداً من ليله . وآذته ، أكثر من أي وقت مضى فكرة كونه وحيداً مقطوعاً . أدركه ذلك الشوق القديم الذي كان يصبه في أغنيات الأطفال ، فامتدت أصابعه إلى البيانو ، على غير وعي منه ، ونقر نقرات متلاحقة ، كقطرات من ماء نافورة تساقط في حوض يضيئه شعاع القمر .. وتابع العزف ! كان يخيل إليك أنك ترى فتى يافعاً يصعد في ربوة تغص بالخزامى والأقحوان ، وقد درج بنطاله ، ورفعه حتى ركبتيه ، وعلى كتفه عصا تنتهي بجعبة من الكتان مملوءة بالزاد .. كان الفتى يمشي صعداً .. وكلما نقل قدماً فاح من حواليها وقع فرح أغن .. وكان يتأمل الأزهار والعشب بعينين ظامئتين ، والأغصان البيضاء تميل عليه فتمس كتفه مساً رفيقاً ثم تعود فترتفع .. وتتطاير الفراشات الملونة عن يمينه وشماله .. ويرحب به طائر أزغب الصوت .. " وقد أشاع خروج العازف استنكاراً وفوضى في الأستوديو ، بينما استمر هو محلقاً في عالم آخر ، كله رغد ومحبة وصبوات ، وهنا يجسد الكاتب نزعة الحنان العارم إلى الحياة ، والجوع إلى الحب ، والحاجة إلى العطف والتآلف الإنساني . فالبطل يثور بعالم من البؤس والإجهاد والركود .. عالم خال من العواطف والمحبة ، ويمضي عازفاً أحلامه ، بمعزل عن العرف والمواضعات الرسمية والوظيفية .
وإن صور التفتح والازدهار في الطبيعة تترى في قصص حسيب الكيالي ، حتى لترسم بعداً وتحدد رؤية . فالحب قيمة الحياة ، والجمال بديعها الآسر ، وهما يشيعان السعادة في كل شيء من حولهما . فهذا أبو محمد شعبان ، الكهل الخمسيني في قصة ( عطار الحارة ) يجلس أمام حانوته ، وقد " أزهرت شجرة اللوز وتدلت منها عناقيد بيضاء ، كنديف فراشات ضاحكة .. وكان الحي قد عاوده صباه ، فأصبح يضج بالحياة والحركة ، فالأولاد يصخبون وراء دراجاتهم وأكرهم ، وبائعو الفواكه يمتدحون أثمارهم بحداء مشوق ، ويحثون حميرهم على السير بعتاب رقيق .. وتركي سقاء الماء الأعشى يغني آخر أغنيات محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ، بصوت تخاله سحب منشار على خشب مقعد ، وعلى الأرض تساقط العصافير وتنط بخطواتها الصغيرة المخطوفة ، تنقر الحب ، وأعينها الملونة تغزل في كل جانب حذر المارة .. وفي الجو الضاحي تعبق رائحة الربيع التي لا تسمى ! " لقد تسلل الربيع إلى حياة أبي محمد " حتى خيل إليه أنه فتى لا يزال قلبه يحن إلى بذار العشق يبذر في تربته ، فلا يلبث أن ينوء بالسنابل .. وانسلت يده إلى جيب سترته الداخلي ، كأنها لصة ، وأخرجت مرآة صغيرة سترها بيده الأخرى ، ونظر فيها فرأى وجهاً أجعد ، وفودين وخطهما الشيب ، وعنقاً ذبلت عروقها .. ولكنه رأى ، مع ذلك ، إشراقة عميقة وعينين فيهما يقظة وجذوة شوف صبي ! ورفع عينيه إلى شجرة اللوز وعناقيد زهرها المندوف .. كانت كأنما تغتسل تحت رذاذ الأشعة ، فهمس في لهفة : ما أجمل هذه الدنيا ! " وهكذا يلبي أبو محمد نداء جارته الصغيرة ، الأليف كالهديل ، ويقص لها الحكايا الجميلة ، ويبارك الحياة فيها ، فهي الغصن الأخضر المتجدد ..
وقد يعمد الكيالي في سبيل التقاط مثل هذه الموضوعات الجديدة ، إلى اللوحة التسجيلية التجميعية ، مؤلفاً بين عناصرها على نحو تعبيري متناغم ، إذ يلتقط مشاهد معينة من شارع عام ، كما في قصة ( المساء ) مثلاً ، ويظهر من خلالها شكلاً أليفاً حيًّا للحياة اليومية المحلية في سيرها وتوثبها وعلاقات المحبة والأنشطة العامة فيها ، والاتصال الوثيق الذي يشمل أناسيها كما في هذه اللقطة مثلاً : " وتخرج فتاة من المدرسة ، شدت خصرها بزنار أسود فنهد صدرها . حينما تصبح على بعد خطوتين من الكناس الجميل :
- عفواً معك ساعة ؟
- أربعة وربع
- شكراً لك
وتهم الفتاة بالرواح ، ولكنها تلتفت نحو الكناس بابتسامة :
- نحن نخرج عادة الساعة الرابعة ودقائق .
وينكس الكناس رأسه إلى الأرض في استحياء . "
لقد عني الكيالي بشخصياته عناية فائقة باعتبارها مدار المعاني الإنسانية ، ومحور الأفكار والآراء . وقد أظهر فيها الوعي الفردي متفاعلاً والوعي العام ، وسط مجموعة من القيم الإنسانية الحية ، في صراعاتها اليومية مع قيم بادت واندثرت ، وأثار حقيقة الحياة الجديدة عندما ركز على الجوانب الباهتة في الحياة عندما تصبح مواتاً توضَّع في شكل استلاب أو نكوص أو قهر ، ليظهر إحساسه عميقاً بالحياة ، وبجو الصراع الدرامي بين الناس بغية تحصيل الرزق والعيش الكريم ، إن أبطاله يمضون إلى مصائرهم كالفراشات التي تحترق بالنور ، مدفوعين بقوة الحياة فيهم ، بمرح أصيل في نفوسهم ، أناس من لحم ودم ، فيهم كل التصميم والعزم ، وفيهم كل الضعف والخور ، تتقاذفهم مشاعر الغبن والامتهان ، ويفضي بهم جو الصراع إلى نهايات حزينة لكن دون يأس ، إن إيمانهم بالحياة ليرسم البسمة على وجوههم ، فتظهر ندية بين الدموع ، وإن حسيب الكيالي يرسمهم كما هم في صورهم الواقعية المألوفة ، فنشاهدهم بيننا يحيون ، ونلتقي بهم في أمكنة عديدة ، إنهم نحن .. وتلك الصور التي تجسدهم منتقاة بعناية وفق الطريقة الفنية الجمالية ، وقد أعطى الصراع هذه الشخصيات البسيطة معنى عميقاً لحياتها العارضة ، وكشف عن الضرورة التي تنتظم علاقاتها العامة والخاصة .
وقد تنوعت هذه الشخصيات وتميزت بسمات وملامح دقيقة واضحة ، وهي جميعاً ذات أصول شعبية فقيرة ومتوسطة من فئة المغمورين ، استوحاها الكاتب من معايشته اليومية الغنية والمتعمقة ، وقد رسمها وفق أسلوبه المتميز ، من ناحية الشكل الخارجي ، وعبر الحوار الذي يكشف عن مكنوناتها الداخلية ، فظهرت بكامل حيويتها وحرارتها ، وهذا الشكل الخارجي يشمل عادة ما يلفت النظر في الشخصية من ملامح أو حركات أو لازمات خصوصية موحية ومعبرة ، لصيقة بالبيئة الشعبية التي نبتت فيها . فهذا ( كاتب العرائض ) الكهل ، إنسان من العهد الماضي ، كاتب استدعاءات على الطريقة الإنشائية التي رسختها في الدوائر الحكومية الديباجة العثمانية ، وهو بهيئته الشخصية يبدو شكلاً منسجماً مع ما يمثله من عقلية وثقافة . " شارباه بعيدان من شفته العليا ، ومصبوغان بالحناء صباغاً تختلف كثافته في السبلة عنها في الطرفين ، وعلى قبته منديل يمكن أن يقال إنه أبيض ، إلا في الموضع الذي يمس القذال فهو منشا بالزفت .. "
أما ( طبيب الناحية ) فسكير غريب الأطوار يرسمه على هذا النحو : " كان كهلاً في حيطان الخمسين ، قصيراً ، بطيناً ، لخديه ثنيات وطيات ، وتحت ذقنه غبغب كغبغب الثور ، أبيض إلى اصفرار ، إذا سعل أرتج .. وعيناه واسعتان مقروحتان ، متباعدة رموشهما ، في بياضهما عروق زرق ، كتلك التي تشيع في المرمر الأبيض . " والأستاذ باكير العازف اليائس الحزين " كهل معروق ، عظام وجنتيه بارزة ، وعيناه كليلتان ، ووجهه ممطوط باك ، وبشرته ناصلة اللون .. " أما مغسلا الميت في قصة ( إلى الدحداح ) فهما اثنان من الكلاليب .. أحدهما قصير مجدول الرقبة ، ضعيف البصر ، والآخر طويل عريض المنكبين ، الجفن الأيسر لإحدى عينيه متهدل مشلول ، كان يقف قرب النعش ، يعتمد براحة كفه على صدر الميت ، كأنما رفعت الكلفة بينهما . " وعبد الغني قرما في قصة ( نظامي جدًّا ) دركي صنف أول ، نحيف ، كثير الابتسام ، قليل شعر الرأس والرموش ، ولكن في عينيه معنى عذباً ، شيئاً يقول لك : الله معك يا روحي .. " . وهذا صابر العبياني مرشح السادة الأكارم " وقد دنا من المنبر ، وهو يثبت نظارتيه على أرنبة أنفه ، ويمط رقبته إلى الأمام بتواضع . " وأحد الصبيين في قصة ( يجمعان الشوندر ) " هزيل أصفر ، أحول ، يسوي خصلات من شعره الخرنوبي ، انحدرت على عينيه اللتين تبدوان بلا رموش . والآخر ، أسمر كبير الفم ، يلبس طربوشاً ليس له قش ، ينخرط في رأسه حتى أذنيه الكبيرتين ، وفي يده قضيب مكسور ذو عقد . "
لقد حاول حسيب الكيالي في هذه الصور المرسومة ببراعة اختص بها ، أن يطابق جيداً بين البعد الاجتماعي والنفسي الذاتي لهذه الشخصيات ، وبين البعد الشكلي الخارجي . وقد تلامحت فيها أصول موهبة فنية قادرة على الخلق والتأثير ، كما بدت ركناً أساسياً في البناء القصصي عنده ، ذلك البناء القائم على أحد أهم أركانه ، وهو عنصر السخرية. وربما كان السر في طرافة هذه الصور وصدقها وعفويتها ، أن الكاتب ابتعد بها عن التنميط الآلي المسطح ، فبرزت خصوصياتها ذات صلة وثيقة بغرض القصة والرؤية الفنية معاً .
وقد لعبت اللغة دوراً مساعداً في كشف العالم الداخلي للشخصيات . فمن حيث السرد والوصف ، تظهر لغة الكاتب لينة مطواعة ذات إيقاع له تأثيره وانسيابه . ومن حيث الحوار القصصي تظهر نوعاً من المزاوجة البارعة بين الفصحى والعامية ، أو ما يسمى باللغة المأنوسة ، وقد تفرد حسيب الكيالي بأدائها وعرف به ، فاعتماده لغة الحياة اليومية في الحوار بين شخصياته يعتبر وجهاً من وجوه تقديم الحدث والشخصيات ، وهذا يدخل في سمة السلوكية الظاهرية عنده ، على اعتبار أنه معني بتقديم ظاهر شخصياته بما في ذلك اللغة ، ذلك الظاهر الذي يكشف بقوة عن الباطن ويولد دلالاته في القصة .
وقد اتسمت لغة الحوار والسرد معاً بالبساطة والرشاقة والدقة في التعبير ، واستطاع حسيب أن يقدم ضمن إطار فني أصيل اللغة الشعبية اليومية الحديثة ، وأن يحولها إلى شيء له نكهته الخاصة المعبرة الآسرة ، من حيث الغنى بالأمثلة الشعبية والاستعمالات المجازية الدارجة . ولعل باعث هذا الاختيار الفني عنده ، إحساسه بنداوة الكلمة الشعبية وخصوصيتها ، والخبرة الغنية بأبعادها المعنوية وطرق نطقها . وقد اتخذت الألفاظ الشعبية على لسان شخصياته التعبير الحي ، لا المدلول الحرفي الجامد . وهكذا فالحوار في قصص حسيب يدخل بوصفه عنصراً مكملاً في اجتلاء الصورة الشعبية المحلية ، بما تحمله من خصوصية وتميز .
وبعد فربما كان أهم ما يميز شخصيات حسيب الكيالي نكهة السخرية التي شكلتها جميعاً .. لقد سخر من شخصياته التافهة الجاهلة الفضولية ، وأظهرها من خلال صور كاريكاتورية فكاهية استطاعت تعرية حماقاتها وفضح عقلياتها البائدة ومفاهيمها الرثة ، كما أبرزت نواحي الشذوذ والنقص والانحراف فيها ، لكن ذلك لم يكن ليثير في القارئ مشاعر الكراهية تجاه هذه الشخصيات ، بل ظلت محببة ، تثير من السرور والدهشة أكثر مما تثير من الاستياء والرفض . كما رسم حسيب في قصص أخرى مآسي ضاحكة كمنت وراءها أزمة إنساننا المحلي البسيط وهو يعاني الحزن والانطواء في جانب ، وينشد الحب والتواصل الإنساني في جانب آخر كما في قصص : ( معيد الكلية ، إلى الدحداح ، أمام القصر العدلي ، بين الدموع ، يجمعان الشوندر ) .
ويكاد عنصر السخرية في قصص حسيب الكيالي أن يكون المحور الأساسي لمعالجته الفنية ، وقد برز كوسيلة هامة لفضح الواقع بكشف عيوبه ومفارقاته ، فهو يقول : " أنا أنطلق من فكرة رفض هذا المجتمع المهترئ ، النغل ، المنافق ، من فكرة الضحك منه ، وصدمه ، صدمات هوجاء حتى تستيقظ القوى الكريمة فيه . "
وهكذا فإن إبراز كوميديا الشخصيات له أثر كبير في الكشف عن مجمل كوميديا الواقع المعاصر للكاتب . وإذا كان وجه الحياة قد تبدى في سطوره من خلال الضحك المرئي للعالم ، فإن دموعاً كثيرة قد تخفت وراء هذه الغلالات العذبة المرحة الساخرة . وقد أدرك حسيب الكيالي بجد ووعي المقاصد التي سعى وراءها إذ يقول : " أريد أن أروي للناس حكايات تمتعهم ، وتضحكهم ، تحركهم ، فإذا لم أستطع ، فلا أقل من أن أزرع في وجوههم المتعبة المكدودة بسمة تقتلعهم من هذا اللهاث المكدود المقصود ، وتصرف أنظارهم ، ولو ساعة أو بعض الساعة ، إلى أن الكد واللهاث وكل ما انبث في هذه الدنيا شيء جدير بأن نرى إليه ، أن نتأمله ، أن نحبه لذاته لا لشيء آخر . وقد اقتضاني ذلك أن أسبر مدى وسائلي في التغلغل إلى القلوب .. "
وإن الجهود التي بذلها حسيب الكيالي في إغناء الواقعية الفنية ، ببعديها الحالي والمستقبلي ، قد صدرت في رأينا عن ذوق فني مرهف ، وإحساس فكه بجمال الأشياء ، وفهم عميق مدروس لطبيعة الفترة الاجتماعية والسياسية التي كانت تسود في حياة المجتمع العربي السوري في ذلك الوقت من خمسينات القرن الماضي ، إنها فترة لها سمة التحول والبحث عن شخصية مستقلة متوازنة ومعتدلة ، تواكب المتغيرات وركب التطور المتسارع .



( 2 )
ثنائية الضعف البشري والقوة الإنسانية
( سعيد حورانية )


يتمثل سعيد حورانية في قصصه تجربة الشباب العاصفة التي عاشها في خمسينات القرن الماضي ، في فترة اتصفت بالتغيير المتسارع في الأحداث الوطنية والاجتماعية والسياسية بعيد الاستقلال ، في فترة اضطراب وتحول ، شكلت في حينها نقلة هامة في حياة القطر العربي السوري بين التقليد والحداثة ، بين القديم ببنيته المتآكلة ، والجديد المتطلع إلى البناء وإعادة التشكيل الاجتماعي . هذا الواقع الجديد ، وعبر الذائقة الفنية الخاصة والمختلفة لسعيد حورانية ، أنتج كمًّا نوعيًّا من القصص لا يزال ينظر إليه على أنه تأسيس خلاق لجوهر الطرقة الواقعية وروحها في الكتابة القصصية ، وقد كان عماد هذه القصص ومحورها دراسة التجربة الاجتماعية للإنسان وتصويرها ، والتعبير عن العلاقات القائمة والأخرى المتغيرة ، بين الفرد والمجتمع ، وكذلك بين بنيات المجتمع ذاته ، بكل تناقضاتها وهمومها وإشكالياتها ، وقد خرجت من ذلك إلى صورة صراع متعدد الجوانب ، متلاحم ، منفتح على المؤثرات العديدة آنئذ ، صراع مأزوم يفضي إلى مخاضات عسيرة ، صراع محكوم بالخيبة والانكسار في آخر مطافاته ، فيغدو الصوت الناظم للتجربة القصصية منحصراً بين قطبين اثنين : الأول يشكل الانطلاقة المتحفزة الواثقة ، المسلحة بالعزيمة والتفاؤل بمستقبل جديد مختلف ، يتلامح بجاذبية قوية ، والثاني نهاية خاسرة خائبة مفلسة على كل صعيد .. إنهما قطبا الضعف البشري والقوة الإنسانية في قصص سعيد حورانية ، قطبان يحكمان تجربته الإبداعية بمجملها ، ويصوران مدى التجاذب العنيف الذي عاشه بين طموحه الحياتي المشروع ، وإمكاناته الإبداعية الخلاقة . فما طبيعة هذه التجربة ؟ وما هو شكل تجسدها بين الضعف والقوة ، وبين الذات والموضوع ؟
إذا كان العمل الفني في مجمله حصيلة تجاوب الفنان مع الحياة ، ورؤيته للمجتمع والكون ، فإن وعي الفنان لهذه الرؤية يشكل جزءاً لا يتجزأ منها ، لكن هذا الوعي لا يتحدد ولا يتأطر في مقولات جامدة ومباشرة ، بل ينعكس في الذات المبدعة ويصدر عنها ، يتحلل ويعاد إنتاجه وفق الطريقة الخاصة لرؤية الفنان ، على بصيرة ذاته المختلفة المتميزة عن ذوات الآخرين ، لكنها الملتقية ثانية بالذات الإنسانية الكبرى ، ذات تجمع إليها كل الذوات ، وتطوي في داخلها مجمل ما يعتمل فيها .. فالبداية الذاتية ضرورية في كل عمل فني ، وبقدر ما ينجح الكاتب في تقديمها بصدق فني ، بقدر ما يجعل من عمله أنموذجاً صالحاً للتعميم . وتلك هي الموضوعية ذاتها في تقديم العمل الفني ، موضوعية تعاملت مع واقع الحال ، واقع ملتصق بالحياة ، يخصبها ويغنيها باستمرار ، خصب الحياة وغناها ، يتبادلان - الواقع والحياة الإنسانية - الخصب والغنى ، يؤثر كل منهما في الآخر ، ويدفعان عجلة التطور الإنساني .. وإننا نستطيع أن نتلمس بوضوح ، كيف انعكس مثل هذا الغنى والخصب في نتاج سعيد حورانية القصصي ، فبرز العالم الواقعي بين يديه في تنوعه وغناه وتحولاته ، أي في تعبيره عن الإنسان المحكوم بشرط وجوده ، زمانياً ومكانياً ، محلياً ووطنياً ، برز العالم المصور في صدقه ومشروعية تعميمه إنسانياً ، وفي استيعابه لمجمل التطورات الاجتماعية لمرحلة الخمسينات المتصارعة في واقعها التاريخي الملموس ، كما انعكس أيضاً على تجربته الفنية ، فأعطاها التنوع نفسه ، وهاجس البحث المضني عن شكل قصصي متميز يوائم روح الإبداع ( فنياً ) في الجنس الأدبي ، وينفذ ( موضوعياً ) من دائـــــرة الملاحظة و ( نقل ) الوقائع، والإثارة الرخيصة ، إلى توحيد مادة العملية الفنية ، في وحدة انطباعية متكاملة ، تدمج الفكرة بالانفعال ، عبر الصورة الحية الفاعلة المؤثرة .
لمع نجم هذا القاص في فترة الخمسينات تحديداً ، وانطفأ في أواخرها ، بعد مسيرة اجتماعية ثورية ملتهبة بالحماسة الوطنية ، بل مشحونة بالمكابدة اليومية ، المنفعلة الفاعلة ، مسيرة نضالية اختط فيها لنفسه طريقاً متميزة ، إلى جانب رفاق الدرب الآخرين من أعضاء رابطة الكتاب السوريين ، فكان الصوت الأبرز والفعل الأكثر صدامية وحسماً في العمل التنظيمي والإبداعي في الرابطة . وكان لتجربة الحياة ، ومعايشة الناس في الأوساط الشعبية أثر هام في طبيعة العالم القصصي ، فقد عرف كيف يوظف وقائع حياته ومعاناته ، وكيف يستخلص منها عصارة تدخل في صياغات فنية موضوعية ، إذ أمكنه بدايةً التخلص من طغيان العنصر ( البيوغرافي ) الذي كان قد أثقل القصة السورية في العديد من نماذجها . ولعل الهام في تجربة سعيد حورانية أنه استطاع بروح حساسة مرهفة ناقدة ، أن يكشف الدلالة الكبرى لما يحدث في الساحــة العربية السورية ( محلياً ) ، وأن يتوسع في الدلالة ( إنسانياً ) ، وأن يرى حركة الواقع في كليتها ، وليس في جزئها المفرد الهامشي ، وهذا بالتحديد ما جعل معظم قصصه لا يزال حتى اليوم يمتلك صوته المنفرد ، ويتميز بمزيد من الحيوية والدفء ، من الاستمرار والمعاصرة .
بداية لا بد أن نلاحظ أن مجموعاته القصصية الثلاث ، تمثل خط سير وخط تحول ، فيكاد ذلك يعطي صورة حية لتطور الشكل الفني في قصص الرابطة عموماً ، إذ بدأ في أولاها وقائعياً ترسمياً ، يهتم بنقل الحدث القصصي وتسجيل تفاصيله ، فتناول وفق هذا المنظور مشكلات اجتماعية عامة ، بروح أخلاقية تقليدية ، كالفقر والتسول والخدمة في البيوت الغنية ، والعقم والبغاء ، ومفاهيم الشرف والحب المحرم والصداقة .. وقد عكست هذه الموضوعات الأولى التي تناولها في قصصه تأثره بالحساسية العامة التي كانت سائدة في القصة عموماً في فترة الأربعينات ، كما عند محمود تيمور وعلي خلقي ومحمد النجار على سبيل المثال ، وكان لا بد لهذا الإرث أن يظهر على شكل تأثيرات لها طابع الانفعال والتقليد .. لكن سعيد حورانية ما لبث أن تجاوز موضوعاته تلك ، إلى موضوعات أخرى تنهل من الواقعية الاجتماعية النقدية ، منتهياً إلى تطوير هام في الشكل الفني الواقعي للقصة القصيرة ، من خلال استخدام عدد من التقنيات المستحدثة ، وعبر التجريب القائم على الدراسة الواعية الخلاقة للقدرات الفنية والإبداعية . وقد سار في رحلته تلك من التسجيلية والبساطة العاطفية ، وشخصية الموضوع القصصي لا ذاتيته ، فضلاً عن ضعف هذا الموضوع وارتباكه ( وغاب القمر ، أوسمة الشيطان ، أخي رفيق ، ساعي البريد ..) ، وهذا ما يمكن أن يلاحظ في عناوين القصص .. إلى مهارة الاصطفاء والتعقيد والتقنية المدروسة ، وقوة الأداء وصدقه أو حميميته النابعة من حرارة التجربة الشخصية الإنسانية .
وقد سلط سعيد حورانية الأضواء على القوى الإنسانية الصاعدة في حركة الواقع ، الفاعلة فيه ، ذات التشكل الجديد في المجتمع السوري ، في وقت ساده التغير الجوهري في البنية الأساسية للمجتمع ، ومهمة البحث عن هوية اجتماعية وسياسية ، تعي نفسها وتحمي استقلالها من عنت وتسلط القوى المتحالفة ضد هذه الهوية المتشكلة حديثاً .. ففي قصصه ستخوض القوى الجديدة الصراع بمختلف أشكاله ، من سياسي واجتماعي وفكري ، بحيث يسود عنصر الصراع العالي ، وتتنوع أطرافه وتتعدد وتتشابك ، فتشمل نماذج اجتماعية كثيرة على اختلاف انتماءاتها ووضعها الاجتماعي والطبقي ، فإلى جانب أبطال الثورة السورية والمجاهدين في زمن الانتداب الفرنسي سنجد شرائح المجتمع الجديد بكل فئاته من العمال والمهنيين والفلاحين والمعلمين ، إلى فئة من الشباب المثقف والشباب المأزوم المضيع الباحث عن وجوده .. إلى نزل الغرف المأجورة والسكارى والبغايا ولاعبي القمار وباعة اليانصيب .. وفي طرف آخر سيظهر ممثلو الكبح الاجتماعي والسياسي والثقافي ، وأرباب التسلط من بقايا الاستعمار والمتنفذين الاقطاعيين ، وأفراد الدرك والضباط وأصحاب المصانع ..
وقد وجه سعيد حورانية اهتماماً خاصاً إلى معالجة قضايا الإنسان المسحوق طبقياً ، والمضطهد اجتماعياً وسياسياً في الريف والمدينة ، وبحث في أشكال الصراع ، فكشف عن القوى المتنازعة فيه ، وعن الموقف الحاسم الذي اتخذه الجيل الجديد بإعلانه الانفصال عن الجيل القديم ، فتصور قصة ( حفرة في الجبين ) مثلاً ، كيف اضطر الراوي الشاب مصطفى إلى هجر عائلته التي تنتمي إلى القوى المضادة التي تحكم سيطرتها بتكديس الأموال وامتلاك المصانع ، بعد أن عانى كثيراً من الجور الذي يوقعه رب العمل ( والده وأخوه الأكبر ) به وبالعمال ، وتتراجع الروابط الأسرية هنا لتحل محلها روابط أخرى جديدة متفهمة واعية ، تجمعه إلى العمال وقضاياهم ، وتشد مصيره إلى مصيرهم ، وينضم الأخ الأصغر ( سليم ) إلى صف أخيه والعمال ، على أثر حادث في العمل ، يخلف جرحاً بالغاً في جبهته ، وقد رفض والده بالرغم من كل التوسلات منحه مالاً أو تعويض إصابة عمل ، يسعفه في إجراء عملية جراحية ترمم جبهته المحفورة . .
والواقع أن هذا الصراع الذي يصوره حورانية في قصص ليس صراع شعارات أيديولوجية كما قد يبدو ، ولا صراع مواقف مسبق مرسوم سلفاً للمجتمع وترسيماته الجديدة ، بل هو صراع حي مؤثر ، يصل الكاتب إلى إثارته عبر التنامي الفني الموضوعي لمجمل العلاقات المصورة بين أطراف الصراع في القصة . وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الانفصال ( الطبقي ) الذي تحدد فنياً بالانفصال بين الجيلين ، والذي قد لا يبدو مقنعاً ، لم يكن كلياً ولا منقطع الجذور كما قد يفهم للوهلة الأولى ، بل إنه موقف صلب متماسك يعي أهدافه ، ويحاول وصل القديم الأصيل بالحاضر المتجدد المتفتح على قيم أخرى مغايرة ، مبقياً على ( الخيط المشدود ) المتوتر هنا دلالة على تأزم الصراع بين الجيلين اجتماعياً وفكرياً ، من دون أن ينقطع ، فتنعدم الصلة ، ومدركاً خطر الاغتراب وسط المجتمع ، وقسوة إضاعة الذات . إن ( سالم ) يهجر بيت الأهل بعد مشادة عنيفة تكشف عن جو النزاع الفكري الحاد الذي يسود بينه وبين والده .. ويلاحق الكاتب شعور بطله بعد الانفصال المحزن عن البيت ، فيبدأ ذلك من لحظة وجوده في القطار مسافراً ، إذ تبرز الأم ، تلك المرأة الوديعة ( الانتماء العفوي دون أن يتلبس بالصراع ) التي قضت بمرض السل ، تبرز معادلاً للحنان وللحب الذي افتقده الشاب في جو الأسرة ، ويتخذ الأب في النهاية عبر التداعيات الحميمة ، ذات الصورة الأليفة للأم ، فيكشف هذا عن حنين جارف لدى الشاب سالم لرأب الصدع والعودة إلى حياة أسرية مكللة بالحب والتفاهم ، وتتخايل في ذهنه بعدئذ صور أثيرة لحياة هانئة يعيشها أميناً لأفكاره ومثله في الحياة .
وهذا حامد في قصة ( سريري الذي يئن ) يهجر البيت أيضاً ، ويأسى لأخوته الذين بدوا أحبة طيبين ، آلمهم هذا الفراق مثلما آلمه .. وهو إذ يصر على القطيعة يدرك قيمة التضحية ويجدها أكبر من أن تقاوم : " أشعر بأنني قوي رغم كل شيء ، وأنني وجدت ذاتي التي أضعتها منذ وقت طويل "
وفي قصة ( شتاء قاس آخر ) يعود الكاتب ليوطد العلاقة بالجيل القديم ، الممثل من جديد بشخصية الأب ، وبالأصالة والتراث ، من خلال معالجة تقنية متقدمة ، غنية بالدلالات والوعي ، تعتمد الرمز والبناء التعبيري والأسلوب الشاعري الشفاف الرقيق ، وعبر صياغة جديدة للواقع ، يمتزج فيها المعطى الإنساني بالطبيعة والكون. فيصور الكاتب قصة شجرتين ورؤية جيلين ، فالراوي الفتى ( الابن ) يفضل شجرة الليمون ، أميرته الشامية الرقيقة الحانية : " أنا شخصياً أحب شجرة الليمون اللطيفة التي تعيش في بيتنا ، ولا أظن أنني عقدت صداقــة مع شيء في الدنيا ، علــى مثـل المتــانة التــي عقدتها معها . " أمـــــا ( الوالد ) فيعرِّض بشجرة الليمون بقسوة ، وينعتها بالطفلة المدللة ، ويفضل السنديانة الضخمة العتيقة : " إن الليمون ضعيف رخو لا يقاوم العاصفة ، ويكفي سوط ريح خفيف ليجعل شجرته ترتجف ذعراً . إنها مسلولة مريضة في حاجة دوماً إلى من يساعدها ويسندها ، وإذا جرحت سوقها جرحاً صغيراً ، نزفت منها الحياة قطرة قطرة ، دون أن تفكر يوماً أن تكظم ألمها وتداوي الجرح وتنتصر . إنها تقف دوماً وكأن صاعقة مرعبة توشك أن تنقض عليها ، فترخي أوراقها المرتعشة كأذني حمار ذليل .. وإذا ولدت الليمون لم تعرف كيف تمسك به ، إن أطفالها أنفسهم لا يحبونها ، وحطبها حين تموت سريع الاشتعال سريع الخمود .. لأقل لكم الحق يا أولادي ! أنا لا أثق مطلقاً بالليمون ، ولكن انظروا إلى السنديانة .. أية قوة وأي مضاء !!. " ويدور حوار بين الابن والأب حول الضعف والقوة ، الرقة والخشونة ، يؤكد فيه الأب ضرورة القوة والصلابة ، حتى يمكن للإنسان الصمود والمقاومة والتغلب على كل شتاء قاس ، ويتصاعد الصراع بين الضعف والقوة ، بين شجرة الليمون والسنديانة ، وبين الابن الرقيق الضعيف الذي يبكي دائماً ، والأب القوي الصلب الذي يكره الضعف والبكاء ، ويصمد ويتحمل ويحب بقوة ، ويقدر البقاء للأقوى والأصلب . ويفكر الابن في وحدته مستسلماً لضعفه : " كم يشبه أبي هذه السنديانة !. وجهه المجعد ، وعيناه العميقتان المتأملتان في برود وتدبر حوادث العالم ، وصبره العجيب على تقلبات الدهر ووخزات الأيام ، دون أن يرى الإنسان على وجهه أي تعبير عن الأشياء التي تفور في أعماقه ، وكرهه للضعف والبكاء ، ومبادرته إلى إصلاح ما أفسدته المصائب باحتمال ودأب . كل هذا بدا لي وكأنه انشق من ضلع السنديانة . "
وإذ تمر الشجرتان بتجربة الشتاء القاسية ، سرعان ما يكتشف الابن عجز أميرته الجميلة عن الصمود في وجه العاصفة العاتي : " أخذت الريح المجنونة تلطم نوافذ غرفة سهرتنا بقوة عظيمة ، وتعول إعوالاً مرعباً . أزحت الستائر وأخذت أحدق في قلب الليل ، كانت أضواء الغرفة تقع ضعيفة على أميرتي .. ودق قلبي بعنف .. لكأن مارداً قوياً جباراً أحاط عنقها بيديه القاسيتين ، وراح يهزها حتى ينتزع منها الحياة نقطة نقطة . وكانت تترنح وتميل بدون نظام ، وليموناتها تتمسك بالأغصان بيأس ، أما أوراقها فقد أخذت تتطاير وتغيب في الظلام ريشاً أسود فارغاً . وفي الجذع الطري كانت أصابعها اللطيفة تقبض على التراب باستماتة .. وانهمرت دموعي وأضناني العشق والخوف . " في الوقت الذي يرى فيه أمام عينيه كيف صمدت السنديانة وتحملت رياح الشتاء وثلجه القاسي ، فيعبر عن مشاعره تجاه هذا الصراع والنتيجة التي آل إليها بقوله : " يارب ما أشقاني !. ماتت أميرتي الجميلة ودفنت دون احتفال أو كفن من حرير . أخذت تحتضر أياماً طويلات دون أن تساعدها توسلاتي على الحياة . وتساقطت أوراقها الخضر ، بعد أن اصفرت وجفت وظهرت عروقها .. والليمونات الصفراوات تهاوت مشوهة مشقوقة البطن وقد سال دمها على الأرض ، منثورة مشوهة كجنين مجهض .. وذات يوم هوى أبي بفأسه عليها ، فانقصفت بيسر شديد كقطعة يابسة من الشوك .. أخذت أراقبه وأنا أشعر بفأسه يحتز شراييني والدموع تنقط في قلبي ملتهبة .. وعندما انتهى من المذبحة ترك أوصالها المقطعة الميتة ، ومال إليَّ معزياً : لا تحزن يا ولدي .. إنها ضحية مسكينة من ضحايا الشتاء ، لقد قلت لك من قبل إنها عاطفية شديدة النعومة .. إني لا أثق بالليمون . " أما السنديانة التي صمدت وقاومت ، فقد خرجت من المحنة بعزيمة وروح متجددة : "أخذت أرقبها كل يوم .. لم يكن في جذعها الأبرش وأغصانها الجرداء الجريحة أية بادرة من الحياة !! لكنها كانت توحي لي دوماً بالكبرياء .. وفي الربيع استيقظت باكراً وركضت إليها .. فرأيت أبي واقفاً وكأنه قطعة منها .. ورفعت نظري إلى الأغصان فصعقت !! يا للعجوز المتصابية اللعينة .. إنها كالقطط بسبعة أرواح . ففوق كل غصن كان عود طري أخضر مليء بالزغب والورق الصغير ، ينتفض ويشرب من ضوء الشمس . " وهكذا يؤكد سعيد حورانية بهذا الرسم البارع لمقولة الضعف والقوة ، أن المستقبل الأفضل يتشكل عبر المعاناة والنضال والقوة والصلابة وتحدي الظروف المحيطة .
وينجح الكاتب في رسم عالم الطفل من خلال عدة تفاصيل فنيــــــــة مجسدة : (ليمونة خضراء أميرة لكنها ضعيفة ، القطة الأليفة الأنيسة ، بكاء الابن ومظاهر الضعف البادية في شخصه .. ) وفي صورة جانبية أخرى يظهر عنفوان الأب ، وهو يتفادى حريق السجادة الصوفية ، وقد انقلب عليها المنقل ، فيمد يديه ويرفع الجمر بين أصابعه بسرعة وصبر ودراية ، فاركاً يديه مرة بعد مرة ، من دون أن تتقلص حتى عضلات وجهه .
وقد تبدو لنا هذه القصة المقولة وثيقة الصلة بجو الفترة الاجتماعية والسياسية التي كتبت فيها ( أواخر عام 1958 ) ، إذ وصل صراع القوى الجديدة فيها إلى نهايات منكسرة خائبة ، فعادت أدراجها لترى عبر تاريخها العربي الطويل أمثلة الصمود وضروب المقاومة ، مستلهمة منها نسغاً أصيلاً يغذي حياتها الحاضرة ، لصنع مستقبل تتلامح وعوده بقوة .

وقد بدا الاستلهام التاريخي ملمحاً واضحاً ضمن هذا المنحى ، وذلك من خلال إحياء سير أبطال الثورة السورية ، أيام الانتداب الفرنسي ، ومن خلال نسيج القصة الشعبية أيضاً ، بشكل يتناسب والموضوع القصصي ( حمد ذياب ، من يوميات ثائر ، الجوزات الثلاث ، عريظة استرحام ) وقد عمد الكاتب في هذه القصص إلى إبراز مقولة التحدي والمقاومة الإنسانية والرجولة الصامدة ، وعرض لصور من الاستبسال الوطني والشعبي في وجه القوى الغاشمة المسيطرة في المجتمع ، بما هو مستعمر أو متحرر تابع للأجنبي في آن معاً . وتغدو الإحيائية هنا شعاراً ، وترتفع إدانة قاسية أيضاً .
في قصة ( حمد ذياب ) يقدم سعيد حورانية أنموذجا بسيطاً لبطل شعبي ، اتخذت حياته نكهة الأسطورة وبعد المأساة . لقد تضاءلت أمام سيرته اللاهبة مشكلة المعلم المناضل راوي القصة وممثل الجيل الشاب ، الذي جاء ليزور حمد ويبلغه نبأ نقله من دمشق إلى الحسكة ، فيجيبه : " هذا طريق صعب .. يجب أن تتعود عليه .. ذقنا قبلك مثل هذا وألعن . " فيؤكد الكاتب بذلك استمرار سبيل الصراع وتعدد مراحله ، من الثورة الوطنية ضد الاستعمار ، إلى الثورة الاجتماعية ضد الظلم الاجتماعي ، لتحقيق العدالة والحرية . ويروي ( حمد ذياب ) حكايته أيام الانتداب الفرنسي ، فيجسد صورة ناطقة للقوة الشعبية ، للجوهر الكامن في الناس حين تهديد الوطن واستلابه : " قصتي بسيطة .. ميت واحد تعذب مثلما تعذبت .. ولكن لا بأس من الكلام فقد يسليك .. " . لقد عاد حمد إلى وطنه بعد سنين طويلة من السجن والتعذيب في مستعمرة ( الغويانا ) الفرنسية . عاد بعرجه البادي ، لتستمر معاناته في الوطن ، إذ يعمل آذن مدرسة صغيراً مهملاً ، في ظل نظام لا يحترم أبطاله .
أما أبو صلاح في قصة ( الجوزات الثلاث ) فنموذج آخر لإنساننا المحلي البسيط .. إنه ناطور البساتين العتيد ، عمل طوال حياته في خدمة الأرض والأشجار ، وزرع الكثير من الغرسات الصغيرة ، واعتنى بها كما يعتني بأبنائه ، فأصبحت هذه الأرض وتلك البساتين جزءاً لا يتجزأ من كيانه ، لكن اتساع المدينة أخذ يغزو الضواحي ، وغابت المساحات الخضراء الظليلة ، وفقد أبو صلاح عمله المحبب ، وانتهى إلى مستخدم بائس في مدرسة قامت مكان الأشجار ، وهو يقف الآن عاجزاً مقهوراً أمام العمائر الإسمنتية التي تجتاح الغابة الدمشقية الجميلة ، وتأتي على ما تبقى من عبق الماضي الماثل في جوزات ثلاث .. فينطوي العهد القديم بكل بهائه وخصبه ، في زحمة الحياة الصاخبة . ويحاول راوي القصة جلب العزاء إلى قلب أبي صلاح فيفجر المأساة بكلماته .. " صعدت إليه ووقفت بجانبه لحظة صامتاً ، ثم قلت ببلاهة : أبو صلاح .. قطعوهم .. لم يرد عليَّ . بدا وكأن أي شيء في العالم لا يعنيه . تكوم كجذر عتيق نشف عليه التراب ، ومرت عليه فترة طويلة وهو ساهم . كنا نقف معاً ، وأنا أتطلع نحوه بحيرة ، ثم انسحب مخفياً عني وجهه . ولكني لمحتهما ، دمعتين كبيرتين حقيقيتين من العينين اللتين لم تعرفا يوماً طعم الدموع ، نزلتـا واختفتا باستحياء بين خطوط وجهه." وهكذا يغدو قطع الأشجار - من حيث هو معادل فني في القصة - قطعاً لجذور الحياة ، قطعاً للتواصل ، وضياعاً للقيم وكبحا للأصالة والتراث بالزحف المادي العاجــــز .
ويشكل اعتداد الكاتب بدور البطولة الإيجابية في تغيير الواقع وتطويره ( بطولة الرجولة تحديداً ، وبقيمها العليا ) رؤية صادقة ومؤمنة بالجوهر الإنساني النقي ، المتخفي في أعماق الكائنات التي يبدعها . وإنها رؤية لا تقوم في فراغ ، بل تبدو وثيقة الصلة بالزمان والمكان ، مشروطة بالتاريخ ، وتتوجه إلى لمستقبل ، عبر صراع الإنسان المضطهد اجتماعياً ، والمسحوق طبقياً ، وضمن أفق الإيمان بالآتي الأفضل ، وهذا في الحقيقة ما يشكل جوهر طريقة الواقعية الجديدة وأساس رؤيتها . فهي في نظر الكاتـــب " أسلوب عمل وتفكير ، وليست نظرة محددة . إنها النظرة إلى الواقع من خلال المفهوم الجدلي المرتبط بحركة التاريخ ، لا النظرة السكونية أو الانتقادية الإصلاحية . إن كشف القوة الإنسانية خلال صراعها مع القديم المتلاشي لخلق عالم جديد ، لمهمة تتعدى بكثير الواقعية المعروفة التي تصف العالم ولكنها لا تكتشفه . "
وهكذا ، ففي جانب آخر يبدو هذا الواقع المتردي الذي يحكم الفئات الثورية والشعبية في قصص سعيد حورانية واقعاً مستعصياً على التطويع ، يأبى أن يظل رهناً للكبح والسقوط ، فهو يحمل بذور التغيير في داخله ، كما في قصة ( عاد المدمن ) ، إذ نسجها الكاتب من خلال البناء التعبيري الرامز ، وغنى بها الحرية المفتقدة في عهد الديكتاتورية السورية ، وقد أشرقت القصة بغنى الدلالات الموحية وعمقها ، وجمالية الموقف والرؤية التي تنأى عن المباشرة ، وتلجأ إلى خلق الشكل الفني الملائم ، بشاعريته الأخاذة التي تظهر في نهاية القصة ، بصورة الحساسين وهي تعود لتشرب الدنان ، وتسكر الأجواء بألحان شجية .
أما قصة ( قيامة ألعازار ) فتدور حول جندي جزائري يخدم في الجيش الفرنسي ، ويخضع لعملية وحشية من التهجين والضياع وامتهان القتل والإجرام بحق الشعوب الضعيفة في المستعمرات الفرنسية . لكنه يكتشف في لحظة تآلف إنساني ، وبعد أن ينزل حربته في ظهر زنجي أفريقي ، أنه ليس شيئاً على الإطلاق ، وأن وجوده كله مهدد بالزوال ، ويشعر بتلك الرابطة القوية التي تجمعه بإخوانه الثوار في الجزيرة السورية : " أين قرأت قصة ذلك الحصان الهزيل الذي أفقده الدوران بصره ؟ لن يحتاج أصحابه بعد الآن إلى أن يضعوا على عينيه العصابة ، حتى يخفوا عنه حقيقة هذا الدرب المحلزن اللامجدي .. إنني أسير الساعات .. إنه يسير الساعات ، جاراً معه أنين الناعورة المتعب ، والزمن بالنسبة إليه دقاتها الحزينة . ولكن لم أدرك .. ولكنه أدرك ذات يوم .. الحيوان المسكين .. أدرك أنه لم يتزحزح من مكانه خطوة واحدة ، وعرف أن المسير الأبدي لديه هو دائرة صغيرة من العالم .. الحيوان المسكين .. الذي خلق لينفخ منخريه في الهواء الحار ، ويقفز عبر السهب . وثار على مصيره الوضيع فضرب رأسه بوحشية في خشبة الناعورة ففقد عينيه . . "
وينضم البطل ( محمد علي الصغير ) إلى رفاقه ، ويهرب إليهم ذخيرة فرنسية ، وينبعث من قلب الدوامة التافهة الكريهة ، ويحيا في ضمير الحياة الجديدة .. ليثبت لنفسه حقيقة خاصة وهوية أخرى . وفي الوقت الذي يكون فيه رؤساء الشرطة وشعب التجنيد والمخاتير في المحافظات السورية الشمالية ( بعد الاستقلال ) يتحرون عن هوية الرقيب الاحتياطي محمد علي الصغير ، ليصار إلى ترقيته عرفاناً بفضله ، يكون جسده مسجى بجانب تراكتور في أرض زراعية ، عجوزاً قارب الستين من عمره ، مهملاً منسياً . لقد مات مرة واحدة ، وقام من ميتته ، وهاهو يموت ثانية ، ولكن على هذا النحو : " عندما أراد أن يموت حقًّا ، ارتسم على وجهه طابع بسيط وجليل وهادئ كشمس ضخمة هاربة .. ولم تكن البرودة التي أخذت تتمشى في مفاصله ، ولا الجهد الذي أخذ يفتح به أجفانه ، ولا الالتصاق بالأرض الحارة التي لم يألفها بعد ، والتي تشبه إلى حد كبير دفء ليلة تموزية في قريته الضائعة بين الزيتون .. النائية .. النائية بصورة لم يعد يتصورها عقله . لم يكن كل هذا ما أنبأه بطريقة لا تقبل الجدل ، بأنه يذوب ويتلاشى كنار تخمد بعد طول اشتعال ، بل شعوره الأكيد بأنه انتهى . جسده استمرأ الراحة على التراب المحفور بأسنان التراكتور الذي يبدو له شبحاً ميتاً له ظل أسود لزج كلون المازوت . مد رجليه باستسلام وحركهما حركة أخيرة كأنه يستحثهما على النهوض .. هاتان القدمان اللتان زرعتا الأرض ولم تستقرا لحظة واحدة ، الرجلان اللتان تركتا أثراً في فياف لم يقطعها ابن امرأة .. تنهد عندما لم تطاوعاه ، وأخذ الأسى يعصر قلبه كذبحة دخان رخيص .. لم يبق قلبه جيداً كعادته ، وأحس بإحساس شجرة عارية اقتطعت جذورها ، والنسغ النابض يتسلل ببطء من بين عروقها الجريحة التي تحتضر ، والأغصان بدأت تتيبس شيئاً فشيئاً وتنسى رائحة التراب وضمة ضلوعه الرطبة الحانية . "
وهكذا تبرز الشخصية الإنسانية في قصص سعيد حورانية فعلاً في الواقع لا يمحي أثره ، وتجسيداً نوعياً لمفاهيم جديدة فنية وفكرية ، كما تلعب هذه الشخصية دوراً أساسياً في تحديد مصيرها وتوجيهه ، فلم يعد مصير الإنسان يواجه بالعجز والاستسلام ، ولم يعد الإنسان يقف أمام ما يتهدده ضعيفاً مسكيناً لا يملك حياله شيئاً ، وبذلك تنتفي ( القدرية ) التي كانت سمة بارزة في أدب جيل سابق كجيل المنفلوطي وجبران . كما أصبح بالإمكان رؤية الشخصية الإنسانية العادية ، وهي تسعى في دأب من أجل تحقيق مكان لها يتناسب ومواهبها الذاتية لا الموروثة .
وقد تجلت هذه الخصائص أيضاً في نماذج القصة الاجتماعية ، إذ برز محتواها مزيجاً من صور الرفض والمقاومة والصلابة والاحتجاج على الظلم الاجتماعي ، على الرغم من كل ما يبدو في أبطال الكاتب من معالم الضعف والبساطة ورقة الحال ، الأمر الذي يكشف عن ماهية الضعف البشري والقوة الإنسانية في هذا التجسيد الحي للأبطال .. والقوة هنا هي الجوهري العام الكامن في حركة الواقع وسيرورة الحياة الإنسانية ، أما الضعف فعارض ، خاص وهامشي ، والكاتب استطاع أن يرى وراء زبد الحياة تياراتها العميقة الحقيقية ، وأن يلاحظ في المتغير المتبدل ما هو ثابت راسخ متكرر في الفردي النموذجي .
وقد عبرت قصة ( الصندوق النحاسي ) عن هذا الالتصاق الحميم بالحياة ، وتحدي الواقع المهين ، وعن الصمود الذي يميز أبطال سعيد حورانية . ففيها نواجه مظاهر الضعف البشري والقوة الإنسانية متجسدة في كل واحد ، وذلك من خلال أشد النماذج تجسيداً وخصوصية . تدور أحداث القصة في زمنين ، الحاضر والماضي ، وتقدم شخصيتين : أم فقيرة كادحة ، تعمل خادمة وغسالة في بيوت الذوات ، وابنها الوحيد ، الذي كافحت بإصرار لتجعل منه طبيباً ناجحاً ، ولتكفل له الانفلات من جحيم البيئة التي عاشتــها .. في الزمن الحاضر نواجــه الابن الطبيب يقدم لنــا بداية الحــدث – بضمير المتكلم – متبرماً من نبأ وفاة أمه ، ممتعضاً للخبر " السيئ " يعترض مسيرة حياته الناجحة ، فيعود من دفنها كمن أزاح عن كاهله حلماً مزعجاً : " ها أنذا أعود بعد أن نفضت يدي من يراب أمي ، كنت أسير وئيداً وأتلفت حولي بحذر ، ثم رفعت طرف سروالي لأمسح حذائي بجوربي لأخلص من تراب المقبرة .. كيف هربت هكذا بعد الجنازة ؟ ماذا يقول الناس ؟ إلى الجحيم بأقاويلهم .. أخذت أنظر إلى بريق الحذاء بارتياح ، وتذكرت أنه يجب أن أضع له ميالتين من الحديد حتى لا يبلى سريعاً ، بينما حاولت أن أشعل سيجارة التاطلي سرت غليظة من الولاعة التي كان ينقصها الحجر ، ولما ذهبت محاولاتي أدراج الرياح ، أشعلتها من أحد المارة ونسيت أن أشكره ، ثم بصقت بشدة .." أما أحاسيسه فكانت مزيجاً من القلق والارتياح : " كنت خفيف الحركة ، تملأ نفسي كآبة غامضة ، فيها ارتياح لا أدري سببه ، ولكن الشيء الوحيد الذي تأكدت منه هو أنني لا أشعر بشيء من الحزن " والخادمة الباكية التي نقلت إليه الخبر تثير دهشته .. : " ( ماتت أمك ) ، هذه هي الجملة التي طالعتني بها الخادمة مساء البارحة ، وهي تنظر إليَّ من خلال أهدابها ، وأعترف أني لم أفكر في معنى قولها تفكيري في منظر عينيها تملأهما الدموع . " ثم يحدد موقفه من ماضيه القاسي على الشكل التالي : " والآن مات الشخص الوحيد الذي يربطني بذكرياتي وحياتي الماضية ، ذكرى الأيام التاعسة ، البطيئة ، القاتلة . أيام كنت صغيراً ذليلاً أقف أمام البيوت أطرقها بيد شققها البرد ، لأسأل عن أمي . ووجدتني أردد من بين أسناني : ( إلى المقبرة تلك الأيام ) . لقد كانت أمي بكل بساطة ، غسالة ! غسالة حقيرة في بؤرة من بؤر حي الميدان . " ويرصد الكاتب التحول في تداعيات البطل الراوي ، التي مشت في خط قاهر تعس ، وقادته إلى استحضار كل الزمن الماضي الذي عاشه ، بذله ومهانته ، لتبرز في ذهنه صورة جديدة لأمه ، صورة لم يعهدها من قبل ، فقد فجر الموت ( هذا الحدث المعتاد ) كل حياته الآسنة الزائفة ، وانداحت الدوائر في وجدانه لتكشف عن استمرار المأساة في الزمن الحاضر ، فيكشف الطبيب مدى خواء حياته وقبحها وضعفها ، ويشعر بتفاهة النجاحات التي حققها ، وبالصغار إزاء الأم القوية العظيمة ، التي عثر على أوراقها فجأة في صندوقها النحاسي ، وعرف كيف كانت تجالد وتتحدى مرضها وضعفها حتى تتعلم القراءة والكتابة ، لترتفع عن جهله وتقترب خطوة من ابنها الضائع ، كما عثر على حذاء صغير وسخ ، هو الحذاء القديم نفسه الذي كان قد ضربها به في إحدى ثورات غضبه . وعبر هذا التحول في نفس الطبيب الشاب ، إذا به يكتشف مدى عظمة تلك الأم وإنسانيتها ودفئها ، وإذا كل شيء بعدها خواء . وفــــكر : " خيل إليَّ أنني ضائع ، وأن زوجتي قبيحة ، وأن البيت الذي أعيش فيه قبو معتم ، وصرت أدخل غرف البيت وأخرج منها كأنما أفتش عن شيء يخلصني من حيرتي .. شد ما أنا حائر ، شد ما أشعر أنني فارغ . " وينجح الكاتب في رسم صورة الجحود ثم التحول في شخصية الابن الطبيب من خلال سلسلة تداعيات ، اختلط فيها الحاضر بالماضي اختلاطاً ذكياً ، وتلونت المشاهد فيها بعاطفة جارحة عميقة ، فضلاً عن الإشارات الفنية الخاصة ، واللقطات الجانبية المرافقة : ( عواطف العداء الساخر نحو الأم ، أصداء الشارع في لحظة العزم على طرد الأم مـن البيت ، ظـل قامة الطبيب القصـيرة على الجــدار وشـــعور النقص الحاد .. ) .
يعرض سعيد حورانية في هذه القصة ، حالة الانسلاخ عن الجذور ، والتنكر للماضي ، والفصام الذي يصيب الفئة المثقفة ، عندما تبتعد عن أصالتها وإنسانيتها ، لكن الراوي البطل ، الذي يرى في موت الأم شيئاً لا يستحق الذكر أو الانشغال والمبالاة ، ما يلبث أن يتدرج في شعوره وصولاً إلى النقاء والتطهر ، ويعود إلى الجذور الحية ، فيكتنز مــن جديد بالعرفان والنــدم . وتبدو تأثيـرات الفلسفة الوجودية وتيارها الأدبي ( قصة الغريب لكامو ) واضحة في رسم شخصية الطبيب الشاب بأبعادها العبثية .
وحظي موضوع الريف وفلاحيه العتاة ، وعلاقتهم بالسلطة الحكومية والإقطاع ، باهتمام خاص بين الموضوعات التي عالجها الكاتب . ففي قصــة ( وأنقذنا هيبة الحكومة ) نتابع مجموعة من جنود السلطة الوطنية وقائدهم الضابط ، في مطاردة راع يتحدى قوة العسكر ، ويترجم رفضه لنظامهم وقوتهم بفعل من أفعال المقاومة المسلحة ، يطلق النار على العسكر ويرفض الاستسلام لاقتلاعه من أرضه التي يزرعها لصالح الشيخ دعيبس الإقطاعي ، بالرغم من صدور حكم بإخلائه من الأرض . وقد عرضت القصة صوراً لاضطهاد وتعذيب البدو الفقراء الضعفاء ، الذين رفضوا الخيانة والإرشاد عن البدوي المتحدي . إن هؤلاء البدو البؤساء ، الذين يتناوبون مع كلبهم مص قطعة عظم ساخنة ، مع شرب مائها المغلي ، هي كل طعامهم في خيامهم المتهرئة ، يرفضون الترغيب والترهيب ، ويتسامون عن قبول رشوة السلطة ، ويصمدون لتعذيبها وفتكها وتخريبها ، ويبدون ضروباً من المقاومة والتحمل : " تعرف يا لطوف .. جنس عجيب . عجوز يموت ويتعذب ويتقطع دون أن يفتح فمه ؟ هالولاد الكلب !!. " ، وقد اضطر الراعي البدوي المتخفي ( صالح السلمان ) أخيراً إلى تسليم نفسه وافتداء أهله ، وهاهو داخل السيارة ، يحيط به الجند ، يبدو ساهماً صامتاً لا يجيب على كلمة ، بل ينظر من زجاج النافذة ، من دون أن يتحرك : " ثم انتفض فجأة وهو يرى قطعة أرض حمراء مخددة تمر من جانبه مبتعدة .. ونظر إلى الرئيس طويلاً ثم قال باحتقار وهو يصر على أسنانه منتقياً كلماته : تعرف يا حضرة الريس .. حكومتكم كلها ما هي زينة .. تعرف يا حضرة الريس .. حكومتكم حكومة نذال .. حكومة خوان . "
ويقدم الكاتب في هذه القصة أنموذجاً لرجل السلطة في شخص ( أبي حاتم الجرو ) العميل للاستعمار الفرنسي ، والخادم لكل سيد جديد ، ويعري صورة للطغيان والهيمنة على هذا النحو : " كان الوكيل أبو حاتم الجرو رئيس مخفر غونة ، رجلاً هماماً بكل معنى الكلمة ، فإلى جانب نشاطه الهائل في اقتناص الغنم الشارد ، وتقديمها طعاماً للجنود ، توفيراً على الدولة ، كان يؤمن لجنوده مصروفاتهم البيتية ، فمن شوالين من الحنطة ، إلى سبع تنكات سمن ، ومن كروزات اللاكي سترايك والفيليب موريس ، إلى بنزين السيارات ، ومن أحجار القداحة إلى ربطات الثوم .. كان مخفره مخزناً عظيماً ممتازاً يكفي فرقة محاصرة شهراً كاملاً . ولقد استطاع الوكيل الصلب طيلة عشرين عاماً قضاها في الجيش ، أن يكسب ثقة رؤسائه التامة رغم تغير العهود ، حتى لقد زعم لي ( لراوي القصة الضابط ) أن الفرنسيين قد رشحوه ليكون ضابطاً ، ولكنه فضل حياة البدو والتقشف على نعمة المدن وريحتها الزنخة .. "
وهذا النموذج التسلطي نفسه يعاود الظهور في قصة ( محطة السبعا وأربعين ) في شخص ( مفلح الجدعان ) . وفيها يسافر المعلم الشاب ( الراوي ) من دير الزور إلى الحسكة في جو ماطر مظلم ، وفي الطريق تغوص السيارة في الوحل ، فيلجأ هو وركاب السيارة الآخرون إلى بيت ( مفلح الجدعان ) الضابط المتقاعد ، والإقطاعي المتنفذ ، يلتمسون الدفء والمأوى .. وأثناء ذلك تسمع طلقات نارية في الخارج ، فيهرع الجميع ليشاهدوا على أضواء المصابيح جثة ضخمة لفلاح ، بوجهه الممتقع المخضب بالدم ، والثقب العميق الذي يتوسط جبهته ولحيته البيضاء المشوشة ، وكانت عيناه الصغيرتان مفتوحتين على نظرة دهشة ورعب . ويعلم مفلح الجدعان من الدرك أن الفلاح قد نال من أرض حكومية ، أطعم منها معزاته ، فيستدير إلى المضافة ويعلن لضيوفه : " أتعبنا أنفسنا بحادثة تافهة .. ألم أقل لكـــم إن الفلاحين لصوص !.. جنس عاطل يستحـــق الشنق . "
هذه القصة تغتني كثيراً بالدلالات التي وفرها الكاتب ، وبالبناء المتلاحم والإشارات والتفصيلات الخاصة والصور الموحية ، إضافة إلى التجسيد الحي النموذجي لشخصيات عديدة مثل : الراوي المعلم الشاب ، البدوي الدليل الصامت ، الإقطاعي الشرس مفلح الجدعان ، الغجرية ذات الجديلة .. وخلال الرحلة الليلية في السيارة العتيقة ، يعرض الكتب بأسلوب شاعري لقسوة الحياة الاجتماعية المحكومة بالإقطاع والتسلط الحكومي والتخلف والنعرات القبلية وعسف الطبيعة وقلة موارد العيش .. فلا شيء في الأبعاد المترامية سوى عري الطبيعة والظلام والوحل .. أما ركاب السيارة السبعة ، فتجمعهم رهبة الليل ، وهذا الوحل الذي يقتلعون أقدامهم منه بصعوبة .. : " لا أدري بماذا تفكر هذه الرؤوس السبعة التي ترافقت معها .. لعل كلاًّ منهم يحلم ببيته ودخان أعواده المحترقة وزوجته وأولاده .. بالدفء ، والشمس ، والربيع ، وموت الجابي ، والانتهاء من الحكومة أو المالك . كان كل منهم يحمل سره معه ويطويه في صدر أعمق من ظلام هذا الليل الرهيب . " . ويجيء رفض هذا الواقع على لسان أحد الركاب ، يوجه كلامه للمعلم ، ويعده ممثلاً للشام ومن بالشام من الحكام : " قول معي الله ياخذ هيك حكومة!." . والقصة بمجملها صرخة إدانة توجهت إلى بداية عهد الحكم الوطني ، استطاع فيها الكاتب عبر الحوار المكثف الحي ، واللغة العفوية الدارجة ، أن يحقق بناءً تعبيرياً أخاذاً ، ينطق بالمأساة ويشع منه البديل الإنساني لكل ما هو متخلف وقمعي تسلطي في الوطن ، البديل الإنساني لواقع ظالم لا عدالة فيه .
وهذا الواقع ذاته ارتهنت به الفتاتان الفلسطينيتان في قصة ( سنتان وتحترق الغابة ) لتتجرعا مرارته عبر شوارع دمشق ، وهو يوشك أن يطال الفتاة الثالثة ، بائعة اليانصيب .. وتمثل السنتان الزمن المتبقي لنمو أنوثتها ونضوجها الجسدي ، كما تمثل الغابة عينيها الخضراوين ..
في هذه القصة بدأ التشاؤم يغزو رؤية الكاتب ويطبع شخصياته بطابع مهزوم مستسلم ، وقد صورت قصصه الأخيرة عالم النهايات المنكسرة التي انقادت إليها الفئات المثقفة ، فتكللت مرحلة النضال الوطني والاجتماعي بالضياع والمرارة ، بالسقوط الأخلاقي والإخفاق السياسي .. لكن هذا الواقع لم يكن ليمس بأية حال صلابة تلك الفئات ، وإن يكن قد أفقدها تماسكها ، وأحبط في نفسها مشاريع التغيير والبناء ، بل سلبها القدرة على مواصلة الفعل . فبتنا نرى شخصيات تضعف أمام الحوادث وتستسلم وتبكي ، وتتخاذل أحياناً ، تئن وتنشج بألم تحت وقع سياط التعذيب الوحشي الذي تتعرض لــــــه ، لكنها تحافظ مع ذلك على توازنها النفسي ، وتصر على مبادئها وأفكارها ومواقفها ، كما هو ملاحظ في مجموعة من النماذج الثورية التي رسمها الكاتب في قصة ( المهجع الرابع ) ، والتي تصور حملة التضييق على الحريات الديمقراطية ، وآثار التعذيب على المعتقلين السياسيين في سجن المزة أواخر الخمسينات في سورية . ويعرض الكاتب لمجموعة من الشرائح الاجتماعية لأناس بسطاء قبض عليهم ليواجهوا صنوف التعذيب وألوان القمع . . ويفصل في شخصية الفران البسيط ( منصور الميداني ) الذي قيل إنه أشار إلى جبروت المصريين وطغيانهم ، وأعلن أن الحكم زفت ، وكان يقرأ الجرائد ، فدوهم في الفرن وقاوم ثم اعتقل ، ومورست عليه كل صنوف التعذيب والإذلال . ويكشف الكاتب عن صلابته وقدرته على التحمل ، كما يعرض جانباً من التغيير العميق في نفسيته ، وهو يلامس العزيمة ذاتها في عدد من الموقوفين من الجماعة الثورية .
بعيد ذلك ، تنعكس تجربة الإخفاق السياسي بمرارة على شخصيات الكاتب ، وربما إلى حد بعيد على شخصه هو .. في قصص من مثل : ( صولد ، مشروع إنسان ، الخفاش يفتح عينيه ) ، فمالت هذه الشخصيات إلى نوع من العصاب والنزق والكآبة وفقدان القيــم . في قصة ( صولد ) يرسم الكاتب هوة الضياع التي تردى فيها بطله المعلم الشاب ( الراوي ) ، ويتعمق مأساته كمقامر مدمن بدأ رحلة السقوط إلى القاع . فقد تم تشويهه داخلياً ، فهو في حالة ذهول عن إنسانيته ومركزه الاجتماعي كمعلم ، وحياته العائلية والسياسية .. قد باتت السياسة بالنسبة إليه عالماً قديماً تفصله عنها عصور جيولوجية سحيقة ، وأصبحت أحاسيسه على هذه الصورة اللاإنسانية : " أنا أشعر الآن أنه ليس هناك في هذا الجسم الذي قُدر عليَّ أن أتحرك به شيء أصيل : الأيدي لحمل الورق ، والقلب للانتظار ، انتظار أول غبش يضرب صفحة السماء لأسرع إلى المقهى ، والعقل للتفكير الممض في طريقة لاستجلاب المال لألعب وأخسر ، لم تعد الخسارة والربح الشيء الأساسي الذي يثير اهتمامي .. المهم أن أمسك الورق .. أن ألامسه ، وأن ترتجف يدي بحمله .. أن ألعنه .. أن أعبده . "
وقد أجاد الكاتب في رصد الصراع الوجداني الأليم في نفس البطل المقامر ، وقاده من ثم إلى نهايات إنسانية مشرقة ، من خلال عدد من اللقطات ترهص بالتحول والخروج من الهوة التي انحدر إليها ، وتقود الحدث في وجهته الفنية المعقولة . فالمعلم الشاب يرى في طريق المدرسة في الصباح : " البنيات الصغيرات ذاهبات إلى مدارسهن . شرائطهن البيض المعقودات خلف شعورهن الناعمة كفراشات مضطربة ، وملابسهن السود ، وكتبهن التي يتأبطنها ويضعنها فوق القلب ، تذكرني بعالم ذي ثلج أبيض .. ودمعت عيناي .. " . وهو في قمة شقائه يهوي بكفه على وجه تلميذ ، ويكتشف بعدها أن لا ذنب له :
" - لست أنا الذي تكلم . وبدا أنه يبذل جهداً كبيراً كي لا يبكي .
- لقد كنت مريضاً . وجئت خاصة .. وسكت وأكمل آخر .
- لقد جاء خاصة ليحضر درسك . "
كما يرثي لحال أخته الوحيدة الشقية ، وتشرق في ذهنه في لحظة أسى شفيف ، صورة لحياة رغيدة حرة إنسانية ، وينتابه قرف لا حد له تجاه العالم القميء الشـــــاذ اللاإنساني الذي يحياه ، ويغادر رفاقه لاعبي القمار .. : " وخرجت من باب المقهى وأنا أحس أنني خفيف كطيف ، كان العالم ضحكة كبيرة سوداء ، وتمثلت لي ألف صورة .. فراشات البنيات عند الصباح ، وجو الطلبة ، أعتذر لك من قلبي يا حسن ، أبي أمي أختي .. كانوا كلهم يبتسمون ، حتى المدير كان يبتسم ، وعند الباب رأيت الشحاذة العجوز ، نظرت إليها ثم أخرجت كل ما بقي معي وأعطيتها إياه . قالت من أعماقها : روح الله يخلي شبابك . فانحنيت حتى الأرض لأول إنسان حر ، رأيته في عالمي الجديد !!. "
أما في قصة ( مشروع إنسان ) فيحاول الراوي المعلم المثقف أن يحدد معنى وجوده في محاولة للعثور على الذات الضائعة : " أنا أفكر تفكيراً مطلقاً في هويتي .. أفكر في هذه الهوية في أكثر المواقف مدعاة إلى عدم التفكير .. أفكر وأنا أدرس الطلاب ، أو أنا أنظر إلى شخص أصلع يحدثني عن مأساة حياته .. أو أنا أقرأ وآكل أو ألعب الورق .. ولأقل إن هذا التفكير كان دوماً ينتهي بي إلى أنني شخص خائب ! وأنا مولع جدًّا بالإصرار على هذه الكلمة .. وخيبتي كما قد ينتهي بي إليه هذا التفكير البالغ العمق ، ليست منبعثة من أعماقي ، وإنما هي من العالم الذي حولي .. يقنعني بهذه الخيبة شخص يمشي مع فتاة جميلة .. أو طالب يترأس المظاهرة التي قد يكون نهايتها الرصاص والدم والموت .. أو فران يدير قرص العجين بين يديه في مهارة فاتنة ، أو أي رجل يتحدث في حماسة لاهبة عن شيء يعتقده . " ، ويسترسل الراوي ( البطل من غير بطولة ) بعدئذ في خيالاته النزقة العابثة ، فنرى كيف وصل إلى تخوم النهايات البائسة من دون أمل أو غاية يعيش من أجلها . ويوجه سعيد حورانية في هذه القصة الإدانة إلى مثقفي عصره الذين لم يستطيعوا أن ينهضوا بتبعات المشكلة الوطنية والاجتماعية ، وانتهوا إلى الإخفاق الذريع ، وتأتي هذه الصرخة اليائسة نوعاً من جلد الذات أيضاً ، وبعد انقضاء فترة النضال السياسي في أواخر الخمسينات .. إذ يستفيق المثقفون الثوريون في مطالع الستينات على فراغ عابث قاتل ، فلا شيء يدخل البهجة والطمأنينة والهدوء إلى النفس .. ما قيمة الإنسان ؟ .. ما قيمة الوجود ؟.. تساؤلات أساسية بدأت تتصدر واجهة الخطاب الثقافي ، وربما تعد هذه القصة من أولى التجارب الأدبية التي أرست لنشوء أدب الستينات الوجودي والعبثي في سورية ، لكن الأفق القصصي عند الكاتب يظل إنسانياً منفتحاً ، يوائم بين الصدق الفني والصدق الواقعي إلى حد كبير . وهكذا تنثال التداعيات في فكر الراوي المتعب البائس ، المنفتح على فراغ ، وتعود الآمال تحدوه في الانبعاث من الموات الطويل ، وتصدمه في الصميم رؤية عامل يقود مظاهرة ، ويتوقع الرصاص في كل لحظة : " إنها التضحية الحقيقية .. إنه النضال الحقيقي .. " ، ويعود للخروج من الشرنقة القاتلة التي أحاط نفسه بها ، يخرج من الانفراد والوحدة الخانقة ، مثل كل أبطال الكاتب ، ليؤكد تجدد الحياة ومضيها وعدم توقفها عند أمزجة عابرة لمثقفين ضائعين في زحمة الأحداث والتحولات : " فرديتي ؟ هذا الهراء الذي أبهج فيه كمثقف .. لم تكن الفردية ما شعر به كل العظماء عندما فهموا الإنسان .. صحيح أنهم أكدوا ذواتهم .. ولكنهم عرفوها في نفوس الآخرين . "
وتكاد قصة ( الخفاش يفتح عينيه ) التي اختتم بها سعيد حورانية مجموعته الأخيرة ، أن تكون من أقوى القصص تعبيراً عن أزمة الإنسان المثقف الثوري . ففيها يجتمع عالم الكاتب بكل أبعاده المأزومة ، ويظهر من خلال بؤر الضياع واللاجدوى ، عبر التعمق النفسي لأغوار أبطاله ( سليمان ، جريس ، مفيد ) . هؤلاء الأصدقاء تقوم حياتهم على التسكع والسكر وزيارة المبغى ، ويمزقهم شعور قاتل بالذنب والكراهية ، يسلمهم لشقاء مرير ، وتلتمع في أذهانهم بالمقابل بؤر لعالم بديل ينتفي منه هذا العذاب . ويفكر سليمان : " إن هذا التمزق الذي يعانيه ، سببه أنه أضاع التوازن ، بين نفس مسحوقة ، وإيمان عميق بالحياة وساكنيها . كيف يناضل الرجل يا أصدقاء ؟ أنا مؤمن بأشياء عظيمة ، حياتنا بائسة ويجب أن نغيرها . " ، وهاهو سليمان يعرض وقائع أزمته وأحزانه ، فلا يفوتنا أن نجد فيها صورة تشيخيصية منتزعة من حياة سعيد حورانية الشخصية ، من وقائع نضاله ومعاناته ، من خيباته وانكساراته : " حياته في البيت المحافظ الذي تمزقه الخلافات والمعارك ، إيمانه المطلق بالمقدسات الذي انتزعته منه الجامعة في السنة الأولى ، انفصاله عن أهله الذين لم يغفروا لـــــــه أبداً تحطيم عالمهم ، حبه الأول العاثر ، مغامراته القذرة ، اندفاعه في سبيل مبدأ آخر لا يزال حتى الآن مؤمناً به إيماناً يخزه كالسهم في أعماقه ، ويشعره بتفاهة حمله المسؤولية ، لعبه القمار ، شربه العرق حتى الإدمان ، كتاباته التي لا يفهمها إلا القلة ، انسحاقه في دوامة الرتابة ، أمله وفرحه ويأسه وحزنه وقراءاته .. "
ويعود الرفاق آخر الليل من زيارة المبغى ، ويستمع سليمان إلى نزاع حام بين صديقيه الآخرين ، حول الفكر والمبادئ والمثل ، ويدرك أنه يمثل القطب الذي يشدهما ، ويشعر بجنايته في توجيه حياتهما التي باتت صورة أخرى عن حياته الرثة الضائعة ، ويحس أن الحياة الحقيقية غير تلك التي يحياها هو وصديقـاه ، وهاهو يراها ماثلة أمامــه فــــــي : " فريق من العمال ينتظرون السيارة في غبش الفجر ليذهبوا إلى أماكن عملهم ، بعضهم يتثاءب ويطرد بقية النوم من عينيه ، والبعض الآخر يجلس على الأرض محدقاً بصمت في الطريق .. وفكر سليمان .. سيذهب الآن لينام ، ليشبع نوماً حتى الثانية أو الثالثة ، ثم يقوم بحلاقة ذقنه ، ويغسل شعره ، ويقرأ الصحف حتى الليل ، حيث يخرج من جديد كالخفاش ليستأنف حياة الليل القذرة ، وليحدث ضحايا جدداً عن الحياة ، والتجارب ، وعن الغنى والأحاسيس .. "
وتنتهي القصة باعتراف يفضي به سليمان لصديقيه ، عن حقارته وأكاذيبه ، يكشف حالة اليأس التي وصل إليها ، ويبتعد بعد أن ينعت نفسه بالخفاش الأعمى ، لكن جريس يتبعه ويتعانقان في لحظة صفاء وعزاء ، تلمس الجرح بحدب ، وتتجرع الشقاء .
وربما كانت أهم سمة في شخصيات الكاتب تلك الحدة في المزاج ، والطابع الصدامي لعلاقاتها بالوسط المحيط ، فثمة حالة مستمرة من التوتر والقلق والاستياء والحنق ، تحاول هذه الشخصيات عموماً أن تأخذ لها مكاناً في الأرضية الاجتماعية الجديدة ، يرصدها الكاتب دائماً في لحظات التفتح ووعي الذات ، ويضعها في حركة مواجهة عنيفة تجاه القوى الأخرى المضادة ، وهذا الصدام العنيف لا يدفعها إلى التراجع ولا يقهرها ، فهي تبدي ضروب المقاومة والتحدي على الرغم من ضعفها ، تبدي جبروتاً إنسانياً كبيراً ، يبدع الكاتب في تصويره ، ويمضي في تصعيده ليصنع صورة المثل والواجب والمستقبل المشتهى المليء بالصبوات والأحلام . إن المخاضات العسيرة التي انخرطت فيها مختلف الفئات الوطنية ، جعلتها تقاوم دون قدرة تؤهلها للمقاومة ، وقد كانت ملامح الصراع دوماً تنجلي لصالحها وإن بدت مهزومة خاسرة على الصعيد الفردي وضمن الأمثلة المختلفة لهذه الشخصيات . وهذا التحدي ، وتلك القوة الإنسانية يواجهان بردود أفعال متعددة من القوى المواجهة ، مزيد من أفعال القسوة والامتهان الإنساني والقمع .
وقد تنقل الكاتب ببراعة بين بيئة المدينة وبيئة الريف ، ورسم صوراً شديدة الدلالة والتركيز لمسرح الأحداث ، مستفيداً في ذلك من معايشته وتجاربه الشخصية ، ومسقطاً إحساسه الخاص على المشاهد المصورة ، ليرتفع بها إلى مرتبة من التعبيرية التي تتشكل بالبنيان القصصي وتنهض بمهمات الإيصال .
تميزت التجربة الفنية القصصية لسعيد حورانية بالغنى والتنوع ، وقد استخدم التقنيات الحديثة في البناء القصصي . من ذلك عنايته الخاصة بعملية الترميز ، وقد اكتسبت قيمة كبيرة في قصصه ، بما لها من شمولية وعمق ، فلم يكن الرمز لينحل إلى مجرد علاقات تقابل وقائعي ووجه شبه ، بل كان معادلة واستخلاصاً لدلالة الواقع وروحه ومعناه ، كما توضح ذلك في قصتي ( شتاء قاس آخر ، عاد المدمن ) على وجه الخصوص . ويجب هنا ملاحظة تأثيرات مكسيم غوركي ( نذير العاصفة ، أغنيات الصقر ) ، والبعد الواقعي الجديد ، والرؤية الإيجابية بشأن الإيمان بانتصار قوى التغيير وصنع المستقبل .
في جانب آخر استخدم سعيد حورانية بنجاح تقنية ( المونتاج المتوازي ) كما في قصــة ( قيامة ألعازار ) ، وفيها يترافق حدثان في زمنين مختلفين ، ورؤيتين متغايرتين ، يستخلص منهما الكاتب دلالة القصة عموماً ، وقد أضاف سعيد حورانية إلى ذلك اللمسة الشاعرية في الأداء القصصي ، ومزج ببراعة بين السرد والتصوير والتحليل النفسي بوسائله المنوعة ، ولا سيما استخدام ضمير المتكلم بكثرة ، هذا الاستخدام المناسب للبوح الشخصي والمونولوج . كما عني بأساليب توظيف صور الطبيعة واللقطات الجانبية واستخدام التفاصيل التي تخلق جو الحدث وتشارك في تطوير الصراع ، وتمهد أو ترهص بالتحول .
وهكذا برزت عملية البناء الفني في قصص سعيد حورانية ، تحمل طابع الهاجس الدافع إلى ارتياد الأفاق الإبداعية والتجريب والبحث عن شكل مناسب للحدث القصصي ، بحيث ظهرت على شكل مزيج من الوعي والموهبة والأصالة . وقد فهم القصة على أنها : " ( رؤيا شعرية مكثفة للناس والأشياء ضمن حركيتها وفعاليتها . فالكاتب يرى الحركة في الشجرة والورقة ، والطلل القائم ، والتمثال الفني الجامد ، إلى جانب رؤيته لها في عالم الناس الأحياء ، ضمن علاقاتهم الاجتماعية ، وتحركهم ضمن طاقة أجنحتهم الممدودة للانطلاق دوماً ، من أجل التغلب على محدودية شروطهم .. وبمعنى آخر ، الكاتب يرى الجوهري المكثف ، ضمن العادي المكرور ، ويحاول أن يطور هذا الجوهري ، حتى يستطيع جميع الناس تبنيه من خلال قصصه ، وبذلك تصبح الحياة ذات قيمة أكثر من الناحية الجمالية . "
وتجدر الإشارة أيضاً إلى التجربة غير المسبوقة في كتابة القصة الشعبية ، من خلال محاولة خلق شكل جديد وثيق الصلة باللون المحلي الصميم للإنسان والبيئة ، للزمان والمكان ، كما في قصص من مثل : ( حمد ذياب ، عريظة استرحام ، من يوميات ثائر ) وقد عمد سعيد حورانية في هذه القصص إلى اعتماد الأسلوب التسجيلي أو طريقة التوثيق ، فأبرز بنجاح الطابع الشعبي المحلي بخصائصه القومية وملامحه المميزة . واعتمد – ربما لأول مرة في تاريخ القصة القصيرة السورية – اللهجة المحلية الشعبية المحكية في بيئة قصصه ، بكل ما تحمل من مخزون معنوي معبر وموح ، كما ضمَّن بعضـها ( حمد ذياب ) أشعاراً شعبية مازجت بين طبيعة الحدث والرؤية الفنية . وقد تلونت لغة الحوار القصصي بطبيعة الشخصيات ومستواها وبعد التفكير لديها ، لكن ذلك لم يكن مجرد ترسم لمنطوق العبارة في شكلها المحكي ( شعبياً ) على أية حال ، بل كان يخضع لعملية الاختيار الفني والتأليف ( الخاص ) كأي عنصر آخر من عناصر البناء القصصي .
ويوضح سعيد حورانية رأيه في مشكلة الحوار فيقول : " عندما يجد الكاتب أن الإيصال قد تعقد ، فإنه يلجأ إلى العامية . واللغة تلعب دوراً أساسياً في رسم شخصية الراوي .. كما في ( حمد ذياب ) و ( من يوميات ثائر ) . لقد لجأت في بعض الحوارات إلى لغة الأبطال لكثرة الأمثال فيها ، ولأن أي ( ترجمة ) للفصحى ستفقدها نكهتها ، ولا أزال حتى الآن لا أضع محرمات أمام اللغة القصصية ، فليس هناك شيء مقدس في هذا الخصوص . المقـــدس هو الإيصال . وقــــد قادتنــي الاعتبارات الفنية إلى ذلك الحــــوار . "
وقد تلونت لغة السرد وفقاً لتلك الرؤية أيضاً ، فتعددت نغمات الأسلوب اللغوي ، وامتزجت بأنواع الانفعال ، وانسابت مع تموجات القصة ودفقاتها ولحظاتها المضيئة ونقاط انعطافها ، ومثلت في كل ذلك الحضور الوجداني الذاتي للكاتب ، واقتربت كثيراً من الإيحاء والرمز والشعر والحكمة ، فارتفعت لتضاهي التجربة الفنية في تكاملها واتساعها وعمقها المعنوي .


******************
( 3 )
تجريب في الشكل الفني
( شوقي بغدادي )

ترتبط المسألة الاجتماعية وهموم الواقع والرؤية الفكرية في قصص شوقي بغدادي الأولى ، بمحاولة العثور على شكل فني ملائم ، تظهر في إطاره أبعاد الصراع الاجتماعي والمقاومة الإنسانية ، ومشاعر الضياع والهزيمة ، وأحاسيس العجز وفقدان التواصل لإنسان الشرائح الاجتماعية الجديدة ، وهو يواجه التعنت الأسري وتحجر الجيل السالف ، وأشكال الحاجة والحرمان ، ومن ثم الموت البائس والتافه بمرض فتاك يعشش في بؤر المدينة الفقيرة وأحيائها المتداعية .
ولعل جهود شوقي بغدادي في محاولة التوفيق والمواءمة بين الشكل الفني والموضوع والمضمون الفكري أهم ما يميز تجربته في كتابة القصة القصيرة . وتأتي مأثرة الشكل الفني في هذا المجال من أنها أبعدت هذه الموضوعات ( المألوفة ) عن صيغ التناول المباشر والتسجيل المنفعل الباهت ( على طريقة القصة الوقائعية ) ، وأدخلتها في مستوى بحث العلاقة الإنسانية وطبيعتها وجوهرها ، ومن ثم اتجاهها في ظل علاقات غير عادلة وغير متكافئة . ومن هنا فقد اكتسبت موضوعاته قوة وحضوراً على مستوى إتقان الصنعة والاهتمام بالبناء الفني لخلق التأثير وتحديد الرؤية . ولم يظهر الالتزام إيغالاً في بحث الصراعات مباشـــرة ، ولا في رفــع الشعارات وإثارة الهياج الثوري .. ( كما كان يحصل في شعره الخطابي السياسي في تلك الفترة ) بل جاء رسماً عفوياً حاراً لهذه الحالة البائسة لإنساننا المحلي في عالم المدينة والحارة الشعبية المنسية ، لا سيما وهو يحاول مقاومة الضرورة التي تحكم هذا الشقاء المتواصل ، وتصويراً لما ينتج عن ذلك في العادة من ذوب دفين في الحياة ، وتعلق صميم بمظاهر السعادة الخادعة المتشحة بالفرح الإنساني .
وإن هذا الإدراك العملي لدور الشكل الفني في عملية البناء القصصي ، لا يرى في هذا الشكل مجرد قالب فني فحسب ، بل العملية البنائية كلها . وإن كان الاهتمام بالشكل في بعض الأحيان يكاد يطغى على جانب من مساعي القصة القصيرة ، فتضطرب العلاقة بين الطرفين ( الشكل والمضمون ) ولا يعود ثمة مجال للحديث عن رونق الشكل وحداثته الزائفة . وقد يعكس ذلك على كل حال قلق الكاتب في قضية بلورة هذه التجربة ( الجديدة ) ومسألة اختلاف الصنعة وتفاوتها من قصة إلى أخرى عبر محاولات البحث والتجريب والاحتذاء .
ويبدو شوقي بغدادي متفهماً للمهمة التي يسعى إلى أدائها ، وللدور الذي يقوم به مع أعلام القصة الجديدة الواقعية ، إنها مهمة إرساء قيم لون أدبي جديد مازال حديث العهد في أدبنا ، فهو يقول في مقدمة مجموعته القصصية الأولى : " يبهظني شعور بالمسؤولية كبير ، ذلك أنني أحس وأنا أقرأ القصص العربية المعاصرة ، أو أدلي بينها بدلوي ، أننا لا نكتب أدباً فحسب ، وإنما نصنع تاريخاً وتقاليد لمن يجيء بعدنا ، كمن يرسي بناءه على أساس ." ثم يحدد بواعث هذا الاهتمام الفني وأشكاله بقوله : " وصرنا نرى في إنتاج كتاب الغرب المحدثين ، كيف صارت القصة مزرعة للتجارب ، فإذا يبست إحدى الغرسات ، فلقد زكا غيرها ونما وعبق طيبه . وصرنا نقرأ لأمثال سارتر وإهرنبورغ وسارويان وغيرهم ، ثم نهتز لأننا فهمناهم . ومن هنا وجب أن يكون للقرن الذي نعيشه قصته . وجب أن تصبح هذه المفاهيم : التداعي .. المونولوج الداخلي .. اختلاط الذكريات .. الزمن النفسي .. الرمز .. وغيرها من المفاهيم ، وجب أن تصبح جديًّا موضوع بحث عند القصاصين الذين يريدون أن يسهموا في المعركة العالمية الدائرة كي يكون لهم أسلوبهم ."
ومحور الاهتمام بالصنعة الفنية عند شوقي بغدادي الإيمان بالعفوية أو أنه يتوسل إلى العفوية بالصنعة : " إنني أومن بالعفوية كثيراً ، ولكنني أومن أيضاً بالصنعة التي متى أتقنت كثيراً صارت كقواعد اللغة ، تكتب دون خطأ ، دون تفكــير بالقـواعد نفسها . "
وإن الصنعة في مثل هذه الحالة تكون وليدة خبرة عادة ، بما هو عفوي وما هو غير ذلك ، ومحصلة جهد انتقائي مدقق ، يعرف ماذا يختار وأين يضعه ، وكيــف يرتب اختياراته .
لقد شغلت قضية إنسان المدينة الصغير المسحوق معظم قصص الكاتب ، إنه على وجه الدقة إنسان الحارة الشعبية ، رقيق الحال ، المثقل بأعباء العيش ، يتراءى عبر السياق القصصي ، وحيداً كئيباً مريضاً ، قد أهمل في زوايا النسيان ، فهو لا يستسلم ، بل يحاول التخلص من جناية الترسبات الاجتماعية للجيل الماضي ، وتثبيت أصول حياة جديدة تنهض من كل هذا الركام والعقبات ، فتتحقق فيها أمان صغيرة وعادلة ، أهم ما فيها بداية لقمة العيش والعافية ثم الحب والتواصل الإنساني .
وتظهر المأساة التي يعيشها البطل في القصص بدءاً من علاقته بالأهل ، البؤرة الأولى للمواجهة بالتمرد والرفض ، والحلقة الاجتماعية الأولى لممارسة التواصل ، بل الجذر الأكثر ألفة وحناناً ، إنه الموضوع الأثير في قصص تلك الفترة عند عدد من كتاب الواقعية الجديدة ، ممن نذروا قصصهم لمهمة التغيير وقلب المفاهيم السائدة .. فنرى عند شوقي بغدادي كيف ينهار هذا الأساس ( التواصل الاجتماعي ) بانفصال عرى الحياة العائلية في صراع حاد بين جيلين وعقليتين ، وكيف يحمل الجيل الجديد وزر موقفه انكسارات متتالية ، وتضحيات على مذبح الجهل والجمود الفكري . حتى إن الرغبة في إعادة ما تخرب من هذه العلاقة تتكلل هي الأخرى بمزيد من الجنايات ، فنرى الأخ الأكبر في قصة ( الأعداء ) يحمل مأساة جريرة الأخ الأصغر الذي انقاد في طريق الرذائل وتعرف إلى امرأة من نساء الليل يهاجمه زوجها بسكين ، فيتلقى الأخ الأكبر الطعنة بينما يهرب الصغير . فيظهر لنا حجم الظلم الذي أنزله به الأهل لأنهم هجروه عندما أراد فقط أن يختار الفتاة التي يحب لتكون زوجاً له ، فعاش وحيداً منبوذاً وسط مدينة كل ما فيها يغري ويبعث على المغامرة ، لكنه يبني بصبر ودأب أسس حياة جديدة ، ويمضي في إرواء رغباته الإنسانية المشروعة ، معتمداً على دخله البسيط ، إلى أن تأتي النهاية المدمرة .. فتثبت التجربة أن الرابط العائلي والحنان الأسري يظل يلاحق البطل ، فيقبل أن يتلقى مصير أخيه الأصغر رغبــة مـنه فــي الإبقاء على حياته الناضرة ، وحتى لا يطالها بالتلوث والفجيعة أمام الأهل والناس .
وفي قصة ( العودة إلى البيت ) تهرب الفتاة من جور الأهل وتنفلت من أسرهم ، لتجد نفسها في وسط حي للبغاء يستهلك سنين طويلة من عمرها الذي بدأ يذبل الآن وتذوي معه كل أحلام السعادة . فتمضي المأساة حتى آخرها وهي تصحو على أخ لها كان صغيراً محبوباً جميلاً ، وها قد شب وبات يطالب بدمها ، فتواجه مصيرها وتدفع الثمن روحاً وثابة تتطلع إلى الحياة والسعادة والمصالحة مع الناس والأشياء .. إنها في أوج تطهرها وإنسانيتها ، وإن لحظات عمرها الآسن تشف الآن وترق في غيبوبة حزينة آسرة ، فتنتشي بالعطر ، وتعد نفسها لهذا اللقاء الذي انتظرته طويلاً .. فلن تكون ليلة عادية هذه الليلة التي تلاحقها منذ سنين .. إنها اليوم له ، لن تهب نفسها لأحد غيره ، هذا الصغير الحبيب الذي صار الآن رجلاً يلاحقها كالرجال الشرفاء ، الذين يتحدرون من أسرة شريفة . وحدها هي اللطخة ، ولـــن تنـجو الأسرة إلا برحيلها . "
وهكذا فإن أخطاء الأهل تجاه أبنائهم كبيرة تحكم جيلاً بكامله ، فضلاً عن الكوابح الاجتماعية الأخرى .. إنها ( أخطاء ليست على الورق ) ، كتلك التي يراها المعلم الشاب في أوراق طلابه .. خطوطاً صغيرة متراكبة ، تلتف وتدور وتخرج من الورقة ، كما ينفتح وكر وتندلق منه ملايين الحشرات الصغيرة .
في هذه القصة يزاوج الكاتب بين الأخطاء التي تطيح بالحياة الجميلة ، وتسلب الإنسان الحب ، وبين الأخطاء الكثيرة التي تتناثر في أوراق طلابه الصغار . إنها ليست أكثر من أخطاء على الورق ، ما تلبث أن تغيب عبر التجربة والمران ، لكن الأخطاء القاتلة تلك التي يجنيها الآباء على الأبناء من خلال تصور ضيق محدود عن العالم والمفاهيم والسلوك ، هي التي تبقى وتحفر في الزمن وتدمي القلب ، قلب الشاب الذي يعيش في كنف العائلة وقد فقد زوجته ( حليمة ) ، حليمة الصغيرة الجميلة ، فقدها من دون أن يفوه بكلمة يرد فيها مشيئة والده في طلاقها .. لقد سارت الأمور هكذا منذ البداية ، وبالوصاية نفسها تنتهي .. لم يكن له الخيار في شيء ، لقد سرح من عمله مع قائمة طويلة من الأسماء ، فأصبح تابعاً ، أو إنه وجد نفسه تابعاً في مجتمع يسلبه مورد عيشه وسبل حياة كريمة . أما الأخت ( سميرة ) فتبدو متحررة من تلك القيود ، إذ تمضي في طريق آخر . تثور بالعرف وتختار من تحب وتهرب معه .. هكذا تفسد حياة العائلة وتخلف وراءها شرخاً لا يداوى ، فيفكر الأخ الشاب وهو مستغرق في عمله طوال ساعات من الليل ، يصحح أوراق طلابه ، فيما إذا كانت أخته يقظى الآن تفكر مثله ، وتحلم أن الصباح سوف يأتي بجديد . إن كل شيء قد انتهى الآن ، لقد عرفت ماذا تصنع : " وفكر فجأة أن أخته الآن بعيدة جداً ، مع رجل غريب ، في بلدة غريبة ، وأنها تفكر بأهلها ، ولعلها تبكي في تلك اللحظة . إن أمها تبكي أيضاً .. وعدلة تنظر إليها وتبكي مثلها . وهو وحده يفكر ولا يبكي .. إنني أفكر يا سميرة أنه هل من الواجب أن أصنع مثلك الآن .. أنت امرأة ولكنك وجدت من الشجاعة ما جعلك تهربين . ولكن أليس من الشجاعة أيضاً أن أبقى يا سميرة !.. "
وهذه الحالة من الضياع تبهظ البطل بنوع من الكبح الداخلي يفقده القدرة على الفعل ، رغم ما يكون من أسباب التهيؤ وفرص الحب والتواصل .. فنجد في قصة ( الصقيع في آخر الليل ) شاباً يجالس فتاة أجنبية في ناد ليلي ، لكنه يشقى في حمأة تداعياته حول الحاجة والحرمان والشقاق الأبوي والندم وحياة الوحدة وسهر الليل .. فيما تغفو الفتاة سأماً في حضنه .. فيحملها ويتوجه خارجاً ، ويود لو يأخذها إلى بيته ، وتستسلم هي في وداعة .. لكنه يحس بإحجام غريب ، فيوقف سيارة أجرة ويضعها في الركن الخلفي ، ويجد نفسه يقول للسائق : - اذهب بها إلى فندقها ، إنها متعبة . " لكنه يبقى مقروراً في الليلة الخريفية ، حائراً يحاول أن يفهم ما قالته قبل أن تمضي بها السيارة ، لقد رآها تبسط يديها وتحرك شفتيها ، ولكن السيارة ابتعدت قبل أن يسمع شيئاً ، ترى أكانت كلمة شكر .. أم كلمة عتاب ؟ ! "
وقد نلحظ في هذه القصة قصوراً في تحليل وتصوير أسباب العجز ، وضعفاً في ربط حالة البطل بالواقع الاجتماعي .. مما يجعل القصة تأخذ شكلاً من أشكال القلق الروحي أو المرض النفسي الذي يحول بيننا وبين رغائبنا . ويمكن أن تعد أمثال هذه القصص من النماذج المبكرة في أدبنا الحديث في موضوع القلق الروحي والضياع والتشرد ومعاناة العزلة والرغبة في الحب والنزوع إلى التواصل الحميم .. والكاتب يدقق في ملامح هذا النموذج ، فيقدم بطل قصته ( الشطائر الدسمة ) محتاجاً ومحروماً .. يفكر على هذه الصورة : " هاهو العالم يسير غير ملتفت إليَّ . من أنا في الزحام .. من يعبأ .. من يهتم .. ترى ماذا يدور خلف جدران هذه البيوت ؟ وماذا يحدث في هذه الغرفة المضيئة الحمراء ؟ تخيلت أنني أشاهد كل شيء ، وأرى امرأة تتعرى من ثيابها وتغوص في السرير ، وشاباً في ثيابه المنزلية يدلف بخطى لص إلى المطبخ حيث تغلي القهوة خادم جميلة . وكأنني رأيت نفسي قد تزوجت حقاً من تلك البنت وصرت آوي إلى أحد هذه البيوت . "
ويسترسل البطل في سرد معاناته ، فهو إنسان مثقف يعلم الإنكليزية ، لا يؤمن أحد بمواهبه ، حتى صديقه الذي يشاطره غرفته ، ويجد نفسه كل يوم عرضة لإغراء الشطائر الدسمة تؤكل في محل ( الأتوماتيك ) ، ويرفض الزواج من فتاة كان يعلمها بعض الدروس ، وقد حاول والدها أن يستر فضيحتها مع آخر . لكنه ينقاد أخيراً وراء ضغط الحاجة ، وفي حمأة الصراع مع واقعه المتردي يطامن من نفسه ويذهب إلى والد الفتاة راضياً بالزواج .. وعندما يصل يفاجأ بالطرد ، ويجد صديقه قد سبقه إلى نيـــــــل ( الشطائر الدسمة ) فيعود ويقف أمام محل بيع الشطائر ويتحسس جيوبه فلا يجد سـوى ( فرنكين ) وكان يعرف أن ثمن الشطيرة خمس فرنكات .. لكنه يدخل رغم ذلك .. ويزحم المناكب ويطلب شطيرة .
وتعبر هذه النهاية عن احتجاجه وثورته ، كما تعبر من ناحية ثانية عن انصياعه لضغط الحاجة وانزلاقه الخطر خارج دواعي إرادته وأفكاره ومثله . وتقدم القصة تحليلاً لجوهر العلاقة بين الفئات الفقيرة والأخرى الغنية . فهي قائمة على الامتهان والتحكم البشع في مصائر الناس البسطاء في الوقت الذي تكتشف فيه الفئة الضعيفة الفقيرة ، ممثلة بشخص البطل وصديقه ، عن تذبذب وقلق كبيرين . فليس للصداقة أي معنى عندما يكون هنالك ثمة " شطائر دسمة " . إن عالمها بكامله ينهار بدافع الجوع والرغبات والغرائز ، وفي تحليل الكاتب لهذه العلاقة يزاوج بين أشكال الحرمان ويحاول أن يشير إلى حقيقة وأن يعطي تبريراً أيضاً . ففي جو الصراع اللامتكافئ يجد الإنسان الجائع نفسه مدفوعاً لعمل أي شيء ، بل لا وقت عنده يقضيه في التفكير والتريث ، إذ سرعان ما يرى من يسبقه للتهافت على فتات الغنيمة .
وهكذا فإن الجيل الشاب في قصص شوقي بغدادي يبدو في صور عديدة رهن التخاذل والعجز ، يميل إلى الانصياع السلبي ، ويفقد توازنه في مواجهة الانكسارات المتتالية التي تحكم حياته ، فيبدو مضيعاً في صورة شاب فرد يعاني الاستلاب ، ينشد العزلة حيناً ، ويرغب في التواصل حيناً آخر . وربما يجد العزاء في ذكرى أو حب عابر ، لكنه سرعان ما يفقده ، فيعود إلى الغرق في تفاهة الحياة اليومية ، وضغط الحاجة ، ويعود للبحث ثانية عن نافذة ما إلى عالم إنساني أرحب .
إن التعلق بأهداب الماضي تجربة حميمة يخوضها أبطال الكاتب ، وإن هذا التعلق سلبي حزين ، إلا أنه ينجلي أخيراً عن قيمة كبيرة تتصل بآمال الحاضر وصبواته . في قصـة ( السماء تمطر في مدينتي ) نتابع راوي القصة البطل الشاب في رحلته الغريبة الموحشة في حيه القديم ، إذ يبيت ليلة في فندق كان في الماضي بيتاً لأسرة غنية ، وقد عادت الذكريات القديمة تتأكل قلبه ، فيود لو تنهض هذه الأشياء التي يراها الآن من غفوتها ، فيستسلم إذن لطيب عبقها وأصالتها الشجية الموحية .. لكن تجربة العودة تصاب بخيبة كبيرة ، فكل شيء يبدو أمام ناظريه باهتاً مزيفاً ( غلام الفندق ذو الوجه الميت ، الطفل الوحيد يعبر الزقاق تحت المطر ، يحمل حذاءه ويتثاقل في مشيته ويبكي ، الصديق القديم " عزيز " والزيارة المفتعلة والجفوة البادية .. ) ، أما المطر فيهطل غزيراً ويغرق الزقاق بالوحل فيما يسترسل الشاب في تداعياته الحزينة شاعراً بالملل وثقل الوقت وقد هبط المساء .. فتومض في وحشة الظلمة صورة الماضي والأهل والأصدقاء وأطفال الحي واللعب تحت المطر . إن المطر يترافق في القصة وحالة الوجد والعذاب ونشاط الذاكرة ، فيظهر معادلاً للسأم والكآبة ، ومدعاة للتخلص من أوضار الهزيمة النفسية ووحشة البؤس : " ومرت دقائق عادت السماء تمطر من جديد بعنف ، كأنها تريد أن تمحي عن بشرة الأرض أوساخاً أزلية القدم . " ، ويصبح المطر الرامز أساساً للتحول كما في اللقطة الأخيرة في المشهد القصصي : " في صباح الغد كانت مقدمة السيارة تتألق في الشمس وهي تشق الهواء كأنها فخورة مزهوة ، لقد بدأ الربيع يغزو الحقول ، وكان الفلاحون على طرفي الطريق يحملون نتاجهم وهم يتجهون نحو المدينة التي خلفتها ورائي .. وقبل أن يحجبها المنعطف ، التفت للمرة الأخيرة إلى الوراء ، وكدت أهتف بالسائق أن يقف .. "
وتأتي هذه النهاية لتنير أفق القصة الحزين ، وتثور بجو الهزال والبؤس النفسي الذي أحدق بالبطل وهو يستعيد الماضي القاتم ، مغلق الأفق ، ويحاول إحياءه في الحاضر . إن المطر الغزير المرافق للحدث القصصي قد أحدث تعبيراً غني الدلالات في جو القصة ، كما استثار نبع الذكريات فانثالت هي الأخرى بالشجن نفسه . لكن هذا المطر سرعان ما يصنع الربيع التالي ، فتهب الحياة العامة كأنما تستفيق من رقدة طالت ، وتتألق الشمس فتستأثر بالشاب اللهفة إلى العذوبة والجو الصافي الجميل ، فيكاد أن يوقف السائق ليعب من منظر الحياة ، من تفتح الطبيعة والناس حوله . وهذا هو التواصل الإنساني من جديد ، يجد جذوره الحية في الواقع المتحول ، من خلال تجربة البحث في الماضي الآسن .
وقد يبالغ الكاتب أحياناً في تصوير أزمة البطل الفرد وانعزاله ، فيظهر لنا هذا البطل في قصة ( الرجل والمدينة ) نوعاً من النموذج التخطيطي المفتعل بعيد الصلة عن طبيعة الحياة الاجتماعية ، غريب عن تربة الواقع والعلاقات الإنسانية القائمة . إنه بطل منبت الجذور عن كل ما يصله بالناس والحياة : الأم والأب والأخوة والأقرباء والأصحاب وأرباب النظام القائم .. " هاأنذا وحيد في غرفة باردة ، وقد جاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، ولكنني مصمم أن لا أرى الصباح مرة أخرى ، ولماذا أبقى ؟ أي شيء يربطني بهذه الدنيا ؟ لقد تزوج أخوتي جميعهم ، الشباب والبنات ، ومنذ أن توفي والدي لم يعد يربطني بهم شيء ، فقد صار الرجال منهم يتهربون من مقابلتي لأنني شاب عاطل على رأيهم ، وصار أزواج أخواتي يجاهرون بضيقهم من زياراتي .. وها قد مر عام لم أر فيه أحداً من أقربائي هؤلاء ، ولا أي شخص آخر ، أحس أنني إذا جلست إليه أحدثه أنه يصغي إليَّ باهتمام ، وأنه يشاركني متاعبي وهمومي . " ، لقد فقد البطل كل دواعي البقاء ، خلصه الكاتب من كل صلة تربطه بالمجتمع ، فيسترسل في أفكاره المظلمة ، ممعناً في القطيعة والانسلاخ عن كل ما يمت بصلة إلى الحياة : " لماذا أبقى ؟.. غداً إذا بقيت سوف أمر ببيت جميل كنت أدخله ذات يوم كخطيب تتنهد لدى مروره العذارى ، وتتلمظ لمشهده الأمهات ، فأرى رجلاً غريباً يدخل مكاني ، وهو يحمل باقة زهر إلى هذه التي كنت أحمل لها الزهر والأمل والحب في ذات يوم .. غداً إذا بقيت ، سوف أرى وجوه الناس الكريهة مرة أخرى ، وسوف تصدمني في الطريق ألف جبهة مرتفعة لألف رأس فارغ ، ومئات الحسان في معاطف الفرو يتكئن على معاطف مناكب رجال كالخنافس .. غداً إذا مشيت في الطريق تحاماني رفاقي لأنني رجل خائب خطر . حتى إذا مررت أمام المقهى تطلع إليَّ الناس باحتقار كأنهم يقولون إنك لا تستطيع أن تدخل .. أنت لا تملك ثمن فنجان قهوة .. غداً ما أبعد هذه الكلمة ! يخيل إليَّ أن هذا الغد لا يخصني ، إنه شيء في الزمن فقط ، شيء سيأتي يوماً ما فإذا الأحياء قد نقصوا واحداً لن يحس بفقده أحد ، ولن تقف له العجلة ثانية واحدة ، سوف أمضي .. وسوف تستمر العجلة في سيرها كما يصنع الترام عندما يقفز منه صبي صغير يطارده بائع التذاكر."
ويعود فيتشبث بالرفض العاتي في يأس مدمر ، فيخلف سطوراً قبل انتحاره يبدؤها بهذه الكلمات : " لا تحسبوا أنني أستدر شفقتكم إذا قلت أنا مظلوم . إن اليد التي تمتد لي بالحسنة سوف أقطعها . أما اليد التي تمتد بالمعونة فأنا أول من يشد عليها ثم يرفعها إلى قلبه . ولكن أنى لي هذه اليد الخيرة في هذه المدينة الكبيرة الظالمة . "
لكنه سرعان ما يعدل عن اختيار هذه الطريقة المسالمة في الموت ، ويجد في البحث عن طريقة أخرى : " ألقيت بقلمي جانباً ، ومزقت الورقة ، ثم حشوت المسدس ، وانتصبت واقفاً ، أجل ! يجب أن أموت واقفاً . ولكن لماذا أموت في هذه الغرفة الصغيرة ؟ إن أحداً لن يشعر بي غير صاحب البيت الذي سيستنجد بالإسعاف فيأتون ويحملونني كقطة ميتة نرفعها من ذنبها في قرف ، ثم نرميها بعيداً خارج البيت . لماذا لا أخرج إلى الشارع ، إلى العراء ، وهناك اقف في ساحة عامة ، فأطلق الرصاص ، وأقيم الدنيا وأقعدها قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة . " ، وفي الطريق إلى مصيره الأخير يخاطب المدينة المقفرة : " إيه . أيتها المدينة الكبيرة النائمة التي اتحدت ضدي . ليت لي عيناً تنفذ خلف هذه الجدران الضيقة لترى ماذا تدبرون . ويداً صلبة تمتد إليكم فتفقأ عيون هذه المصابيح المشتعلة على سطح الجبل كأنها أضواء مهرجان ضاحك يهزأ بي وبنقمتي . " ، ويبرز في الظلام شبح حارس فتنعطف التداعيات الآن لتغدو على النحو الآتي : " نظر إليَّ برهة ثم اتجه إلى زقاق قريب ، فشعرت برغبة ملحة في أن أفرغ مسدسي في ظهره . حقاً ، لماذا أموت وحدي ؟ لماذا لا أحمل معي إلى العالم الآخر أكبر عدد ممكن من الأحياء ؟! وأعجبتني الفكرة . أنا شقي بائس ، يجب أن أرحل بمتاعبي عن المدينة بالطريقة التي فضلتها . ولكن لماذا أرحل بهدوء ؟ لماذا لا أنتقم من المدينة الظالمة بقسوة قبل أن أرحل ؟ "
ولنا أن نرى في هذه الشواهد المتعددة المقتطعة من القصة ، كيف تتمثل أزمة الشكل الفني المختار عند الكاتب ، إذ تنحو إلى احتذاء تجربة الأدب الوجودي من حيث التركيز على حس الغربة والغرابة والوحشة واللا انتماء والنزعة التدميرية وفقدان العزاء بالناس والأشياء ، ثم التفكير أخيراً في الانتحار حلاًّ ، والعدول ثانية عبر تعلق مفاجئ بالحياة يتلامح في صبية صغار ، إذ يتابع البطل الراوي اليائس مشاهد من مرحهم ولغوهم ، في الوقت الذي تلامس فيه يده المسدس البارد في جيبه ، فيستغرق في طيف السعادة المفاجئة ويمنح الأطفال بعض قروش ، ويساعد سكيراً يترنح ، ثم ما يلبث أن يقذف بالمسدس في مجرى النهر ، وينطلق بخطا نشيطة نحو البيت .
وإذا كانت الفكرة الاجتماعية أساساً قد بدت ضعيفة واهية لا تقف على أرض واقعية صلبة ، فإن تغليب الحياة على الموت في النهاية يأتي بهذه البساطة والسهولة أيضاً .
وهنا تكاد هموم التجريب في الشكل الفني تطغى على الموضوعية والصدق الفني ، إلى حد تصل معه إلى صناعة شخصية قصصية تجريبية ، تقف خلفها دواعي الكاتب الفكرية والمبدئية من دون أن تدعمها أصول واقعية ثابتة ومعقولة ، وتحتشد فيها الإطارات النموذجية التي يحكمها التهويل والبهر والإدهاش على الصورة التي رسمها الكاتب أيضاً للبطل في قصة ( الدخان الخانق ) إذ يسوق فيها نقداً ذاتياً لاذعاً للطبقة الأرستقراطية المتخمة ، يجيء على لسان فرد من أفرادها ، يحكي مأساته كإنسان منفصل تماماً عن حياة الناس ومشكلاتهم ، يعيش لذة تعذيبهم ، ويجن فرحاً لإهانتهم بأسلوبه الوحيد : المال . وتتصعد أزمته التي يحكمها هذا الميل الغريب إلى رؤية الناس صرعى أمام نزواته وأمواله ، لكنها تنقاد في طريق مسدود ، فلم تعد كل الوسائل الدنيئة في إهانة الناس تطفئ لهيب حقده وكراهيته ونزقه ، فيختار الانتحار في لحظات من التداعي المشبع بروح العدوانية تجاه الآخرين والذات معاً ، ويشعل النار في ستائر غرفته ، ويجلس ليراقب المشهد المثير ، ويكتب وصية غريبة يطلب فيها توريث أمواله للعاهرات .
وإذ تفتقر القصة إلى القدرة على الإقناع في وجود مثل هذا البطل أصلاً في واقعنا الاجتماعي ، فإن النهاية وفق الصورة المرسومة تأتي عبر رغبة الكاتب في تحطيم هذا النموذج ( المتخيل ) وإثارة روح الكراهية تجاه طبقة بعينها ، لكن مثل هذا النموذج يمكن أن يوجد – إذا وجد فعلاً – في مجتمعات تأصلت فيها جذور هذه الطبقة تماماً ، وهي تعيش الآن فترة احتضارها ، وتحصد نهاياتها البشعة ، وليس في مجتمع يبدأ أولى خطواته في تكوين شخصيته الوطنية الإنسانية بمعزل عن هذا التمايز والانشطار الحاد بين الطبقات في المجتمع العربي السوري إبان الخمسينات . إن التجريبية الفنية ( في الشكل من دون الاهتمام بالمضمون ) تحكم قسماً من نتاج شوقي بغدادي وتستأثر بمحور القصة عامة .
لكن الصورة الأكثر نفاذاً إلى عمق الحياة الاجتماعية تبدو في قصصه الأخرى التي تحتوي على شخصيات من البسطاء ذات أصول شعبية ، تتمازج فيها رغبات الحياة وإرادة البقاء والقدرة على التحمل ومواجهة الظلم والاضطهاد والاستغلال من دون محاولة التمرد والرفض كما هي الحال عند أبطال سعيد حورانية . ويبدو شوقي بغدادي وهو يصوغ معاناة الإنسان المسحوق الضعيف كمن يرفع الإدانة دونما حاجة إلى الصراخ ومن ثم التفاؤل الثوري والانتصار المجاني .. فوحدها الإدانة في قصصه تمتلك هذا البعد المؤثر العميق ، فتنير البديل الإنساني لكل صور الظلم والفساد الاجتماعي . وتظهر هذه الإدانة في قصة ( فرنك أسود ) مثلاً عبر حدث بسيط مؤثر يكاد للوهلة الأولى يشعرنا باختلاق جو المصادفة التي تقوم القصة على أساسها . وفيها يرمي البطل المتسكع بفرنك أصفر لصبي متسول في السابعة من عمره ، فيلحق به الصبي وهو يتدحرج على الإسفلت ، فيلاقي حتفه تحت عجلات سيارة مسرعة . فتبدأ القصة من لحظة تبكيت مرير يجري في ضمير البطل ، يلم بمأساة الإنسان الصغير المحروم ، وتتألق هذه اللحظات في مكاشفة أليمة قاهرة ، فتتسع دائرة الحدث لترمز إلى أناس بسطاء يلهثون خلف لقمة العيش ، ويكون نصيبهم في النهاية موتاً مأساوياً مفجعاً تافهاً ، يمرون في الحياة فيتركون بقعاً من النجيع الأسود عل الطرقات ، دلالة على القهر وشظف العيش والعوز المزمن يتأكل أطفالاً في أول التفتح والنضارة .
إن الموت في قصص شوقي بغدادي نهاية من نوع قاهر غير إنساني وغير عادل ، والموت بمرض السل تحديداً يكاد يكون البؤرة التي تجمع إليها كل معاني الرفض والاحتجاج والإدانة الاجتماعية . ولعل قصة ( حينا يبصق دماً ) من أنجح قصص الكاتب إنسانية وعمقاً ، إذ تنقل صورة حية لحياة مجموعة من الناس تعيش في حي المسلولين بطرطوس ، فيفصل الكاتب على لسان بطله في وقائع حياة هذا الحي وأناسيه. فقد ماتت شقيقة الراوي عيوش وتبعها صديقه أحمد ، وتبعهما آخرون من الجيران .. وهاهي الدولة تأمر بهدم بعض بيوت الحي بسبب تفشي المرض ، فيغادره ساكنوه إلى العراء .. " لقد كان الموت يعيش بيننا ، يمد فراشاً بيننا على الحصير ، ويفتح عيونه صباحاً مع عيوننا ويجلس بيننا على الطعام يأكل في صحوننا . كنا نتنفسه في الغرف والردهة وعلى السلم وفي الزقاق وفي أنفاس الجيران وروائح البالوعات المفتوحة الأطراف كبطن منفوخ مشقوق ، وفي سواقي الماء التي تتلوى في وسط الأزقة حتى في صميم هاجرة الصيف ، يمرح فوقها الهوام ويغوص فيها أطفال الحي بأرجلهم الحافية .. بدأت حارتنا تصبح على كل لسان ، وصرت أسمع أهل البلدة أينما توجهت يتحدثون عن ذلك الحي الذي لا تدخله الشمس ، وعن وجوه سكانه ، وجوهنا ، تلك السحنات الضاوية ذات السمرة القاتمة ، وكنت أسمع من يتحذلق منهم فيلبس مسوح الطبيب المتحضر ليقول :
- طبعاً .. البيت الذي تدخله الشمس لا يلجه طبيب . "
ويتنقل الراوي بهذه الحميمية بين تداعياته المؤلمة عن سيرة الحي وماضيه وصور الطفولة الأثيرة ، عبر إحساس حزين يائس من كل المساعي .. فها قد مرت سنتان تقريباً على هدم بيت ( عرفان ) ورغب سكان المدينة عن أخبار الحي الموبوء .. فهل يكون العزاء في الشمس : " من حين لآخر كان أبي يذكر الشمس وضوء الشمس ، فأصر على أسناني . من لي بهذا القرص ، أنتزعه من قلب السماء وأثبته في مطبخنا جذوة لا تخمد . أكان أحمد ما نحل عوده ولا مات ! أكانت عيوش ما سعلت من الصباح حتى المساء ثم اختنقت بإحدى سعلاتها ورحلت عن البيت ! أكان كل هؤلاء الذين ماتوا وبقوا على وجه الأرض يخترقون أزقة الحي كل صباح إلى عملهم ! إنهم ميتون .. "
لكن النهاية تأزف ، ويرسم الكاتب صورة للمفارقة تحمل النقمة والسخرية المرة ، وتشير إلى مرض آخر مزمن يعشش في الحي ويتلف صدور ساكنيه . فيرتفع رمز المرض إلى معنى السل الأكبر ، ويشمل كل مظاهر الفاقة وصور الحرمان والعوز .. " كنت سمعت منذ أيام أن بنت ( محمد فريج ) مصابة وأنها تموت ببطء . واليوم كانت الشمس حادة ، وكنت اقف في فم الزقاق ارقب الحي كله بعين مجهدة ، وأرى إلى صبيين ملتصقين بأحد الجدران قد تعرضا للشمس ، وأغلقا عينيهما كمن يرفع وجهه إلى السماء مستحماً تحت المطر ، ثم أخذت أسعل بهدوء سعلات خفيفة متقطعة ، صارت تشتد شيئاً فشيئاً ، فوقفت دامع العينين أحاول أن ألتقط نفساً من الهواء ، وأنا أحس أن صدري يتمزق ، وأن معولاً يفتح في صدري غوراً ، ثم شعرت أنني أريد أن أبصق ، فبصقت ، وكانت تخالط بصقتي خيوط حمراء ، ولكنني كنت واهماً ولا شك .. "
إن الموت بالمرض يفصم عرى الارتباط الإنساني والحب كما في قصة ( الأموات الذين نعرفهم ) ، ويتخطف صبا ( حسنية ) في قصة ( دمية المطاط تبكي ) فتسقط الدمعة من عين شقيقها ( راوي القصة ) حزينة مقهورة . لم يكن أي شيء قد استطاع أن يستدر الدموع من عينيه ، مرض أخته وعذابات المستشفى والموت والدفن وجو المآتم ومراسيم العزاء القاتلة ... " تنفجر الأم معولة : - ماتت حسنية يا أحمد ..
- حسناً .., ماتت .. أعتقد أننا سنموت كلنا معها .. وأنك أيضاً ستموتين قبل الجميع .. وخديجة والأولاد كلهم .. " . لكن نظرة إلى دمية المطاط الموعودة تسقط دمعة من العين ، تقع على وجه الدمية .. الذي لا يبكي .
ويتوسع الكاتب في دلالة الموت بالمرض ، فيخرج بها إلى معالجة جوهر العلاقات الاجتماعية المأزومة كما في قصة ( طانيوس على الأرض ، طانيوس في السماء ) ، حيث يخرج طانيوس عطا الله صباحاً من مقهى البلدة يتلذذ بمذاق القهوة .. لكن تنتابه سعلات حادة فيطلق لها العنان ، ويتداعى إلى الأرض ويبصق قطعاً حمراء .. ويقضي . ويهرع الناس من مختلف الأجناس والأعمار ، فيتجمعون حول الجثة بغية التعرف عليها ، بينما يطلب آخرون إحضار الكاهن لكن الأجراس تدق إيذاناً بالموت . ونعلم أن طانيوس رجل معروف من أكثر أناس المدينة ، لكنه على قطيعة مع أهله وذويه ، يعيش وحيداً منبوذاً مريضاً ، ويدور حوار بين الحشد المتعاظم حول الجثة عن المرض والميكروب .. ويعجب بعضهم لماذا لم يسمع جرس الكنيسة إلى الآن . ويعجبون لعدم حضور أقرباء للمتوفى ، ويتساءلون : إلى أين ذهبت روحه ترى ، مادام الجرس لم يقرع حتى الآن ؟!. لكن الكاهن الذي يظهر متأخراً يتم طقوسه بعبوس ويمضي .
وفي مستوى مواز لحدث الموت والتجمهر حول الجثة وسيرة طانيوس ، تخرج الروح صعداً إلى السماء فرحة محبورة كطائر أفلت من قفص ، لكنها عندما تصل إلى الأعلى تقف أمام أبواب السماء العريضة المصنوعة من خشب أبيض مصقول ، تنتظر أن يفتح لها كي تلج إلى المكان الموعود .. لكن الغريب في الأمر أن الأبواب بقيت موصدة ، وكانت حرارة الشمس شديدة ، فأخذت الروح تحوم ضارعة حائرة ، وأجيبت بأن الأبواب لا تفتح ما لم تقرع الأجراس ، وتعود الروح بين لحظة وأخرى لتسأل عن فتح الأبواب وقرع الأجراس ، وتحس أن مؤامرة دبرت ضدها كي تظل مقدراً عليها أن تبقى ضائعة في الفضاء ، لا مكان لها على الأرض ولا في السماء .
وإذ ينهي الكاهن طقوسه على الأرض يسمع صوت الجرس ضعيفاً متخاذلاً ، ويتناهى إلى روح طانيوس فتشهق غير مصدقة وتسرع في لمح البصر لتصبح إزاء الأبواب البيضاء الموصدة وهي تصرخ هاتفة :
" – ألا تسمع الأجراس يا سيدي ؟ إنها تقرع .. إنها تقرع .. لقد مات طانيوس عطا الله يا سيدي الآن فعلاً موتاً نهائياً .. حقيقياً .. رسمياً " . وتبقى الأبواب الكبيرة موصدة ، بينما يفتح في الأسفل باب جانبي صغير ضيق ، يفتح نصف انفتاحة ، فتتسرب منه روح طانيوس ، ويغلق وراءها بسرعة بالغة .
لقد أبرز الكاتب فنياً عبر أسلوب اللامعقول ، ومن خلال نسج الجو المراسيمي لقصته ، مدى الصلف والظلم الذي وقع بطانيوس في حياته قبل موته .. فما العنت والتماطل في دفنه وقرع الأجراس إلا وجه من وجوه رفضه شخصاً في مجتمع ، وهذا التمايز الاجتماعي الحاد يرافق الإنسان إلى قبره ، فلا تفتح له هناك الأبواب العريضة .. وطانيوس المظلوم على الأرض يبقى مظلوماً في السماء . هذا ما تقرره المواضعات الطبقية والعرف السائد .. وهنا ترتفع الإدانة فتشيد بقيمة العدالة الغائبة والإنسانية المستلبة .
يمتلك شوقي بغدادي ناصية البناء القصصي ، ويبدو كل شيء في هذا البناء مرسوماً بدقة وأناة . ومن أهم معالم تجربته الفنية ، التدقيق في حركات الأشخاص ووصف هيئاتهم وطرقهم في الحديث وردود أفعالهم ، ومن ثم الانتقال بين التفصيلات بيسر وقدرة على الإيحاء ونسج الجو . إن أبعاد الحزن التي تغلف قصصه لا تأتي من طبيعة الحدث وتطوره ونهايته ، بل من الطريقة العفوية الهادئة ، والأسلوب الشاعري الموحي ، وتداخل الأزمنة والمواقف ، وتفتيت الحدث وبث التداعيات في جوانبه .. الأمر الذي يخلف وحدة في الانطباع والتأثير تتوجه إلى إنارة لحظة بعينها ، تلتقي فيها العبرة مع المفارقة مع الإدانة والرفض ، من دون اللجوء إلى التصريح بدلالة الموقف والمباشرة في عرض المعاناة الاجتماعية .
وتساهم اللقطات الجانبية بقسط وافر في خلق هذا التأثير ، وتبرز عبر عدد من الأشكال ( اللقطة المرافقة ، المعادل الموضوعي ، رسم الجو ، إحياء الذكرى .. ) .
وإذا كانت معظم قصص الكاتب قد ركزت على اجتلاء نفسانية البطل الفرد في أزمته الاجتماعية وصبواته وخيباته ، فإن استخدام أسلوب المتكلم يأتي من حصيلة البحث عن أنجع الوسائل الممكنة للعرض الفني ، وذلك من حيث الرهافة والعمق والقدرة على البوح العفوي . وإن استعمال أسلوب المتكلم يكاد يغلب على قصص المجموعة عامة ، وإن شوقي بغدادي ليعد من أقدر كتاب الخمسينات على الاستفادة من إمكانات هذا الأسلوب الفنية . لكن الولع في تجريب هذا الأسلوب قد يغرق القصص أحياناً بالطابع الذاتي ، فيضمحل الموضوعي في الفردي الخاص ، ويظهر الضعف واضحاً في التخلص من العنصر ( البيوغرافي )
لكن إذا كانت تجارب الكاتب في تطوير الشكل الفني للقصة القصيرة تحمل ما تحمله من روح الريادة والكشف والتجريب ، فقد يحمد له فضل المعاناة والبحث الدائب في أصول لون أدبي كان ما يزال في طور التشكل في أدبنا الحديث . ولطالما حاول التجريب في هذا اللون الأدبي ، بل لقد تعددت إسهاماته وتنوعت في تجاربه القصصية اللاحقة ، لكنه بقي في الأوساط الأدبية السورية يعد شاعراً بالدرجة الأولى ، وقلائل من ينتبهون إلى إسهاماته في القصة القصيرة على نحو ما يحب ويرغب في أن تتجلى سيرته وترسخ ..


*******************


( 4 )

أزمة في الذات والموضوع
( عادل أبو شنب )


تعبر قصص عادل أبو شنب الأولى عن محاولة بعث الحياة النفسية لنماذج فردية ضمن الإطار الاجتماعي ، وتلك سمة رومانسية تتسم بالرقة والشاعرية ، وتظهر بداية كمعزوفة خارجة على المنظومة العامة التي ألزم بها كتاب الرابطة أنفسهم ، أو إن ما قدمه أبو شنب يبدو حينها نهجاً مختلفاً ومغايراً في التناول القصصي ، سواء بالنسبة إلى كتاب الرابطة ، أو بالنسبة لمجمل نتاج القصة السورية حتى ذلك الحين من أواخر الخمسينات . وقد شكلت محاولة الكاتب في مجموعته القصصية الأولى بوادر تيار متميز بدأت ملامحه تظهر في تجربة الأدب الجديد منذ مطالع الستينات ، على أيدي كتاب مثل زكريا تامر وياسين رفاعية ووليد إخلاصي وجورج سالم وآخرين .
وقد حافظت حدود هذا التيار عموماً في قصص عادل أبو شنب على سمة التناول الاجتماعي ، وأبقت على لون البيئة المحلي ، إلا أن الرؤية الواقعية اختلفت ، إذ إنها بدأت تفقد معالمها وتضيع شيئاً فشيئاً ما بين مختلف النزعات المستغربة الوافدة ، بل إنها استكانت إلى سطوة مشاعر الحزن ومعاناة القلق الروحي والانطواء ..
وقد بدا القصور الواقعي واضحاً في بعضها عبر اختلال العلاقة الناظمة ما بين الذات والموضوع ، فركزت هذه القصص على معالجة مجموعة من المشكلات النفسية الفردية التي يعيشها الأبطال في جو من العزلة والضياع والسقوط الأخلاقي ، وقد تناولها الكاتب في صيغها الإحباطية العاجزة ، وظل في الغالب يراوح عند حدود تصوير الأزمة ، مقصراً في مقاربة وعي الشخصية القصصية ، وفي ربط الأزمة بعواملها ربطاً صحيحاً ، دون أن يبتعد خطوة تالية فــي مجال المعالجة وتحديد الرؤية . ولابد هنا من الإشارة إلى أن الموضوع المختار بحد ذاته لا يمكن أن يحدد رؤية الكاتب ، وليس الإشكال في التركيز على الحياة النفسية للنموذج الفرد والتعمق فيها ، بل الإشكال في أن يتم هذا التناول في محتواه الذاتي ، وضمن مستوى طولي يجعل من المعالجة شكلاً من أشكال الإطناب العاطفي ، وإثارة مشاعر الحزن والألم ، بل محاولة استدرار الشفقة ، من دون القدرة على التصوير المتكامل في عناصره الفنية ، بحيث يصل إلى الإثارة الوجدانية والتفعيل المؤثر إيجابياً في المتلقي . فالأزمة النفسية تظل في حدود فرديتها ، وحركة نمو القصة تصدر عن الذات وتعود إليها ثانية ، ولنا أن ندرك هنا أن الذات ليست سوى ذات الكاتب ورؤيته معاً . وعلى ذلك فإن البناء القصصي عند عادل أبو شنب قد يصيبه الخلل في بعض الأحيان ، على الرغم مما يبدو فيه من معالم الصنعة والتقنية الحديثة في الكتابة القصصية ، ويأتي الخلل من كون البناء تابعاً آلياً للشخصية القصصية وطبيعتها النفسية المأزومة بفعل الجناية الاجتماعية . والعالم الذي يسلط الكاتب عليه الضوء هو عالم الهموم الصغيرة والنزعات المكبوتة لإنسان مسحوق محبط عاجز ، لكن التصعيد العاطفي لدقائق الصراع في هذا العالم يطغى على الموقف الموضوعي ، على نحو يجافي طبيعة الرؤية والصدق الفني . فالصراع بين العالم الصغير بقيمه الجديدة الصاعدة ، لكن الضعيفة المستكينة ، والعالم الكبير بقيمه البائدة المنهارة ، لكن الكابحة الضاغطة ، يبدو ذا طبيعة ذهنية صناعية ، رغم ما يظهر في خلفياته من دلالات مختلفة تحدد بنيته وعلاقاته ، فالبؤس الاجتماعي الذي يظهر عبر أشكاله الوصفية عند الكتاب الآخرين ، يظهر عند الكاتب من خلال آثاره النفسية والمرضية أحياناً ، لكن بشكل وصفي أيضاً ، فتلقي قصصه الأضواء على جوانب عديدة من خيبات الأبطال ، وتشير إلى الخلل أو العطب في البنية المتهالكة للواقع . ويتم التركيز في بداية القصة على اللحظة المأزومة في حياة البطل ، وما تولده من شعور نفسي مؤلم ، ثم تتجمع خيوط الحدث لتبرز معالم الأزمة وتسوقها في طريق التصعيد . وإن تناول أزمة الشخصيات في صراعها ضمن شروطها القاسية يمتلك القيمة الأساسية عند الكاتب ، وليس للحدث قيمة بذاته ، لكن بما يلعبه من دور على صعيد التخييل والتوثيق الشخصي للبطل وتجسيم أزمته الخانقة .
ولعل محور هذه الأزمات التي تدور القصص في فلكها " هو ذلك الشعور بالفراغ الذي يحسه الأفراد حولهم نتيجة لانهيار القيم الأخلاقية التقليدية ، واضطراب الحياة الاجتماعية ، هذا الاضطراب الذي يبدأ من الأسرة لينتهي في جميع المؤسسات الاجتماعية . " وفساد العلاقات الاجتماعية بين الأفراد يورث الألم والعذاب ، ويؤدي إلى العزلة والانطواء واجترار الأحزان والاستسلام للبكاء ، أي إلى السلبية والانكفاء على الذات . والحاجة إلى الحب والحياة والاستقرار بوصفها أساساً لاستمرار الكائن الإنساني ومبرراً لوجوده ، تظل دوماً من غير تحقق ، وينتهي الأبطال من رحلة البحث إلى رؤى عابثة وغامضة ، بل لا نجدهم أساساً يحملون هوية ما سوى ما نلاحظه في سلوكهم ونزعاتهم من غموض وميل إلى العزلة والبكاء والهرب بشكل يقربهم من المرض العصابي ، وأشد ما يميزهم افتقارهم إلى روابط اجتماعية تشدهم إلى انتماءاتهم في الوسط المكاني والزماني ، وعلى حين تنعدم الصلة بين الشخصيات التي يقدمها الكاتب ومحيطها بوجه عام ، تنعدم أيضاً هذه الصلات بين الشخصيات في القصة الواحدة ، فالكاتب يسعى إلى إنشاء عوازل تفصل الشخصيات عن محيطها ، بحيث يتناولها في وضع معين ، وفي لحظة نفسية عصيبة ، وتأتي الإضافات الدراماتيكية والتصعيد العاطفي لتنسد آفاق القصة ومجالات تطورها في السبل الموضوعية الفنية .
وأبرز الموضوعات القصصية التي عني بها الكاتب تلك التي رصدت علاقات الحب المنهارة ، وجنايات الأهل والمجتمع فيها ، وانعكاس ذلك على سلوك الأبطال ونظرتهم إلى الوجود . والكاتب لا يمضي في هذه الموضوعات إلى أكثر من تأكيد قيمة الحب ودوره في إضاءة الحياة الإنسانية بالأجمل والأكثر عدلاً وأمناً ، وهذا ربما كان كافياً كقيمة لأي عمل أدبي ، لكن الكاتب يظهر علاقات الواقع في شكلها الوصفي ذي البعد الواحد المتكرر ، ويظل الاستسلام لمنطق الأشياء هو الذي يحكم العمل الفني ، ففي قصة ( بكير لسه ع الدموع ) يتعرض الكاتب لمأساة الفتيات في المجتمع الشرقي المغلق عندما يصبحن في سن الزواج ، فيجلسن في البيوت ينتظرن من يطرق الباب ، ويفتنن في تجميل البضاعة ورأب ما قد تصدع من رصيد الصبا ، والكاتب يدقق في رسم هذه الصورة المحلية الشرقية ، لكننا لا نلحظ في القصة وطأة الواقع المزعومة ، تلك التي تطحن الجميع برحاها .. فالفتاة فاطمة تحب شاباً يلازم حيها كل يوم ، فيمر من تحت نافذتها ويرسل النظرات ، وإسماعيل صبي البقال يحب فاطمة أيضاً ويشهد العلاقة بينها وبين الشاب ويؤثر الصمت ، فهولن يستطيع الإفصاح عما في قلبه ، وهي لن تقبل ، وفاطمة تخطب لإنسان آخر ، بينما يكون الشاب تحت نافذتها عند البقال إسماعيل ، فتصل إليهما الزغاريد وتطوف بعيونهما الدموع في اللحظة التي تبكي فيها فاطمة لأنها أكرهت على الزواج بمن لا تحب ، " وتأخذ أم فاطمة في القهقهة : - حاجة فاطمة ، بكير لسه ع الدموع ولك يا مو . فتكف فاطمة .. لكن أختها تبدأ بإرسال الدموع " ترثي حظها العاثر ، فقد ذبل محياها ، وغادرها قطار السعادة المنتظر ، وهكذا فالكاتب لا يقدم الأسباب التحليلية لهذا الواقع ، بل يظل في حدود نقل الصورة الحزينة التي تحكم شخصياته ، يأتي الخطابون فينتهي كل شيء ، والحب الذي يحكي عنه لا يقف على أرض من الواقع ، إنه حب الصبا الضائع ، سواء بالنسبة للشاب أو البقال أو فاطمة ، يقوم على أسسه العاطفية فقط ، والدموع التي ترسلها شخصيات القصة في آن واحد لا تبدو مقنعة ، وتميل إلى اصطناع الموقف الحزين ، حتى إن موقف الكاتب مما يجري أمامه يتجلى في مفردات عنوان القصة نفسه ، الذي يتكرر على شكل لازمة على لسان الأم ، فبكاء الفتاتين ما يزال سابقاً لأوانه ، لأن ما سيحدث فيما بعد سيكون أكثر رهبة وأشد إيلاماً ، وبالتالي فهو يستحق دموعاً أغزر ، وربما احتاج إلى ما هو " أكثر من الدموع " .
وقد لا يصيب الأبطال هذا النوع من الاستسلام ، فيصل الدفاع عن الحب إلى حد التضحية الغالية ، ويرتفع الكاتب في تصوير العلاقة المأزومة ، فيأخذ البطل صورة المناضل في سبيل الحب . إنها معركة نبيلة شريفة تدمي القلب وتحرقه بلهيبها المقدس ، لكن الكاتب يظل محافظاً على الأطر الذاتية على شكل تغن بالألم وتجرع لمرارة التجربة برضى وانتشاء ، فتعود القصة ثانية لتصبح وجهاً آخر للموقف السلبي عبر التجميل الرومانسي للمصائب ، فالعاشق الفتى في قصة ( شيء من القلب ) يتلقى نصلاً في العتمة بظهره من ذوي الفتاة ، جريرة حبه ، ويعيش مرارة الإخفاق قانعاً بما آلت إليه الأمور ، وتتصل التداعيات في ذهنه ، فتشي بوطأة أفكار الكاتب وملامح التجـربة الذاتية . إن الأخ الأكبر الذي كان يحول بينه وبين هذا الحب يتغير فجأة ، ويحس بإحساس أخيه ، ويحمل سكيناً ويدسها تحت المخدة وعيناه تسحان دموعاً . هذا الأخ نفسه كان يوجه الاتهام في مناسبة وغير مناسبة : " أضعت كل شيء حتى الشرف ، بهدلت العائلة " وهو الذي حاول في غفلة من أخيه فيما مضى أن يداهم أشياء ه ورسائله الخاصة إليها ورسائلها إليه .. المعطرة .. فيفتح الدرج بيد مرتعشة ويلثم ما تقع عليه يداه . وينجح الكاتب هنا في رسم صورة للمفارقات الاجتماعية في شخص الأخ الأكبر ، ففي عمق الأشياء والمشاعر يكمن الحب ، وفي صميم الناس رغبة جامحة إليه ، لكن قسطاً كبيراً من رواسب العادات والعوائق الاجتماعية يقف في وجهه . وقد مزج الكاتب ببراعة بين أسلوب المتكلم وأسلوب المخاطب ، فحقق للقصة بعداً شاعرياً متميزاً ، ونسج من ذلك وحدة الجو التعبيري ، عبر تركيزه على إثارة المشكلة الاجتماعية فيما يتعلق بالكبت ، وإظهار انكساراتها ونتوءاتها المقنعة : " أنا لم أكن أومن بالشرف ، لم أكن أهتم بهذه الكومة الهشة من القيم ، ولكني مع ذلك كنت أتألم ، كنت أفكر في أن أنتحب بصوت مسموع ، حتى يسمعني أخي فيرق قلبه الذي ما رق أبداً ، كنت أتساءل دائماً : " كيف يعيش هؤلاء الذين لا قلوب لهم ؟ " ومع ذلك فقد أحببت أخي كثيراً ، على الأقل رثيت له لأنه لم يستطع يوماً أن يفعل مثلما فعلت ، لأنه عاش أبداً على الفتات ينظر إليَّ نظرة لا تفصل كل ما في قلبه من غيظ ومن نقمة ، ولكنها تفصح عن بعض قليل .. "
وقد ينحو الكاتب في قصص الحب إلى التحليل النفسي المتعمق ، لكن هذا التحليل عموماً لا يشارك في تطوير الأزمة أو تحولها ، بل في بعثها بكل دقائقها ولمحاتها ، وجعلها مدعاة لإثارة النظر والعبرة ليس إلا . فتصور قصة ( عالم ولكنه صغير ) مثلاً نفور البطل من علاقته بامرأة عاهرة ، فتقف به عند حدود الحيرة والنزوع الغامض إلى الخلاص .. " أيتها العلقة ! أيتها المرأة العلقة . " ، " إنني لا أعرف كيف خدرت في هذا المكان .. أمسكت فجأة عن التفكير ، ورحت أمضغ الأيام المتعاقبة ببلاهة . " . هكذا يترك البطل وراءه حياة ومثلاً وكفاحاً وأماً ، يترك الرفاق جميعاً ، وصبية حلوة ، خداها بلون الورد الأحمر ، ليذيب دماغه على حضن امرأة مومس . إن حبها له يمثل التعلق بأهداب الحياة والاستقرار : " أنت حصتي من العالم الذي فقدته " ، وهربه يمثل محاولة الخلاص من تبعات ورطة وفضيحة وقذارة وسأم ، بعد أن انقضت فترة اللذة والدهشة الأولى ، وإذ يقدم البطل على هجرها تنتحر " وتخرج من هذا العالم الصغير ، وهي تحمل في قلبها بذور حب حقيقي كهذا الذي يملأ العالم الكبير . " وتطغى على القصة المبالغة في المواقف ، والإطالة التي تزيدها ترهلاً ، إذ إن التركيز لا يكون إلا على محاولة التعلق من جانب المرأة البغي ، عبر أمثلتها الكثيرة ، في حين نجد محاولة التحديث التي اعتمدها الكاتب ، تبدو فضفاضة على الحدث ، تجافي طبيعته ، وتظهر من خلال ( المونولوج ) الخاص بالشاب ، فهو يحلل الواقعة ، حدث الانتحار ، من دون عناية الكاتب بكونه طرفاً مباشراً بفجيعة المرأة ، فتفضي به حريته على تلك الطريقة إلى فراغ ، فهو لا يدري ما سيفعله بـها ، بل لا تظهر معالم شعوره تجاه ما آلت إليه هذه العلاقة البائسة المدمرة .
هذا البطل نفسه في حال عثوره على ضالته المنشودة ، تلك الفتاة التي يحب ، لا يصمد لحظة تجاه الظروف المحيطة به ، ولا يصمد أمام قسوة العلاقات الاجتماعية . ففي بداية قصة ( الأعوام التي نعد ) نواجه هذه الصورة للبطل الضائع الباحث عن خلاص دون جدوى : " تعمل في رأسي فكرة الخلاص من شيء قابع كالوطأة على صدري .. ذات يوم قال لي الزمن : قف ! ذلك أن الصبية التي أحببتها من كل قلبي ، قد اختطفها مني رجل كثير النفوذ ، فجمد تفكيري عندها ، عند حقبة قصيرة من الزمن . " . وتنثال التداعيات البائسة عبر ذهن البطل ، وهو يجد نفسه بعد عزلة طويلة في ملهى ليلي . لم يعد للأشياء طعم ، الموسيقا والرقص وامرأة البار ، فيلوذ آخر الليل بالبيت ويسارع إلى ألبوم الصور ينشد التواصل مع الماضي المدفون ، ماضي الأصحاب والسعادة ، والصبية الحــلوة المحبوبة ، ذات العـينين المضيئتين ، " وفتحت الألبوم . كان مليئاً بالصور ، ونظرت .. أهكذا فجأة يجد المرء نفسه كبيراً على هذه الصورة البشعة ؟ وانتزعت صورة عتيقة لي ، تمثلني في شبابي ، وعلى التحديد في فتوتي ، فقربتها من المرآة .. أراه واجباً..أن تسيل دموعي بصورة ملحة ، وبإصرار كبير ، فقد مرت أعوام كثيرة .. كثيرة كما تقول سحنتي ، وما عشت إلا حقبة صغيرة منها.. بضعة شهور لا أكثر ! "
أما الأشياء التي فقدها فتبدو بحد ذاتها خيالاً مجنحاً بعيداً عن الواقع ، أحلاماً رومانسية بعيدة المنال " أليس شهياً أن يشعر المرء أنه محبوب حقاً ، وأن صبية لها عينان مضيئتان .. تعيش في رأسه باستمرار ؟!.. حدثتني مرة عن بيت منعزل في الضاحية ، وسهرة ساحرة مصباحنا فيها القمر ، قالت : هذا بيتنا ، وأشارت إلى بيت تلفه أشجار الصفصاف . قلت : سيكون لنا مثله . قالت : وسنقوم برحلات كثيرة نرى بها كل شيء : العالم والناس وقناديل الأولياء التي لا ينطفئ نورها .. "
وتتم هنا رؤية العالم المحيط وعلاقاته المأزومة من خلال نسيج الأزمة الذاتية لفرد محروم أخفق في إقامة علاقة مع الطرف الآخر للتواصل ، فتنعكس هذه الأزمة في نفسه على هذا النحو المتسم بالفردية الضيقة ، تلك التي لم تستطع ، كبداية ذاتية ضرورية في أي عمل أدبي ، أن تنفذ إلى الجانب الجماعي ، إلى الآخر ، لتوجد التواصل المنشود بالقارئ : " كان عندي أنين في قلبي ، أنين بغيض يلازمني منذ فــترة ليــست بالقصـيرة ، إنني أحاول دائماً أن أكتشف الجمال في الأشياء فلا أستطيع . "
والقصة تمضي في تصوير هذه الأزمة الضيقة المنغلقة على الذات ، والتي لا ترى ما دونها وما سواها ، فتنحصر في إضاءة جانب المشكلة ، وتصور انعكاساتها السلبية من دون القدرة على إعطائها البعد الكلي ، عبر توظيف عناصر الواقع الآخر ، وأهمها مبدأ التعميم الفني ، وقدرة الشخصيات على تجاوز ذاتها ، والاستفادة من عمق التجربة المعاشة . وعندما يقصر العمل الفني في إبراز الجوهر الحقيقي للأشياء ، وتقرير دورها الفعلي في المجتمع الإنساني ، أو عندما يتوارى منه مبدأ التعميم الفني ، فإن هذا ينعكس على دوره الأساسي في الفعل والتغيير ، وعلى قيمته المعرفية الإنسانية الشاملة . ومن هنا يمكن القول : " إن من مهام الواقعية عكس الصلات الوثيقة بين الإنسان والمحيط الاجتماعي ، وتصوير تأثير شروط الحياة وظروفها على تشكيل شخصيات الناس وأخلاقهم وعالمهم الروحي ، لكنها لا تتعلق فحسب بالكشف عن تبعية الإنسان للوسط ، بل وترتبط إلى حد كبير بتصوير قدرات الإنسان وحيويته وتأثيره على الظروف وعلى العالم المحيط . "
إن علاقات الواقع في قصص عادل أبو شنب تبقى سائدة ، كنوع من الواقع الثابت ، ولا تملك الشخصيات أية قدرة على تحريكها أو دفعها في طريق التغيير . إن " قمر " في قصة ( مدينتي بعد منتصف الليل ) تعيش في وسط عائلي محافظ ، تنفذ أوامر والدها البغيضة ، وتنفرد بنفسها وتفكر بحياتها الباهتة القاتمة الخالية من المسرات ، وتغرق في نشيج مكتوم .. وفي مقطع آخر نواجه شاباً يتسكع محروماً في شوارع دمشق النائمة ، يجد في نفسه الرغبة في البكاء بصوت مسموع ، ويبدو حزن المدينة جزءاً من الحزن المنطبع في روحه القلقة : " وجددت تطوافي في شوارع دمشق .. كانت الشوارع تئن من الحزن والكآبة ، والوجوه الصامتة وتهويمات السكارى ، وكانت السيارات تمر بسرعة .. تحمل رجالاً منطوين على أنفسهم يلهثون ، ونساء عرايا لهن صدور بيضاء كالفل ، أبصارهن معلقة ، من وراء النوافذ المغلقة أو المفتوحة .. بالرجال . وقتئذ خيل إليَّ أن الجميع في المدينة الكئيبة يبحثون عن أهداف ، وأنني وحدي الوحش الذي يعبر زمانه دونما رغبة ، دونما أمل . "
وهذا التصعيد الغريب لمعاناة البطل ينتهي دوماً إلى نزوع متأصل في شخصيات الكاتب ، يدفعها برغبة لا تقاوم إلى البكاء : " وبدأت عيناي ، من جديد ، تدمعان .. وكانت الدموع ، خلال تسكابها المزمن ، قد حفرت لنفسها أخاديد .. في خدي ، ولقد حاولت على مدى الأيام أن أمسح الرطوبة التي تملأ وجهي ، أن أتبسم للعالم .. ابتسامة طيبة ، ظريفة .. "
والتفكير في الحب محبط هو الآخر ، فقد حاول الشاب أن يعشق " قمر " ويهجر امرأة الفراش ، لكنه مني بالفشل ، ووراء ذلك يكمن عنت الأهل وجناياتهم ، فالأم تصدر الأوامر إلى أفراد العائلة ، على شكل تقرير يمنع " قمر " من مغادرة المنزل ، ويحيط الحب بأسواره العالية : " تمنع بنات العائلة ، منذ الآن ، من الذهاب إلى المدارس ، أو إلى أي مكان آخر ، وينقلن إلى غرف لا نوافذ لها .. تطل على الطريق .. ويستمر هذا الحظر حتى إشعار آخر ! "
وهذا القرار بشكله المراسيمي البيروقراطي ، يراد له أن يعبر عن صوت المجتمع المحافظ الغاشم ، ولكن المحاولة لا تبدو مستساغة أو أصيلة ، فهذا المجتمع يقدم إلينا ساكناً ، لا يحيا بعلاقاته ، ولا تشمله حركة نمو القصة ، بل يتوضّع على شكل مقولة جاهزة للتناول والعرض ، أو فكرة في ذهن الكاتب ، أو نمط متكرر . وهو في كل ذلك لا يمتلك حياة ما ، ويعود البطل آخر الليل صاغراً إلى امرأة الفراش لاجترار مأساته وإحباطه الفردي .
وإن واقع الانسحاق الذي تعيشه الشخصيات ، يجعلها تنساق في درب الشذوذ ، فتنقاد بتسليم لا يعرف سوى الرضوخ .. وبطل قصة ( الله والزنابق والعبيد ) يفكر بهذه الطريقة : " وجودي مع هؤلاء حلم ، حلم رديء ، لن أقدر أن أشرب الدخان الذي يشربون ، إنه غال وجيد ، وكذلك فإنهم يحركون أعينهم بطريقة خاصة مترفة ، وأنوفهم ، إنها عالية جداً ، وبيني وبينها ألوف السنوات والساعات والدقائق ، ورزم غير قليلة من أوراق عليها صور نسر جبار ، وغير ذلك قطع كثيرة لها رنين مدهش ، إن ما بيني وبينهم أنني أدخن تبغاً رديئاً وأحتسي القهوة عندما تسنح الظروف ، ويدخنون تبغاً غالياً ويحتسون القهوة وقتما يريدون ، هذه الحقيقة بسيطة بالنسبة للبعض ، لكنها هائلة بالنسبة إليَّ . " " أما ترون عمق ما بيني وبينهم ، إنهم أغنياء ، أبناء أغنياء أما أنا ففقير .. فقير جداً . "
في هذه الحالة يبدو التاريخ شيئاً لا يثير الاهتمام إذا ما قورن بتاريخ أمثالــه من الناس ، " فمادته مصهورة من حوادث لا تمت إلينا بصلة " ، ومن ثم : " فمن أراد أن يقرأ تاريخ أمة ، فليقرأ أسارير وجه رجل من العامة ، إن من أراد أن يقرأ تاريخ أمتي فلينظر إليَّ ، جلدة أسفل جبيني تنكمش فيما بين العينين دائماً ، حتى عندما أضحك ، يعزون ذلك إلى طبيعتي ، ولا يعزونه إلى طبيعة الحوادث التي مرت بنا ، وعيناي دامعتان ، دوماً دامعتان ، يقول طبيب العيون : إنه قيح في كيس الدمع لا يرحم ! وأقول : إنها الفواجع التي لا ترحم ، الجوع الذي يضني المعدة . "
لقد عقد هذا الرجل صداقات مع أشياء يحبها ، المكتبة العامة ، طفل شحاذ جميل ، يذرع الطريق ذهاباً وإياباً ، لا يقف في مكان معين حتى لا يتهم بمزاولة الاستجداء ، الفتاة المعروضة في الواجهة الزجاجية .. لكنه ما يلبث أن يفقد اهتمامه بالكتب ، ويستفيق مذعوراً على حقيقة المهنة التي يرتزق منها الطفل ، المهنة الجديدة التي تدر من المال أكثر من التسول ، وحقيقة الفتاة المعروضة في الواجهة ، إذ لم تكن سوى مجرد زنبقة اصطناعية من الشمع الأصفر . وهذا ما يزيد في تعميق الفصام بين الرجل ومجتمعه ، حتى إن معاناة الآخر ، فتى الحانة ، هي الأخرى مشابهة . " قلت : ما مصابك ؟ قال : ذهبت أشتري امرأة ، إن من يدفع بالشيء ثمناً يشتريه ، أليس كذلك ؟ أحببت أن أتزوجها ، ودفعت فيها مبلغاً فأبى ذووها ، إنه من المؤسف أن لا يستطيع الرجل شراء امرأة بالثمن الذي يقدر أن يدفعه . "
وإزاء هذا الواقع ينقاد الرجل أخيراً لرغبة رفاقه الشباب الذين ينصحونه ببيع كتبه وكلبه ، ويعوضون عليه بوعد بامرأة جميلة تكون لذة مشتركة للجميع ، فيكتفي بأن يقنع نفسه بالتسويغ التالي : " لشد ما يؤسفني أن يضحي كل منا بأشياء تعز عليه في سبيل أن يعيش ، لقد سبقني الشحاذ الصغير فضحى .. وكانت تضحيته في الصميم . واليوم أضــحي أنا .. أضــحي بالأشياء التي أعبدها وأقدسها من أجل العيش ، يا للعيش !! "
إن هذه الرؤية التي يمثلها موقف البطل لا تحمل منطق الواقع ، فهي تنتهي إلى تكريس الضياع والهزيمة الإنسانية ، مادام الواقع بحسب نظرة الكاتب مغلق الأفق ، لا يبشر بحل أو خلاص ، حتى إن تصوير الأزمة أو جوهر المشكلة لا يتناسب مع المبالغات الشديدة والبعد المأساوي الذي أشاعه الكاتب في جو القصة ، فلم يستطع أن يمسك بالخيط الموضوعي فيما يخص العلاقة بين البطل وواقعه ، فالبطل فرد يمثل في القصة الصفاء والإنسانية والانسحاق مطلقاً ، أما المجتمع فهو الذي يمثل الفوضى والجشع وامتهان الكرامة الإنسانية ، بل هو الذي يقود أبطاله عنوة إلى السقوط والتردي في حمأة الرذائل .. وفي مثل هذه الحالة ثمة ما هو " أكثر من الشر " الذي يقترفونه بغير إرادة ، إنهم مدفوعون بمأساة أكبر ، فلا بأس بعدد آخر من المآسي مادام الواقع لا يرحم !.
في قصة ( أكثر من الشر ) يصور الكاتب تلك العزلة الاجتماعية المحيطة بأسرة انجرفت في تيار السقوط الأخلاقي .. فيحكي راوي القصة - وهو رب أسرة ومقعد - مأساته ، والشر الذي ينتظر الأبناء ، فيراه أكثر من الشر الذي تأتيه الزوجة إذ تبيع جسدها ، وتتكرر سيرتها على كل لسان : " إنها تذهب في الليل لوحدها " ويصرخ جار لهم بامرأته يمنعها من زيارتها ، ويقرر الزوج : " أعرف حقاً أننا كنا نزاول مهنة الشر ، ولكنني أعرف أيضاً أن هناك شيئاً أكثر كثيراً من هذا الشر . " . " يقول الجيران : إنه لا يعمل . يقولون عني أشياء كثيرة ، ولو أنني أملك زمام الأمر لفعلت شيئاً كثيراً من أجل أولادي .. ولكنني مريض ، مقعد ، لا أملك إلا أن أقول لها : اذهبي .. إن الأولاد يأكلون كثيراً هذه الأيام !. وكانت تقف أمام المرآة تتزين .. تتزين لغيري ! لكل الناس الذين يستطيعون أن يدفعوا ثمن خبز الأولاد .. وكان الأولاد يقبلون على الخبز ، أما أنا فلقد كنت أغص .. أشعر أنني آكل الجسد الذي نبيعه على دفعات.."
في هذه القصة يعمق الكاتب الخط المأساوي لجناية المجتمع ، فيوجه الإدانة إليه عندما سلب العائلة حقها بالعيش أولاً ، وعندما نقم على سلوكها المختار في العيش ثانياً . لكن ، في الحالتين ، لم يقدم الكاتب معالجة موضوعية لهذا الواقع ، بل آثر أن يظهر جناياته وآلامه عبر البكاء والدموع والنشيج ، ومن خلال العرض المأساوي الرومانسي الحزين ، فلا يمضي في النهاية إلى تقرير أكثر من أنه ليست الوسيلة بذات شأن عندما تكون الغاية نبيلة .
وإن الدافع إلى السقوط يبدو متمكناً من شخصيات الكاتب إلى حد يظهرهم دمى في أيدي الظروف تفعل بهم ما تشاء . بل إنهم يدافعون عن مواقفهم وما آل إليه واقعهم . إن الطفل الذي يبيع جسده بدفع من الأب يبدو شيئاً مخيباً إذا ما قيس بفتاة في عمره . يقول الوالد : " لو كان هذا الصغير صبية جميلة .. مكتملة ، لأكلنا خبزاً ولحماً وفاكهة ، وللبسنا شيئاً يستر أبداننا ، على الأقل كنا نرتفع في نظر الناس لأن لنا صبية جميلة . لو كان هذا الطفل صبية لما تكلمت قط . " وفتاة الملهى في قصة ( في عمر الورد ) تتابع سيرتها الداعرة ، وتود لو تخرج من سلسلة هذا الشقاء المتواصل عبر أمل يتخايل في فتى أشقر بات الأمل والنجوى ، لكن يبدو أنه لا يريد أكثر من الجسد . فتعود لتدور في حلقة من البؤس والعوز والأماني المضيعة . لقد مضى قطار الزواج إلى غير رجعة ، ولم يعد ثمة أمل في شيء ، أو فعل شيء ، سوى أن تعود في آخر الليل إلى البيت وفي يدها خمس ليرات ، وبين عينيها أب عجوز ودمعة ، ودمعتان ، وأخ مريض .. أما الفلاح الذي منى نفسه طويلاً بالشام ، تلك الأرض التي لا يموت فيها الإنسان ، فها هو مع ابنته آمنة ، ضائع حائر ، وسط الشام الكبيرة ، تندفع الدموع إلى عينيه ، وتتسلل الرهبة إلى الصغيرة أيضاً ، فيطوف المخلوقان في الشوارع الطويلة الواسعة ، يبحث الوالد عن عمل ، لكنه يصطدم بالتنكر والتجاهل ، ويدرك " أن الشام الهائلة التي تبتلع مثل ذلك العدد من الناس ، لا تهتم إلا بنفسها ، ويدرك أن عينيها قد تنام عن رجل وطفلة ، جاءاها لاجئين من قرية بعيدة ، وأن بوسعها أن تنساهما بسهولة . " وهكذا يجد القروي نفسه قد انتهى إلى التيه والضياع ، فلا يملك إلا أن ينقاد أخيراً وسط الدهشة التي عقدت لسانه وراء سيدة شامية رأت في الطفلة ضالتها ، فيترك ابنته خادمة في منزلها ، ويعود إلى القرية بمبلغ من المال . وعندما غادر منزل السيدة " كان ما يزال يسمع صراخ ابنته الحاد ، لماذا تبكي ، لماذا تناديه ؟ إنها ستأكل ، ستشرب ، ستبقى في الشام ، ولكن هل لقيت أمونة الأرض التي لا يموت فيها الإنسان حقًّا ؟ "
ويعتمد الكاتب في هذه القصة على إبراز جو المفارقة بين الحلم والواقع ، بين رغبة الأب أن يعيش حياة أفضل بعد أن ترك أرضه ، وبين النهاية التي انتهت إليها ابنته خادمة في بيوت الأغنياء ، والخيبة التي مني بها في تحصيل مورد رزقه ، أو حتى في العثور على صديقه ( أبو هاني الشامي ) ، وخلال جولته الخائبة يشرع في عقد مقارنات ما بين قريته الوادعة الأليفة البسيطة وهذه المدينة الكبيرة القاسية ، عبر لون من السخرية المرة ، يحمل ذهنية الكاتب المسقطة ، أكثر مما يعبر عن شخصية القروي البسيط .
وهكذا فإن المدينة بعالمها الكبير ، بتسلطها وقسوتها ، تقف في وجه البسطاء المحرومين ، فتحيطهم بجو من العزلة ، وتهزأ بمآسيهم الصغيرة ، بل إن هذا التنكر الظالم يصل في قصة ( أمسيات باهتة أحياناً ) إلى حد تجاهل حشد من الناس في باص ركوب عام ، لآلام رجل بائس وزوجته ، يخالفان أنظمة الركوب ، فيقف السائق احتجاجاً ، لكن المرأة تبكي ، ويمتنع الرجل عن النزول ، ويجهش باكياً هو الآخر ، فيتذمر الركاب ، ويعرب راوي القصة الشاب عن أسفه لتأخره عن موعد غرام ضربه لمحبوبته ، فيما يلفت نظر الجميع طفل بين يدي المرأة ، ملفع برداء أبيض ، ينكشف فجأة عن وجه أصفر وقسمات ساكنة سكوناً مخيفاً وعينين مغمضتين . لقد اكتشف الركاب بذهول أن ما تحمله المرأة إنما هو طفل ميت . لكن قسوة المفارقة تمضي إلى نهايتها : " قالت المرأة للرجل بصوت مبحوح : سنذهب على أقدامنا ، وانهارت مقاومته فجأة ، ودونما أية كلمة ، لحق بها ، وكانت قدما الطفل تتأرجحان إلى جانبها ، كأنهما قدمـــــا مشنوق صغير . " وقد تفتقر هذه الصورة إلى ملامح واقعية محلية ، بما يكتنفها من جو الغربة والصمت والتجاهل .. لكن الكاتب يتجاوز الواقع المألوف ، ويخرج إلى واقع آخر يصوغه في خياله ليستفيد من دلالاته ويوجهه ( ذهنيًّا ) حيث يشاء . وقد حاول أن ينبه الناس من رقدتهم ، ومن انشغالهم بمشكلاتهم المعيشية ، واستغراقهم في ذواتهم ، إلى ما هنالك من هموم ومتاعب إنسانية أخرى ، تبدو أشد إثارة وأدعى للاهتمام . كما عمد إلى إبراز المفارقة بين وضعية الراوي الشاب الذاهب إلى موعد غرام ، يحاول أن يسرع ما أمكنه ذلك ، مشدوداً بطيف السعادة المنتظرة ، وبين فجيعة المرأة والرجل بطفلهما الميت ، وكيف أن الإنسان إذ يسعى إلى حب ، إنما يتجاهل في الوقت نفسه كل الآلام البشرية ، ويحاول أن يعرض عن مجرد التفكير فيها . لكن موقف الشاب ما يلبث أن يتغير فجأة ، فيسوقه الكاتب في طريق الشعور بالإثم والندم ، إذ يجد نفسه يصرخ دون إرادة : " يا إلهي ! ما بال هذا الطفل لا تتحرك عيناه ؟ وشعرت بالخوف ، وبأنني تافه ، وبأن الموعد لا يستأهل كل ذلك الحرص .. قلت في نفسي : ماذا يهم ؟ لتقل الصبية إنني أتأخر ، دائماً . " لكننا لا ندري ما الذي فعله الشاب في الوقت الذي رأينا فيه المرأة وزوجها يغادران الباص صاغرين مجللين بأحزانهما .
وهكذا يظهر الاستلاب علامة مميزة في شخصيات عادل أبو شنب ، ولعل الموقع القلق لشخصياته في بنية العلاقات الاجتماعية أساس هذا الوضع المستلب . لكن التركيز على الأزمة يسلط الضوء على عنصر البشاعة فيها ، ومدى إثارتها الشفقة والأحزان ، ولا يقدم أفق تجاوزها أو رفضها ، وهذا الأسلوب في عرض الحدث القصصي يعنى كما هو واضح بتوصيف واقع الحال وتضخيمه ، ويقف عند هذه الوظيفة ، ولا يطمح إلى ما هو أبعد في التناول الدلالي ، وعلى مستوى الرؤية والإثارة الفنية . إن إسماعيل في قصـــة ( الفجر السادس يطل ) يتمزق من جراء شعور بالذنب ، إن ضميره يدينه ، فيحس بالإثم ، فهل هو آثم حقًّا ؟ .. إن العمل حق له ، لكنه عندما ينال هذا الحق يجد نفسه قد انتزعه من نصيب إنسان آخر . عندما جاء إلى الجريدة عاملاً رحب به صديقه ( أحمد صبرة ) وفتح له ذراعيه ، وتعاونا معاً كأخوين ، فتوطدت العلاقة بينهما .. لكن أين أحمد صبرة الآن ؟ بالأمس غادر الجريدة ، " وقد أعطى الطاولة العتيقة التي قاسمته السهر الطويل نظرة مليئة بالدمع " لقد طرد من عمله عندما لاح منه تقصير في العمل " لعله أراد أن يستريح قليلاً بعد هذه الحقبة الطويلة التي أمضاها يحرر الجريدة من ألفها إلى يائها وحده . " يتذكر إسماعيل قول أحمد : " شغل الصحافة قرف في قرف ، واللقمة مغمسة بالدم " وعندما يلامس التجربة بمفرده يدرك ما عناه أحمد سابقاً ، ويقول : " شغل الجرائد شقاء بشقاء ، الواحد لا يعرف نظاماً لعمله ، يتعشى الفجر ، وينام مع طلوع الشمس .. " لكن ما وضع أحمد في أزمته الجديدة ؟ إنه يفكر في مشكلة صديقه ، ويتعقبه هذا التداعي المؤلم مساءً في المطعم مع عامل المطبعــــة : " الحقيقة أنا مستوحش لأحمد صبرة ، خمسة أيام ولا نسمع له حسًّا . أريد أن أطمئن عليه من ناحية العمل ، هذا وراءه عائلة .. أمه وثلاث أخوات صبايا .. أنا لا أعرف بيته .. ولو كنت أعرف ل .. ولم يتم إسماعيل الجملة ، فلقد جاءته موجة عاتية من البكاء ، كانت قد لازمت حنجرته زمناً طويلاً ، وبكى .. ولم يقطع الآخر القميء عليه بكاءه ، كما أنه لم يقطع على نفسه الاستمرار في تناول طعامه " ، وعندما يغادران المطعم آخر الليل ينتهي الموقف بالحزن والانكفاء والدموع ليس إلا .. " وقاما .. وكان الفجر قد تسلل ضوؤه ، فغرقت المدينة في غبش رطب ، يرضي العيون التعبانة ، ومشى إسماعيل وحده ، كتفه ملتصقة بالحائط ، ورأسه مائلة إلى صدره ، وعيناه مليئتان بالدموع ، إنه يحتقر نفسه ، ويخجل من موقفه .. فهذا هو الفجر السادس يطل ، وأحمد صبرة ما يزال .. بدون عمل . "
ولا بد من الإشارة إلى أن البكاء في مثل هذا الموقف ، ومواقف أخرى لشخصيات الكاتب ، ليس أكثر من تصعيد درامي للحدث ، يوسع دائرة الحزن ، فيتبدد التأثير الكامن في طبيعة الأزمة المدروسة ، عن طريق المبالغة في تعتيم الإمكانات المفترضة ، وافتعال الأسى الزائد .
وقد طغت على جميع قصصه بلا استثناء مفردات التصعيد الدرامي ، من بكاء ونحيب ونشيج وأنين وشهيق وبكاء مكتوم وبكاء بصوت مسموع وبكاء مزمن وابتسام بتعاسة أو بمرارة أو بتثاقل ، كشكل من أشكال البكاء . أما الشخصيات فظهرت عموماً بعيون حمراء أو مبللة أو رطبة أو بوجوه مخددة من أثر الدمع ، باهتة ، توشك في كل لحظة أن تنفجر بموجة عاتية قاهرة من البكاء .
وقد فقدت هذه الشخصيات تبعاً لذلك رواءها من خلال تشكلها في نماذج وأنماط متشابهة مكررة ، أو من خلال استسلامها للظروف الاجتماعية المحيطة بها ، أو للشقاء بمختلف صنوفه ، سواء في الكدح اليومي أو الحب أو السياسة . إنها شخصيات فقدت التلاؤم وواقع الحياة الجديدة ، ووقف بها الكاتب عند حدود هذا الانهيار والضياع ، أو إنه هدم فيها مشروع بناء العالم الصغير ، فلم يستطع لذلك أن يقدم رؤية متكاملة للواقع ، ولم يقدم أو يشر إلى البديل لهذا الواقع .
وهنا لا بد أن نلاحظ بداية ما أسميه باصطناع تجربة المرارة والحزن ، أو ما يشبه التغني بالآلام المحدقة بالشخصية الإنسانية ، على الطريقة الرومانسية ، ومن خلال التصاق شديد بالواقع وتفاصيله البائسة ، إضافة إلى الجهد الواضح في إخراج الشكل القصصي ، والاستفادة من صيغ التجريب الفني المختلفة ، كالتركيز على المدى الزمني للقصة ، واللحظة النفسية المأزومة ، وصور الجو ، وملاحقة دقائق الحدث ، وبعث الانطباعات المتشكلة ، وأسلوب التداعي الذهني ، واختيار اللازمة المناسبة للموضوع المعالج ، سواء في جملة معينة تتكرر في مواضيع عديدة ، أو في ملامح الجو القصصي . لكن الحوار بقي في حدوده الوقائعية ، لم يشمله قانون البناء الفني والتركيز الموضوعي ، فضلاً عن نمطيته وأحاديته وفقره ، لأنه يصدر على الأغلب عن ذهنية الكاتب ، وليس عن مقتضى الموقف الجوهري العام .
إن معالم التجربة القصصية لعادل أبو شنب تبدو مجسدة بقوة للحساسية الأدبية القصصية الجديدة في الستينات في سورية ، وقد شكلت تياراً خاصاً ، وانفتحت على نزعات الأدب الغربي الحديث في بعده الوجودي والعبثي واللامعقول ، حيث باتت أحاسيس الانطباع الشخصي للكاتب وميوله الذاتية وتجاربه المحددة تستأثر بالقسط الأوفر من الجانب الموضوعي المفترض في العمل الأدبي . وهذا ما أشار إليه عادل أبو شنب صراحة في قوله : " كل ما أكتبه أصدر به عن انفعال شخصي ، ثمة مشاعر أحسها في مواجهة أحداث الحياة ، فأكتبها على صورة قصص ، ولهذا فأنا لا أصدر عن فكرة معينة ، وكل ما أهتم به عند الكتابة هو أن أصطفي مما أشاهد وأحس ، الحوادث والحركات التي تخدم انطباعي ، وأبثها على الورق . "
وقد شكلت هذه الرؤية ابتعاداً عن الخط العام الذي التزمته رابطة الكتاب العرب ، في بيانها ومؤتمرها ، فالقيمة التي يعلقها الكاتب على الانطباع ضرورية بدون شك ، لكن الانطباعات هذه أظهرت مدى اضطراب الرؤية وتقلقلها ، بفقدانها زاوية محددة للنظر ، تكون أمينة لعلاقة صحيحة متكافئة ما بين الذات والموضوع ، ما بين الانطباع وحدود تأثيره وأثره ، وقد شكلت ميول الكاتب الفنية فارقاً أساسياً مع ما كان ينتجه أعضاء الرابطة الآخرون في القصة القصيرة ، بل ترافقت مع انسحابه من رابطة الكتاب العرب أواخر الخمسينات ، معلناً بشكل ضمني تبنيه أدب الموجة الجديدة وفكرها .



( 5 )

صور الطبيعة والإنسان
( فاتح المدرس )


يختتم سعيد حورانية تقديمه لمجموعة قصص فاتح المدرس ( عود النعنع ) بقوله : " لدى قراءة هذه القصص من جديد ، شعرت مرة أخرى أن أكثر من ربع قرن من الزمان الذي انصرم على كتابتها لم يزدها إلا فتوة ومعاصرة ، ذلك لأنها ذهبت بعيداً إلى الجوهري ، والحي والباقي في ضمير الإنسان " ، وهذا شأن كل إبداع حقيقي ، يتجسد لدى كل قراءة جديداً حاراً ، مكتنزاً بالدلالات ، منفتحاً على العالم الإنساني الرحب . فمن الضيق والمحلي ، من المحدود زماناً ومكاناً ، من الإنسان الصغير المنسي ، تبدأ مهمة البحث التشكيلي الذي يفضي عبر تراكم الوسائل الفنية إلى تجسيد العالم والصراع الإنساني في صور ، تظهر متميزة على نحو يتجلى بتعميق صوت خاص ومتفرد ، يغتني بفيض من الانطباعات الذاتية والانفعالية ، دون أن يعني ذلك مجانبة الأسس الفنية للتصوير الواقعي . ففي الوقت الذي تشكلت فيه قصص المجموعة الخمس من بنيان الرؤية الذاتية ، أو وجهة النظر الخصوصية ، نستطيع أن نلاحظ إلى أي مدى استطاع فاتح المدرس أن يدمج عناصر رؤيته في إطار من العلاقات الموضوعية ، وبقدر ما كان يتعمق في سبر انطباعاته وأحاسيسه المتكونة المنفعلة ، كان يزيد في تجسيم صورة عالمه الواقعي ، وإعطائه القوة الفاعلة المغيرة . ولقد ارتبطت مسألة الإضاءة الجديدة لعلاقات الواقع في قصصه ، بالقدرة على نقل الإحساس بالحياة في ألوانها وظلالها وجمالها ، ومن ثم في قهرها .. وهذا بذاته ما شكَّل أساس العلاقة كما يراها فاتح المدرس بين الطبيعة والإنسان .
هذه العلاقة – الرؤية ، تنطلق من نظرة شمولية إلى الكون ، فتركز على إبراز المفارقة الحادة بين جمال العالم والطبيعة ، وما بين قبح جناية الإنسان على الأرض . وتظهر جوانب إدراك العالم من هذه الزاوية وثيقة الصلة بالإيقاع العام والصوت الخاص ، وبالكشف المبتكر عن علاقة الإنسان بواقعه ، عبر رؤية تاريخية شاملة تتمثل في فهم الماضي والحاضر ، وتتجاوز حدودهما إلى الآتي ، . أما طبيعة المواقف من ظواهر الحياة المصورة ، فتنجلي عبر مختلف النبرات العاطفية وإسقاطاتها ، وإن الوسائل الإبداعية التي استخدمها فاتح المدرس ، بجوانبها التشكيلية ، تمتلك قيمتها بالنظر إلى أصالتها وعمق تعميماتها الفنية وأهميتها الاجتماعية . وربما تركزت قيمة هذه الوسائل بالدرجة الأولى في عمق الأساس الانفعالي للكاتب وحضوره الوثاب في دقائق الأحاسيس والعلاقات الإنسانية والمشهد الطبيعي ، إذ نراه يربط بين حب الأرض وعشق الجمال الطبيعي الذي تلتقطه عين مدربة ، وبين الإحساس بالظلم الإنساني وقسوة الاستعباد وجبروت الطبيعة . إن الطبيعة بكل عناصرها المكونة مصدر جمال وعطاء لا حدود له ، لكنها في الوقت ذاته أداة قتل ، وشريرة وغادرة وقاسية وجافة . وهي عندما تكون كذلك تصبح ذات مصدر بشري ، إن قسوة الطبيعة جزء من القسوة الاجتماعية ، وهذا التداخل في الحدود ما بين الطبيعة والإنسان ، جعل من قصص فاتح المدرس وحدة متكاملة متناغمة ، فالطبيعة تدخل في نسيج الحدث فاعلة ومنفعلة ، فلا تأخذ شكل الإطار التزييني ، أو شكل البعد الرومانسي ، ولا تلعب دور الخلفية في الحدث أو ما يسمى باللقطات المرافقة أو الجانبية ، بل هي الحدث ذاته ، منها يتكون ووفق تناغمها ينمو ويتحول ، لذا فالطبيعة تبدو في جميع صورها مؤنسنة ، بدءاً بقصة ( خيرو العوج ) حيث الأرض والجبل والنهر والأفق والطيور والصخور .. مجموعة مكونات تلتقي في حس الكاتب وتتشكل عبر موضوع الصراع الأزلي لإنسان هذه الأرض الواحد المتصل في الزمان والمكان . إنها أرض الشمال السوري وسهول حلب ، أرض حمراء قانية كأنها عجينة من التراب والدم المسفوح على السهول الشاسعة ، منذ عصور سحيقة .. فهذا الدرب إلى ضيعة " عين دقنة " يبدأ من " كفر أنطون " عبر الترابة القانية ، تراب أخذ من الدم لونه ، وتلك العمالقة الزرق من الجبال المتاخمة للحدود الشمالية السورية ، جبال تأخذ لون البنفسج كلما اقتربت من معالمها الشامخة ، جبال كأنها جدران لوحة خارقة البعد ، ذات شفق دائم رطب غارق في ضباب خفيف .. وإذ تنظر عبر المدى المترامي أمام عينيك ، فأنت تقرأ في كتاب أسطوري مصور ، هنا كانت ضيعة كبيرة فانطمست إثر حرب ما فأسست تلاًّ ، فانظر ما أكثر التلال تقوم وكأنها قباب فئران الأرض .. وإذا ما فحصت الأرض بقدميك كما تفعل الطيور البرية ، ظهرت لك النقود العربية التي وزعها بو عبية الجراح على جنوده قبل المعركة أو بعدها لا أدري . وتلك التي تبدو أكبر حجماً ربما كانت لجنود سلوقس ، والمتآكلة الحواشي ربما دفنها جماعة من المحاربين اليونان الذين رافقوا الاسكندر المقدوني ، فهذه السهول الحمراء كانت ملاعب لجبابرة التاريخ الدامي ، راح ضحيتها آلاف الفلاحين والفلاحات .. هنا سلبت مواشيهم ، وهنلك انتهكت أعراضهم ، وعلى هذه التلة أحرقت جثث الأعداء من الأهالي .. هذه المقابلات المعنوية التي تتشكل عبر الصورة الشاملة من الجمال والقبح والقوة والضعف والسلام والحر ب ، تتصل في الحاضر ، فتنشب في صدر ( أم خيرو ) معركة أشد ضراوة من حروب الأيام الخوالي ، فقد كان ( فائق آغا ) يصول ويجول في خاطرها ، ويفتك كالذئب بجثة على قارعة الطريق ، جثة ابنها ( خيرو ) وإن ابنها على الرغم من جنونه ، يحاول أن يطيب خاطر أمه بعينيه الفارغتين .. ويتصل واقع الغدر البشري في الحاضر فيمحو عطاء الطبيعة ، ويطمس معالم الخير فيها ، فيطحن الشر الخير ، ويمحو القبح كل جمال ، بصورة بشعة مريعة . لقد كانت قرية ( عين دقنة ) من أسعد قرى قائمقامية إعزاز ، وكان الأهالي يملكون أشباراً طرية من الأرض الكريمة يفلحونها ، ويأكل الصغار البطيخ والجبس والذرة الصفراء ، ويحوشون الجذور الحلوة من الأرض ، جذور الخاليوك والسلبين ، ويحكون حكاياتهم عن الخليفة عبد العزيز ، وينشدون أبياتاً للشاعر الحلبي ( سعدان ) وكان الناس يحجون إلى قبر أخي داوود عليه السلام ، المدفون في قرية (شملا ) وكانوا يرقصون كلما تكومت البيادر ، حتى إذا مات أحدهم حفروا له قبراً قرب الزيارة ، وربما عثروا على الكنوز التي دفنها ( شلمناصر ) ، أو يزورون ( تل أرفاد ) فيحدثهم سليمان مفتاح الخير عن أضمن الطرق لاستخراج الكنوز ، وكان القمر يدور دورته الذهبية فترمي الأرض وهي مغمضة العينين بالغلال ، ولكن فجأة يهبط عليهم فائق آغا ، يقتحم العامل البشري جمال الطبيعة وعطاءها ، يشتري الأفدنة من مئات الفلاحين الذين سجنتهم الحكومة أثناء الانتخابات .. وتنتهي المداهمة الغادرة يوم جاءهم " التراكتور " يقوده شوفير أرمني ماهر .. طار الدجاج ، وهربت الأبقار ، وانكمش الأطفال على صدور أمهاتهم ، ولم ينم خيرو تلك الليلة ، فهو أجير ، والأرض التي يفلحها أصبحت ملكاً للآغا ، لقد تشتت أهالي القرية ، وهاجر قسم منهم مدفوعاً بالعوز ، ولاقى خيرو العوج ضربة غادرة من وكيل الآغا بالمفتاح الإنكليزي ، أفقدته عقله ، فتبدأ القصة من لحظة خروج أم خيرو العجوز إلى البرية الواسعة وحيدة في الفجر البارد ، تفتش عن ولدها الهائم المجنون لتطعمه ، وفي عينيها غبش ومسحة من دمعة دائمة .. ويتكشف الحدث خلال مسيرتها وتداعياتها ، وتمر أمامنا صور هذا الترابط الكوني الذي يشد المظلوم إلى الأصول الرحيمة ، إلى الطبيعة والصفاء ، وتتوحد أم خيرو بالطبيعة ، فيأخذ وجهها شكلاً كالأرض المفلوحة ، وتتوحد بكائنات الطبيعة أيضاً ، فالقطا على جنبات الدرب لم يحرك ساكناً لدى ظهورها ، وكذلك الحجل لم يشأ أن يثب أمامها ، وسرب من الغربان كان ينتظر أولى شعاعات النهار بفارغ الصبر ، طار إيذاناً بقدومها ، ويبرز مزار ولي الله ( صدقة ) على يمين الدرب كأنه كومة عظيمة من الحجارة ، لولا بقايا قائمة من القبة . وودت الأم لو ترى ابنها نائماً عند الشيخ .. ونادت بحرقة ، وجاوبتها الوحشة والرهبة ، فخلعت على دمباكية الشيخ منديل الخبز ، غطت به المناديل الأخرى التي تعاورت الأمطار والرياح والثعالب على تمزيقها ، وعادت فهامت في الدرب تبحث ، ويبس الخبز في صدرها ، وخالطها ندم بشري .. إن ابنها لن يستطيع بالتأكيد بلع هذا العظام المشوي .. وأمام يأسها وحزنها الطاغي تبرز في ذهنها هذه الجملة : " سأدفنكم أحياء " قالها فائق آغا يوماً ، وإذاك يشط بها الخيال ، فتحس أنها ستسقط بعد لحظات في قبر عريض ، عرضه السماوات والأرض ، وأنها لا تدري ما إذا كانت حية أم ميتة ، وأن وجوه أهل الضيعة قد برزت فوق الأرض مستندة على ذقونها في هذه التربة المفلوحة تلقي ظلالها المستطيلة على المحاريث الصدئة ، ويتوحد المشهد التشكيلي ويختزل عندما تنفرط الوجوه دفعة واحدة لتعود وتجتمع في وجه واحد هو وجه خيرو العوج ، وتطرق العجوز برأسها في لحظة ضياع تام ، فتشبه رؤوس نبات دبابيس الحمام اليابسة من العام الفائت ، وقد تلونت بالضوء الوردي المعتم ، بالغضب القاتم العاجز المكتوم .. وتمضي الصورة التشكيلية إلى أبعاد أخرى ، فدبابيس الحمام راحات أطفال صغار ماتوا من الجدري ، فرؤوسهم مطمورة تحت التراب ، وأيديهم تثقب جلد الأرض ممتدة حمراء عليها ريش ناعم ، ممتدة نحو السماء فقط ، في حركة احتجاج صارخ وإدانة كبرى .. هذه الصور التعبيرية تستدعيها حالة الأم العجوز البائسة تبحث عن عزيز غاب ، من التراب ولونه تتشكل ، وإليه تعود .. وإن نهاية المطاف ستفضي إلى أعماق التاريخ ، فتعود سيرة القهر الإنساني في حركة دائرية .. وتصورت العجوز أنها لو استمرت تمشي لوصلت حتماً إلى تلة الرؤوس التي حصدها شلمانصر ، وكومها فوق تل أرفاد في قديم الزمان .. وعندما رأت ابنها متكوراً على شمالها بين عيدان الذرة المحصودة ، ركضت نحو الكومة وتهافتت عليه باكية بصمت ، وهالها ما لحق به من تطور سريع أطاح بملامح وجهه ، فقد انطمرت عيناه تحت حاجبيه ، وتورم جرح رأسه ، فاختلطت دماء جديدة بأخرى قديمة ، لقد عاد شيئاً من هذه الأرض ومن تاريخها .. إن العوج قد حشا عينيه بالتراب فهما تتقدان كالجمر .. وتأملت العجوز وجه ابنها ملياً فرأته أخذ يشبه وجوه الأصنام التي ينبشها الأنتيكجية من جوف الأرض . وإذ تعود به إلى القرية تنتهي سيرته في الأرض ، لكن من نقطة بداية أخرى .. يمتزج العوج بتراب الأرض بعد أن دارت أسنان التراكتور بثوبه وطوته تحتها ، فتمسَّك المجنون بحديدها ، وراح يقضمها بأسنانه ، بينما تعجن ساقيه عجناً وتخلط دمه بتراب أرض البطيخ .. فتكتمل الدورة هنا لتبدأ من جديد ، في زمن لا ينتهي ، إذ وضع الكاتب جوهر الصراع وطرفيه في المطلق ، من خلال علاقات متماسكة ، فجرها من أعماقها وعاد بها إلى أصولها الأولى .
إن صور الطبيعة بتنوعها في قصص فاتح المدرس تومض بكل نبضات الحدث ، وتغزل مصير الأبطال ، وفي نسيج الجو القصصي التعبيري تضاء اللحظة الهامة بشتى الرؤى والأصوات والحركات ، فيقدم المشهد في ثناياه إيحاءً بالمأساة المتربصة بالكائن البشري . فتبدأ قصة ( عود النعنع ) برسم إطار عام للمكان والزمان ، تكتنفه معالم القسوة والوحشة .. فأمامنا كانت الغمامة الرقيقة قد اكتملت فوق نهر ( كيليكيا ) المتسرب من أقصى الشمال السوري ، والظهيرة تسير حرًّا لاغباً فوق تلال ( حربة ) و ( دير شكين ) ومن الجانب الغربي للنهر برزت قرية ( داكرمان ) كأنها عشر حجرات سوداء مبعثرة فوق ( تل بركة ) ، والدرب إلى النهر يبدو وعراً ومقشوراً كأنه جلد ضب تحت مجهر . من هذا التحديد المغرق في خصوصيته ومحليته ، الناطق باسم أماكن محددة في جغرافية الشمال السوري يتمحور الحدث بالتالي حول النهر – كنموذج للطبيعة – فيغدو منطلقه الأساسي ، إذ نـــراه أخيــراً يقنــص الطفلة ( عالو ) . يفصل الكاتب في صورته على نحو مشبع بالدلالات والغموض الآسر .. فهذا النهر الوديع ، المتواضع ، كان كعادته نائماً ، وقد أغمض عيونه الكثيرة تحت غلالات من عيدان القصب وأشرطة الصفصاف الحزين ، وقد مدَّ جسده الطويل تحت ظلالها الزرقاء الممتعة ، بعيداً عن عين الشمس اليقظى بلا رحمة ، متوهجة على كل حصاة نيرانها ، تتغلغل بين أيكات الخرنوب وأشواك الكرنج ، إن ( قويق ) الجميل يتنفس في الشمال ، كأنه نهر حي ، وعلى ضفافه ألف قطيع في مراعيه .
هكذا يبدو النهر أنموذجاً للحياة والحس والجمال ، وهذا وجه من وجوهه ، يظهر به وقد أغمض عيونه الكثيرة كعادته ، والعادة هنا أصل في الطبيعة . وهو وديع ، متواضع ، يعيش ساكناً مستسلماً للجمال من حوله ، لكن الشمس ، قطب الصراع ، بوصفها رمزاً ، تبدو ذات عين وحيدة يقظى بلا رحمة ، متوهجة ، قاتلة . وعلى الدرب إلى النهر تسير عالو ، وهي تحجب وهج الشمس بكفيها ، غير عابئة بالأخطار الكامنة في شقوق الأرض بين الصخور السوداء .. وكانت تتحاشى السير على الحصى الذي انقلب إلى جمرات تلدغ قدميها الصغيرتين المتربتين .. ليتها لبست صندل أمها ، إذن لسارت وكأنها تمشي على أرض معشبة .. وتصورت كيف كانت تذهب إلى النهر مع والدها الذي أرسله الآغا إلى مخفر العسكر ، ولم يعد حتى الآن .. وتحذير أمها لها : ستموتين إذا وقفت في عين الشمس ، عودي إليَّ بعد أن تعطيك زوجة الآغا حبة الكينا . وتسترجع الفتاة صورة أمها ، فتبرز لها من وراء الجدار متمددة على الأرض ، مريضة معصوبة الجبين بمنديل ، لقد طردت زوجة الآغا الفتاة الصغيرة ، ومنعت عنها حبة الكينين ، وسخر منها وكيل الآغا ، وشرطي يجلس على حافة العتبة يأكل لحماً لم يطعمها منه ، وكلب يكسر العظام بأسنانه .. " خذي عوداً من النعناع إلى أمك أيتها العمياء " هذا ما أمر به الآغا ، " ولا يوجد عندنا طوقتور يوزع الكينا " هذا ما قاله الوكيل .. وتخرج عالو باكية متعثرة ، تمر هذه الأفكار والصور كشريط متصل في ذهنها ، بينما يمر سرب من الجعران الأخضر فوق رأسها ، فتبعثر شمله بالعود الذي في يدها .. وفي مسيرتها نحو النهر تستسلم لصبواتها الصغيرة وأفراحها ، تنتشلها أحلام الطفولة وبراءتها لحظات ، ثم ما تلبث أن تعود فتشعر بعدوانية الطبيعة ووحشة السكون من حولها ، ويتجاوب من بعيد نداء بقرة " عا... وو " فتقلد النداء لتطرد الفزع .. وتكتمل صورة الوحشة في نفسها ، فقد ارتفع الأفق الشرقي كأنه جدار قدَّ من زجاج رمادي رجراج .. كان النهر بعيداً ، وأمها مريضة ، والأرض حمراء كالتنور ، فهبط قلبها غمًّا وعطشاً ، فجلست دفعة واحدة على الأرض ، وراحت تبكي معولة .. وتنهض تتابع السير ، وحين تقترب من النهر تهب ريح رقيقة على وجهها الملتهب فتنتشي وتغني أغنية كردية قديمة ، يغنيها الأطفال الجياع . فيرسم الكاتب عبر هذا التدرج في شعورها وتفاعلها مع العالم المحيط بعداً فنياً يظهر مقدرة الإنسان على مقاومة شرط الحرمان والفقر ، فيتغلب الفرح في شكل طفولة ماتعة ، وكون الأغنية التي ترددها عالو أغنية جياع ، فهي تتغنى بطعام رخيص هو البرغل والكوسا وهذا يشير إلى حجم الجوع الذي عمَّ المنطقة منذ زمن بعيد ، فأصبح له تراث ، ودخل الموروث الشعبي عبر أغنيات تجري على ألسنة الأطفال .
عندما انحدرت عالو إلى النهر انعطف الحدث القصصي في وجهة أخرى ، فغدا الإيقاع المعبر عن النهاية على شكل معادلات موضوعية ، قدم فاتح المدرس صورها على النحو التالي : تطايرت أسراب الفراش الأحمر ، وهومت في خفقات نزقة حول قدميها ، وفوق أعواد السلال الشائكة ، وظهرت مجموعة من النسوة على النهر يغسلن ويغتسلن حول قدر يتصاعد من جوانبها الدخان . قلن لها : هل على النهر رجال يا بنية ؟ إلا أن عالو اختفت وراء شجرة صفصاف ولم تجب ، وانحدرت في التربة الرطبة للنهر .. وهرولت نحوها امرأة مجدورة منكوشة الشعر ، متهدلة الثديين ، تقفز فوق الشوك ، وأمسكت بكتفها وهزتها صارخة :
- لماذا جئت إلى هنا أيتها الشيطانة .. ألا تدرين أن الكولة عميقة ؟ .. هل تودين أن تلحقي بأبيك ؟
وصاحت امرأة أخرى تنشر غسيلها على الشوك :
- عالو يا بنتي عمَّ تفتشين ؟ ستقتلك الشمس إذا وقفت في عينها .
فقالت عالو بصوت خفيض ذهب مع هدير النهر :
- أريد نعنعاً ، عود نعناع لأمي ، هي مريضة .
ورأت عالو بعد قليل من فرجة بين القصب على الضفة الشرقية جماعة من الصبية يلعبون في الماء .. في حالة تماثل مع مجموعة النسوة ، وكرد حاسم أيضاً على سؤالهن : هل على النهر رجال ؟
وتقدمت عالو بحذر نحو الضفة ، وقد سقطت أبصارها على حزمة مزهرة من عيدان النعنع ، واختفت بين عيدان القصب والصفصاف .. فتعاظم تواتر الحدث مع تعاظم هدير النهر ، واشتد عدوان الطبيعة عندما كثرت الضفادع الخضراء حولها ، ترمقها بعيون صفراء كبيرة مستطيلة ، كل ضفدعة بحجم الفولة المقشورة ، مقشورة وملساء .. وتحاول عالو عقد صداقة مع ضفدعة صغيرة ، وتغني لها ، وتقبلها بحنان ، لكن الضفدعة سرعان ما تقفز إلى النهر .. وساد السكون على عالم الصغيرة ، وراعها أن تكون حقاً وحيدة ، إذ إن الأصوات خفتت من حولها ، وازدحم في مسامعها الطنين من جديد ، وارتعش القصب فخفق قلبها ، وتذكرت عود النعنع الذي سيكون دواءً شافياً لأمها ، فانتخبت بعينيها أكثر العيدان زهراً ، وكان الماء لا يزال يرمق عالو بعين واحدة كبيرة . إنها الصورة المغايرة للنهر ، وإنها لحظة القتل ، لحظة العدوان الاجتماعي مجسدة بالنهر ، حيث يشح العطاء فيصل إلى ( عود نعنع ) رخيص مبذول في الطبيعة بلا ثمن ، لكن التضحية تعظم فتغدو ثمناً فادحاً ، مرًّا وقاسياً ، قيقرر الكاتب نهاية عالو في عبارة تحمل بساطة الفعل ورد الفعل : .. فمدت يدها وشدت إليها العود ، فانزلقت عالو .
في رأسها الصغير دارت عجلة الزمن خاطفة .. ارتفع نداء مكتوم من طيات الماء على شكل فقاعات ، وصرخت في غمرة رعبها " آو .. " ونادت .. أمي .. فقالت لها أمها : هات يدك ياعالو ، يا حبيبتي ، ونفذ بسرعة البرق أبوها " مسلم " خلال الغمامة الرقيقة ، فرأت وجهه يقترب ويختلط بوجه أمها ، وتحول قصب الشاطئ إلى ألف يد .. وبرز وجه الآغا مكشراً ، كوجه الكلب الذي يكسر العظام .. وقبض على صدرها فمزقه بأنيابه ، واحتواها شلال عظيم مظلم ، أحرق عينيها وعنقها وصدرها ، ومزقه ، وشعرت بأنها تغوص بسرعة لينة نحو قاع عين كبيرة ، وتذكرت عين الشمس ، وفار صدرها كالمرجل ، وإنه سينفجر سينف .. ج .. ر .. ويطوف على الماء شعر أشقر ، ثم نقاط حمراء ، هي نقاط على ثوبها الأبيض ، تذكرنا بسرب الفراشات الحمراء حين اقتربت من النهر .. ويقول الراعي الذي انتشلها من الماء إنه وجد في يدها عوداً من النعنع .
وإذا كان قطب النهاية المتمثل بالطبيعة كأداة قتل ، فإن قطب البداية كان الشر بأدواته البشرية : الآغا وزوجة الوكيل ، والحكومة التي تحمي النظام الإقطاعي . أما المرتسمات البائسة لهذا الكيان ، فامرأة مريضة وحيدة تذوي في ركن مهجور وراء جدار ، وأب غاب ولن يعود ، وطفلة تحاول الرد على الظلم ، فتنتهي إلى ظلم أقسى . إن كل معالم صفاء الطبيعة وانسجامها مع أحلام عالو الصغيرة ، أشياء من صلب جمال العالم ، والنهاية الظالمة – وإن كانت من جراء عامل طبيعي – دليل على قبح الإنسان وجناياته البشعة وفساد العلاقات الاجتماعية .
في قصة ( النهر ) توقع الطبيعة أيضاً بالطفل " عليوي " ، وكان أقنع رفيقه " خلف " بالسباحة في النهر إلى حلب ، والعودة بأخته التي خطفها الأفندية : " بالله تانروح نجيبها من الخنازير الحضر أكالين الكعك . . " ويغرق عليوي في نهر الفرات ، بينما ينقذ ركاب قارب الطفل الآخر ، فيعود وحيداً إلى القرية بثياب رفيقه ، صامتاً مطرقاً يفكر .
ويعرض الكاتب لبراءة الطفلين ، وإحساسهما العفوي بجمال العالم المحيط ، فتظهر العلاقات المتسلطة من خلال مفارقات عديدة ، وعبر حوار بسيط دارج ، يشكل جزءاً لا يتجزأ من صورة الجو وخصوصيته . ويعود النهر ليلعب دور الوسيط الطبيعي لظلم الإنسان وقهره ، فيظهر القدر عارياً من مفهوماته الغيبية في لحظات تكون الإشارة فيها واضحة إلى طبيعة الصراع ، إلى حقيقته وخط سيره وما ينتهي إليه من مآس مدمرة .
وهذا الصراع له صفة الشمول وشكل النمذجة الحية في صور ، أو التشكيل التعبيري الحار الأخاذ الذي يستمد حرارته من تركيزه على إبراز الطابع المحلي الخاص ، بما يحتويه من تاريخ وتقاليد شعبية وأماكن وشخوص وألقاب ، وما يدور في إطاره من أحداث . وهكذا فإن موضوع الريف وإنسانه المسحوق الفقير المستعبد ، غدا معرضاً ملائماً للبحث في دقائق هذا الصراع ، نظراً لعلاقته المباشرة بالطبيعة وتاريخ الكدح الإنساني على هذه الأرض .
وإنه لبحث عميق في أصول الأشياء عن عدالة مفتقدة ومعنى للوجود البشري ، فأي مصير يجنيه الإنسان ؟ وأي خير يحصله على الأرض الواسعة الجميلة السخية بلا حدود ؟ إن مأساة ما .. وشيكة الوقوع ، تشوه معالم هذا الجمال. ففي قصة ( الغرّاف ) ترتسم الطبيعة بظلال تعبيرية مأساوية ، فتظهر عبر اللون النفسي الخاص ، وضمن تشكيل ناطق بالدلالات العديدة الغنية : " كرت صور ريف المنطقة الشرقية الشاسعة أمام عيوننا ، فرأينا أجمل سماء .. سماء ساكنة فوق قبر واسع نبتت فيه الأحزان عاماً في إثر عام ، ثم عادت فاندفعت فيه من جديد .. " في هذه القصة يمهد الراوي للحدث ، فيحكي عن جلسة كئيبة في مقهى شعبي بحلب ، مع صديقه المعلم شهاب ، يعلم منه قصة الرسالة التي بعثت بها شقيقته تطلب إليه أن يوافيها بمبلغ ليرة واحدة مع طوابع " عرضحال " لدخول المشفى ، ويفيد المعلم شهاب أن زوج أخته قد قضى منذ أشهر غرقاً في غرّاف البستان ، وتعذر إيجاد قبر له ، فدفن تحت المزبلة ، ولم تتلق زوجه أي تعويض من المختار صاحب البستان الذي تعمل العائلة فيه . وإذ يطلب شهاب المساعدة في إنقاذ أخته المصابة بمرض الصدر ، يبدي الراوي اهتمامه ، وسرعان ما يرافقه إلى القرية لزيارة الأخت المريضة ، وخلال الطريق التي بدت طويلة مملة ، تتخايل في ذهن الراوي تداعيات محمومة تتماثل مع الحدث ، عن مصائر القطعان البشرية ، فثمة زهرة من زهرات الغضب بدأت تتفتح ، زهرة جهنمية التصميم جميلة كبناء فيلا ، يسكنها زنبور ذهبي مخطط بالأصفر السام والأسود الرسمي ، وإن أوراق هذه الزهرة من قصاصات شفرات جيليت ، وعبيرها رائحة جنسية قذرة ، ومن خلال هذا المنطلق التعبيري يبدأ الكاتب في تصوير معالم المحيط الطبيعي المفعم بالشقاء والحزن والفاجعة : ألوان تشرين تعصر قلبي ، فأشم رائحة احتراق قش البراري ، والأفق الشمالي عابس الجبين ، والغربي مجروح الخد ، وعلى الهضبات الجنوبية تطير أسراب من الغربان والبط البري ، وبدت لي المدينة كأنها معزوفة منشورة كثوب على أرض معركة مهجورة . وإذ يصل الصديقان إلى القرية في الطرف الشمالي من بلدة الباب ، تزداد الظلال التعبيرية كثافة ، فيبدو كل شيء ميتاً ساكناً معتماً في بستان مهجور ( يذكر بأرض المعركة المهجورة ) " .. أضأت قداحتي كي لا نعثر ، فمزق السكون من أقصى البستان كلب رخيم الصوت جائعه ، وتململت فوق شجيرات الرمان عصافير الدوري ، ثم عاد فشرط حرير الصمت صوت فولاذي لبومة تبادي " غريب ، غريب " . وكانت أشجار الجوز الغائبة في كحل السماء ترسم شبكة جوية وقعت في شراكها مجموعة نجوم بنات نعش ، وقبضة أخرى من الأضواء السماوية المجهولة ، وفوق أصابع شجرات التين حطت نجمات تشع وتنطفئ .. " ، يدخل شهاب والراوي غرفة عائشة ، وعلى ضوء مصباح يجدان جسد الأخت مسجى في الفراش بلا حراك ، وطفلتها الصغيرة بجانبها تعاينهما بنظرة وحيدة ، " .. أدركنا أننا وصلنا بعد أن حملت تلك الرياح نسمة من هذا المكان . " ويوظف الكاتب هنا الطريقة التمثيلية ليضيء لحظات هامة من الحدث القصصي : سمعت شهاب ينتحب بعد أن أخذ يضرب الأرض بقبضة يده ..
- أختي كالثلج ، يدها باردة .
- لعلها الحمى أو .. اكشف عن وجهها .
- لا أجرؤ ، أخشى أن ..
واستدرت نحو الطفلة وقلت لها :
- كيف حال ماما ياحبوبة ؟ أين لعبتك ؟
فلم تتكلم ، ثم درجت نحو الكوة ، فأخرجت أنبوبة حبوب .. وألقت بها على الفراش . مد شهاب يده ببطء وكشف عن وجه أخته ، لقد كان وجهها ناعم التقاطيع كأنه يغني أغنية صفراء غريبة المعاني ، أو أنه وجه نائم نصف نوم ، وقد عصبت وجهها بمنديل صلاة أبيض قبل أن تنام .
- إنها ميتة من زمان .
واستدار نحوي بوجه عنفه الحزن ، وقال باسطاً كفه :
- ماذا كان سيتم بجثتها يا ترى لو لم نحضر اليوم ؟
وأردف :
- البستان ملآن بالكلاب والهررة ، كانوا أكلوها .
ثم قال كمن يحدث متهماً جميع البشر :
- ستأكلها الكلاب ، ستأكلنا الكلاب جميعاً يوماً ما .
ويتشكل العالم المحيط ( صورة الطبيعة ) من وقع الفاجعة المؤلم ، على نحو يعمم الحدث وينهض بدلالاته ، إذ يغدو السكون – كمعادل للموت – رمزاً للغدر الوحشي والتشفي ، ويعلق الراوي : " وأرسلت بصري عبر البستان الكئيب ، لقد كان العالم مهلهلاً ، وارتطم بصري بالغراف ، وبدا لي أن السكون مادة " . ويعثر شهاب على ورقة ، قال إنه وجدها مطوية تحت الوسادة ، عرف أنها عرضحال والتماس لدخول مستشفى الدولة ، غير أنه ينقصها الختم والتوقيع والطابع .. ورقة لم يوقع عليها المختار .
إن صوغ الفاجعة عبر هذا البناء الفني المتماسك ، يعزز قيمة الرؤية الشاملة لجوهر الصراع ، بوجهيه الاجتماعي والإنساني ، القائم في المجتمع الريفي في الشمال السوري أواسط القرن العشرين كما يقدمها فاتح المدرس . إن منطق الموت والمأساة في ظل النظام الإقطاعي يتجاوز اليومي المحلي ليصبح الرمز للمقاومة ضد عذابات الإنسان وضد مسببيها . وتصل الإدانة ( إنسانياً ) إلى أوجها ، عندما تبقى الطفلة في نهاية القصة الشاهد الوحيد على موت أمها التي تحوم حول جثتها الكلاب .
ولعل الموت يكون أشد ما يعبر به أبطال فاتح المدرس عن رفضهم وإدانتهم شرط وجودهم المستلب ، إن موتهم لا يعني الهزيمة ، بل إنه عندما يحدث يمتلك مقومات الانبعاث ، عبر ما يثيره من دلالات وإشارات ترى المستقبل بعين واثقة ، وتفضي إلى التغيير ، إن عالو تغرق وفي يدها عود نعنع ، وخيرو العوج تبتلعه أسنان الجرار وهو يهاجمه بحجر في يده ، وامرأة الغراف تموت بعد أن تبعث برسالة إلى أخيها شهاب ، كاستغاثة أخيرة ، وطفل ( النهر ) يغرق في محاولة استعادة أخته التي خطفها الأفندية .
وإذا كان هذا الموت ، كما قدمته القصص ، يبدو رخيصاً ، تافهاً ومفجعاً ، عندما يشير إلى جبروت الطبيعة بأشكال متعددة ، فإنه يتجاوز حدوده تلك ليشير في بعده الآخر ، الكامن خلف الأشكال الظاهرية ، إلى آلية العلاقات غير المتكافئة ، وإلى هذا الكبح الاجتماعي القاسي لأي تغيير يتلامح في بنية هذه العلاقات .
وربما وجدنا الحياة الإنسانية في ظل هذه العلاقات أشد مرارة من الموت نفسه ، عندما تطغى لتستهلك الإنسان جسداً وروحاً ، وترمي به وحيداً في قلب هوة من العجز والضياع . في قصة ( رشو آغا ) ينقاد الفلاح الكردي العجوز رشو ، إلى هذا المصير المؤلم بعد ثلاثين عاماً قضاها في خدمة المرابي أبي عمر ، لقاء إيفاء مبلغ مائتي ليرة سورية كان قد استدانها منه ، وكلما طمس رشو جزءاً من الدين ، ازداد في اليوم التالي بفعل حسابات الفائدة المتصاعدة التي يفرضها المرابي عليه . يجول رشو في القرى على حماره يبيع بضاعة أبي عمر ، وترصد القصة لحظات عودته من إحدى جولاته الطويلة ، ذاهباً للقاء المرابي وتسليمه الغلة ، فيؤلف الموضوع القصصي بين تداعيات العجوز المتهدم ، فنراها تتشكل من عذاباته وبؤسه .. فأبو عمر قاس لا يعرف الرحمة كهذا الجبل عملاق ، صعب بلا قلب ، سيثور ويتهم رشو بالتكاسل والعجز ، وتمتزج آلام العجوز بجراح حماره ( كورد ) فتتصل المعاناة ما بين المخلوقين ، عبر الترابط المصيري . ونقرأ : " وقف الزميلان في عتمة الليل أمام كوخ ارتفع بضعة أشبار فوق الأرض ، ثم استدار أحدهما ورفع عن الثاني بردعته فبدا جرح ( كورد ) الدائم فوق ظهره أحمر ملتهباً ، فرش عليه صاحبه قليلاً من تراب الجدار النظيف ، ودفع الباب ودخل . في البيت تستقبله ابنته الوحيدة( نازة ) جائعة بائسة ، لقد أمضت ساعات الليل دون زيت كاز ، لقد رفض المرابي تقديم حصة البترول هذا المساء ، لتراكم ديون والدها ، تثور نازة وتعلن : سأموت يا أبي لو صممت أن تستسلم لهذا الخنزير ، إنه سيبيعني إلى جمعة آغا ، كيف ؟ ألم تفه دينه خلال هذه الأعوام الطويلة ؟ إنه فايظجي ( مرابي ) والحكومة لن تسمع كلامه ، أليس كذلك ؟ فتمدد العجوز كلوح من خشب ، وانطفأ السراج كأنه على موعد . في الصباح يواجه أبو عمر أجيره رشو بقوله : خير حل . لقد قبل جمعة آغا بأن يسدد دينك ، ياله من رجل شهم . فانكمش العجوز كقطعة من الورق تحترق ، ونظر إلى قفا مستعبده ، فبانت طيات عنقه الشحمية كما لو أن حبلاً غليظاً من ليف وسخ قد استدار بإحكام حول هذه العنق ، واستراح رشو لهذه الصورة ، وقال بسره : سيشنقونهم يوماً ما وتستريح راجو . وعندما يقبض أبو عمر الثمن من جمعة آغا مائتين من الليرات الفضية ، يتوجه إلى رشو آغا قائلاً : اترك الحمار هنا يا رشو ، سآخذه معي ، وربت المرابي على ظهر رشو وأضاف :
- اذهب .. أنت حر الآن يا رشو .
إن الموت الذي ينتهي به أبطال أربع من قصص الكاتب ، يكون هنا على شكل استمرار للشقاء الإنساني وعبودية الإقطاع ، حيث تنسحب الفاجعة على ابنة رشو الصبية ، التي تباع كصفقة لقاء حرية أبيها ، هذه الحرية التي تلقي به رغماً عنه إلى الجوع والموت .
إن عالم فاتح المدرس بتكامله وغناه ، يتوصل إلى فهم أصيل لآلام الصراع الإنساني ، ومأساة القهر البشري جراء التحكم والسيطرة . وإن البناء القصصي يستمد عفويته وانسجامه من خلال إيقاعه الفني الخاص ، المنسوج من الدلالات ، والمكون من أمثولات الطبيعة : اللون والشكل والحركة واللغة ، لكن التجسيد الفني لا يستنطق الصورة في مادتها الأولى ، الخام ، بل إن ثمة علاقة تنسيق وخلق تجري هنالك ، عملية اصطفاء واختزال ، تتخلل جوانب الصورة الفنية بغية تشكيل انطباع خاص ، يضيء لحظة هامة في الموضوع القصصي ويخلق فعل التأثير في القارئ ، كما شاهدنا في صورة رشو الذي " تمدد كلوح من خشب " و " انكمش كقطعة من الورق تحترق " .
وربما كانت أكثر الصور تأثيراً تلك التي حملت طابعاً تجريبياً بدا في حينه حديث العهد بالتجربة القصصية العربية عموماً ، وإن السمة الفنية البارزة في تلك الصور تبدو في التجسيد الحسي الإنساني لأشياء الطبيعة بكل مكوناتها ، أو في تشخيص المادة الجامدة في شكل متحرك معبر ، كما أن استخدام اللون في الصورة يمتلك خصوصية استمدها الفنان المدرس من خبرته العميقة والغنية في الفن التشكيلي ، إذ يتحول اللون ويتغير عبـر المشاهد المختلفة ، ليأخذ طابع اللون النفسي المعبر والمؤثر .
إن نجاح الصورة الفنية في أداء دورها النوعي في العمل الأدبي ، يكشف لنا عن أدق مهمات الفنان ، فعبر انفعاله الخاص يجسد عمق إحساسه الجمالي ، ودقة إسقاطاته الفنية ، فالصورة وغنى الانطباعات المتعددة ، والتشكيل القائم على أساس من الإحساس الحاد المرهف ، أشياء تتكون منها بنية القصة القصيرة عند فاتح المدرس ، إذ يقول : " أنا حساس جداً تجاه آلام الناس ، فكل تفكيري متجه منذ كنت طفلاً نحو هذا العالم الحزين الذي أنا منــه وفيـــه .. إلا أن تحسسي بجمـــال الحياة فـــي دقائقها ( الميكروسكوبية ) يجعلني شديد التفاؤل ، فبهذين المعيارين أحكم على الأشياء وأقيمها . "
وقد تكون من أكثر المقولات الفنية إدهاشاً تلك التي أثارها فاتح المدرس منذ سنوات عندما قال : " إنني أفهم ألوان تراب بلادي وأنا صغير . إني أعرف جميع روائح التراب من الشمال إلى الجنوب .. إنني أنبش التراب أحياناً كي أستطيع أن أشم رائحته .. جبال بلادي لم تصنع من صخر ، بل صنعت من لحم ، وإن صدر الجبل ينبض ، وإن له وجهاً جميلاً .. " . وفي رأيه أن ثمة علاقة وثيقة ما بين تنمية الحس الجمالي للمجتمع ، وبين تنمية العدالة الاجتماعية . فالعدالة الاجتماعية تمتص قوتها من الحس الجمالي عند الشعب : " قصصي بنيت على أساس أن العدالة الاجتماعية هي التي تؤدي إلى تفهم جمال العالم ، وجمال العالم يقود بشكل طبيعي إلى عبادة الحرية ، وإن عبادة الحرية تأتي نتيجة حتمية للتشريع الفاضل .. وهكذا نرى أنني أنظر إلى الالتزام في الأدب من الناحية الجمالية فقط .. فقصصي مشحونة بجمال الأرض واتهام الإنسان بالغباء ، وهي ليست حزينة ، بل تشكل اتهاماً صارخاً لتركيبة اجتماعية شاذة كانت سائدة بشكل لا تخفى سوأته على الناظر العادي . وإنني عندما أكتب القصة القصيرة لا ألعب ، إذ أقف بجانب المشرع العادل ، وبجانب العامل والفلاح ، والمرأة والطفل ، وعشق الأرض . عشق الأرض لدي يعني عشق الوطن والدفاع عنه . "
وبهذا المعنى يصبح الاستيعاب الجمالي للعالم عند الفنان هو عنوان تجربته الفنية أساساً ، وخط سيره المحدد في الطريق الإنساني والتحرري ، وصولاً إلى ما هو أجمل وأسمى وأنبل .. يقول فاتح المدرس : " أعطيت كوكباً جميلاً ، وحيزاً جغرافياً غنياً ومميزاً وخصباً ، هذا الجمال هو كل ثروتي ، لأنني أعشقه ، ولأنني حين أرسم وأكتب لا أرسم وأكتب ، بل أتأمل مندهشاً كيف تم بناء هذا العالم الجميل . هذه هي مهمتي ، وبإمكانك أن تسمي الفنانين أدلاء على الجمال . أدلاء مثل الدليل السياحي . "
إن هذا الفهم المتطور لعلاقة الفن بالواقع ، وحصر الرؤية بجانبها الفني ، ينسحب على مفهوم القصة القصيرة وشكلها عند فاتح المدرس . وهذا المفهوم يغاير في حقيقته معظم ما قدمته القصص الواقعية في الخمسينات ، تلك التي انصرفت عموماً عبر صور تعج بالنمطية والآلية التصويرية ، إلى عكس علاقة الإنسان بمجتمعه ، وبحشد من التفاصيل الوقائعية المعاشة ، والترسم التسجيلي لصور اليومي والعرضي والهامشي بل المبتذل ، من هنا تبرز لنا قيمة هذا الارتقاء النوعي والفهم الأصيل للأساس الفني الذي تقوم عليه ( صناعة ) القصة القصيرة . فهو يرى : " أن القصة القصيرة عمل فني متكامل ، كالجوهرة الصقيلة ، خرجت من آليات الذهن ، كإشراقة المخترع ، كإشراقة الصوفي ، كما لو أنها شجرة عجيبة نبتت من تراب العقل البشري بوعي عميق الجذور في مفاهيم الكيان البشري .. على هذا الأساس نستطيع أن نتداول القصص القصيرة الفنية على أنها جواهر في سوق الأنفس الإنسانية ، وإن الجوهرة رغم شفافيتها تبقى بناءً سرياً ، وكذلك القصة القصيرة ( سر فني ) في كل دقائق مفهوميها الزماني والمكاني . "
وإذا كانت تجربة الحياة الغنية في الطفولة قد أثرت إلى حد بعيد في تجربة الكاتب القصصية والفنية ، فإننا يجب أن نذكر أيضاً ذلك الإسهام الكبير لفضل تعرف فاتح المدرس على الأدب والفن في الغرب في مطلع شبابه ، إذ أعطى ذلك لتجربته لونا خاصاً وطابعاً مميزاً لعله مزيج من تقنية الغرب وروح الشرق وعمق الأصالة والتراث وخصوصية النكهة المحلية . فضلاً عن تميزه الخاص كفنان تشكيلي يكتب القصة القصيرة .



خـــاتمـــــــة


تناول هذا البحث بالدراسة والتحليل القصة القصيرة في أعمال رابطة الكتاب السوريين 1951 - 1958، ومفهوم الكتابة القصصية الواقعية لديهم على المستوى النظري والتطبيقي . وقد تعرض بدءاً لظاهرة نشوء وتكون الرابطة ، من خلال عرض المهاد السياسي والاجتماعي والثقافي ، فضلاً عن المؤثرات المتنوعة التي كان لها فضل ترسيخ دعائم التيار الواقعي الاجتماعي في القصة القصيرة عند كتاب الرابطة ، وفي مجمل مسيرة الأدب القصصي في سورية عامة . وكان بحث هذه المهاد والمؤثرات مجالاً رحباً لتبيان هذه النقلة النوعية في مسيرة الأدب العربي الحديث ، ما بين عهد يتسم باحتذاء البنى الأدبية التقليدية ، وعهد آخر اصطلحنا على تسميته بالتيار الأدبي الجديد ، يتطلع إلى التخلص من عقبات الماضي ، ويبشر بقيم فنية مستحدثة ، يظهر فيها التعبير الصادق عن واقع التطور الاجتماعي والإنساني وروح العصر بعامة .
ولم يوفر البحث جهداً في التعرف إلى آراء الكتاب وتوجهاتهم في شأن هذه المكونات والمؤثرات ، والخروج بفكرة شاملة تحاول أن تنحو إلى الدقة والموضوعية ، عبر تمازج الآراء واتفاقها واختلافها .
وإذا كان الوعي الذاتي للكاتب وثقافته يمليان عليه تصوراً ما حول طريقة إخراج العمل الأدبي ، ويحددان البعد الفكري له ، فإن أثراً آخر يبدو ذا أهمية خاصة في هذا المجال ، وهو التصور العام ( الجماعي ) الذي خرجت به أفكار البيان التأسيسي للرابطة ومؤتمرها من بعد .. وقد تم عرض هذه الأفكار وتحليلها والنظر في تبلورها وتطورها ، ومن ثم استقراؤها ، عبر نجاحات الشكل الفني لقسم من الأعمال القصصية المدروسة . لكنه تبين أيضاً ، إلى حد كبير ، كيف لعبت هذه الأفكار ذاتها دوراً سلبياً في توجيه الأثر الأدبي وإقحامه في قضايا سياسية دعاوية توجيهية .. مما يؤكد لنا ثانية قيمة الوعي الفكري الذاتي المستقل ، أو الصوت الخاص المتميز للكاتب ، وقيمته الضرورية في إخراج العمل الأدبي بالصورة المقبولة فنياً .
وقد بدأت الدراسة التحليلية بتمهيد عني بإيضاح معالم القصة القصيرة في جيل ما قبل الرابطة في سورية ، وبالإشارة إلى بدء بروز التيار الواقعي الاجتماعي في الآثار القصصية عند محمد النجار وعلي خلقي وليان ديراني ، في مقابل بروز مستوى متقدم للشكل الفني ، لكن دون توفر البعد الاجتماعي ، كما عند فؤاد الشايب . وفي الحالتين إذن لم يكن ثمة نموذج محدد يمكن له أن يغدو معلماً ناضجاً مؤثراً .
لقد توجه الموضوع القصصي بكليته في أعمال الرابطة إلى بحث قضايا الإنسان الشعبي البسيط ، وهموم بناء المجتمع الجديد ، وكان لهذا التوجه أثره الواضح في تحديد طبيعة هذه الأعمال ، من حيث الصياغة الفنية ، وفهم الطريقة الواقعية ..
وأمام هذا الاضطراب الكبير الذي لمسناه في مفهوم الكتاب للواقعية ، كان لا بد من تقسيم يفصل ما بين شكلين أساسيين تجسدا في النتاج القصصي ، وقد برز الشكل الأول من خلال فهم غائم مضطرب يتعامل والواقعية من زاوية الانفعال والرؤية الذاتية والتسجيل الباهت لوقائع الحياة الشعبية والدعاوية التحريضية السافرة . ولعل أهم ما بدا في هذا الشكل ( نقل ) صورة مطابقة لما يجري في الواقع ، من دون اهتمام يذكر بوظيفة الفن وقدرته على تأليف عناصر من الواقع ، وإعادة تركيبها في صورة جديدة تستمد عناصرها من الواقع ، لكنها تختلف عنه أشد الاختلاف وتتميز . لقد لجأ القاص ضمن هذا المستوى إلى اعتماد الحكي ، أو سرد مفصل لما حصل ، ولم يفوت على نفسه فرصة الإشارة إلى أن هذا الذي يحكيه موثق ومنقول بدقة مما جرى في الواقع ، ولحق هذه المحاولة ما لحقها بالطبع من إشارات إلى الكاتب كشخص يعيش في وسط الأحداث أو أنه شاهد أو مشارك في الحدث .
وقد كثرت الموضوعات التي تناولتها القصة الوقائعية ، لكنها على اختلافها وتنوعها ظلت تدور في فلك الهموم الاجتماعية والوطنية ، وتسهم مجتمعة في تكوين صورة دقيقة عن الفهم الواقعي القاصر في مستوى من مستوياته . وإن تحديد هذا المستوى بكلمة ( وقائعي ) قد أزال في رأينا كثيراً من الالتباس والغموض الذي لف هذه الأعمال ، وساعد على التفريق فنياً بين واقع يحمل دلالة ورؤية ، وبين واقع آخر لا يقدم سوى صورة هزيلة لنظير ماثل في المجتمع . وقد انصرفت العناية إلى توضيح معنى الوقائعي وأشكال ظهوره ، من خلال عدد من النماذج القصصية المتنوعة في الموضوع والرؤية ، المتفقة في المفهوم والطريقة .
وتوجهت الغاية في جانب آخر إلى توضيح صورة الأعمال الفنية الواقعية ، تلك التي لم تقف عند حدود تصوير مظاهر الماثل ، بل تعدته إلى المثال .. فاستبدلت ( آلية ) الرؤية الوقائعية بنمذجة الواقع وتعميمه واستشراف بعده الآخر ، وظهر هذا التطور في التعامل مع المذهب الواقعي ، من خلال المفاهيم الجديدة المتشكلة في أذهان الكتاب ، وفي ثنايا أعمالهم القصصية أيضاً ، وقد مازجت الدراسة – حيث توفر ذلك – بين الرؤية الفنية والتصور النظري ، وأبرز ذلك كيف بدأت الواقعية تثمر وتغتني مستفيدة من الزخم الواقعي الذي شهدته فترة الخمسينات وما سبقها في الأعمال الأدبية العالمية ، بحيث اكتسب الاتجاه الواقعي في القصة القصيرة بعداً إنسانياً شمولياً ، رغم بقائه في إطار بحث القضايا الاجتماعية المحلية المنتزعة من البيئة الشعبية ، في وقت بدت فيه سلطة ( المحلية ) سبباً رئيسياً في مستوى الشكل الذي آلت إليه القصة الوقائعية .
لقد لاحظنا أنه في مستوى القصة الوقائعية كانت جاذبية الموضوع الاجتماعي باعثاً على الغرق في تفاصيل الواقع ، ومدعاة لإثارة شعثه ، من دون القدرة على لمها في كل واضح محدد يتركز في بؤرة ما ، أو يعزز وجهة نظر أو زاوية رؤية ، وقد بدت هنا مأثرة القصة الواقعية الفنية في أنها انطلقت من هذا الجانب ذاته ، لكن عبر رؤية مغايرة ، عمادها الوعي الفني والفكري ، مما ساعد على التخلص من سمة الانفعال وتضخيمه وتعميمه ، كما أظهر قدرة الكاتب على التخفي جيداً وراء الحدث والشخصيات ، وخبرته في استخدام الوسائل الفنية القصصية ، المعهود منها والمستحدث ، فتوضحت في هذه الأعمال الخصائص المحلية بدقة وحذق ، و معالم العمق الإنساني وشمول التجربة والمعاناة ، من خلال علاقة صحيحة ما بين الأدب وحياة الفئات الشعبية المستضعفة .
وقد تمت رؤية الموضوع القصصي في وحدة متكاملة تترابط فيها جميع الظواهر ترابطاً وثيقاً ، بحيث تبدو مشروطة بهذه الارتباطات المتينة غير المرئية في أغلب الأحيان ، ومن خلال هذا المنظور بُحثت هموم الإنسان الجديد ومعاناته ، ولا سيما فيما يتعلق بالانكسارات التي مني بها المثقف الثوري الطليعي ، وهو يرى ما انتهت إليه الجهود الصادقة في إعادة تشكيل البنيان الاجتماعي على أسس من العدالة والحرية . ومن هذه الزاوية بدأ يتغلغل حس العبث والانسحاق والاغتراب في تجربة القصة الواقعية . وقد بدا لنا أن كبح المسيرة الواقعية السياسية في أواخر الخمسينات قد رمى التيار كله بالإخفاق والتراجع ، وأتاح المجال لظهور أدب آخر مغاير في الرؤية والطريقة ، بدءاً من مطلع الستينات ، ولنا أن ننظر في مثال واحد استطاع أن يخرج من غمار التجربة المرة ( نقصد عضو الرابطة حنا مينة ، الذي بدأ حياته الأدبية كاتب قصة قصيرة ) لندرك إلى أي مدى اغتنى الاتجاه الواقعي وتنوعت أشكاله وقدراته على الغوص في صميم الحياة الإنسانية في صراعها وتطورها وبعدها المستقبلي . هذا إلى جانب المزج الخلاق بين الواقعية والانطباعية والتعبيرية والرومانسية ، كما وجدنا في قصص شوقي بغدادي وسعيد حورانية وفاتح المدرس .. وعلى أية حال كانت تجربة الرابطة بحق مدرسة ضمت إليها مختلف المواهب والقدرات ، وقد أثمرت تجربتها المتميزة في دفع الحركة الأدبية والفكرية خطوات على طريق الفن الصحيح ، عبر إثراء الشكل القصصي وتطويره من ناحية ، ومن خلال بعث الحياة والنشاط في عقد من السنوات هو الشطر الأهم من عمر الكتابة القصصية الواقعية سلباً وإيجاباً في أدبنا العربي الحديث من ناحية ثانية .


************
***********
**********
*********
********
*******
******
*****
****



المصادر والمراجع

1- المصادر :
وهي المجموعات القصصية التي بني عليها البحث :
- حسيب الكيالي : مع الناس – دار القلم ، بيروت 1953 / أخبار من البلد – دار الفارابي ، بيروت 1955
- 15قصة سورية – سلسلة كتب للجميع ، القاهرة ، العدد 127 – إبريل 1958
- سعيد حورانية : وفي الناس المسرة – دار القلم ، بيروت 1953 / شتاء قاس آخر – دار العصر الحديث ، بيروت 1962 / سنتان وتحترق الغابة – دار العصر الحديث ، بيروت 1964
- شوقي بغدادي : حينا يبصق دماً – دار القلم ، بيروت 1954 / بيتها في سفح الجبل – وزارة الثقافة ، دمشق 1977
- صميم الشريف : أنين الأرض – مطبعة العلوم والآداب ، دمشق 1953 / عندما يجوع الأطفال – دار الفن الحديث العالمي ، ط 2 ، دمشق 1962
- عادل أبو شنب : عالم ولكنه صغير – مطبعة الجمهورية ، دمشق 1956
- علي خلقي : ربيع وخريف – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1980
- فاتح المدرس : عود النعنع – العربية للنشر والتوزيع ، بيروت 1981
- فؤاد الشايب : تاريخ جرح – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1978
- ليان ديراني : السهم الأخضر – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1976
- مجموعة قصص مشتركة لأعضاء رابطة الكتاب السوريين : درب إلى القمة – مطبعة الإنشاء ، دمشق 1952
- محمد النجار : في قصور دمشق – دمشق 1937 / همسات بردى – دار الهلال ، دمشق 1950
- مراد السباعي : الشرارة الأولى – وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق 1962
- مواهب الكيالي : المناديل البيض – دار القلم ، بيروت 1953
- وصفي البني : في قلب الغوطة – دار القلم ، بيروت 1954

- مصادر أخرى :
1- وثائق متفرقة عن رابطة الكتاب السوريين والعرب محفوظة لدى صلاح دهني وليان ديراني ، وتضم تقارير عن الرابطة واجتماعاتها ونشاطاتها ، وبعض نصوص الرسائل والبرقيات التي جرت ما بين الكتاب السوريين والعرب بشأن الإعداد لمؤتمر عام 1954 . وكراس يضم أعمال المؤتمر المذكور .
2- مراسلات ومقابلات شفهية وكتابية أجراها الباحث أواخر عام 1981 وأوائل عام 1982 مع الكتاب التالية أسماؤهم : إحسان سركيس ، ثابت المدلجي ، د . حسام الخطيب ، حسيب كيالي ، حنا مينة ، سعيد حورانية ، شحادة الخوري ، شوقي بغدادي ، صلاح دهني ، صميم الشريف ، عادل أبو شنب ، د . عبد الرزاق جعفر ، عبد المعين الملوحي ، د . عمر الدقاق ، فاتح المدرس ، فارس زرزور ، د . فؤاد المرعي ، كامل ناصيف ، ليان ديراني ، مراد السباعي ، مصطفى الحلاج ، ميخائيل عيد ، د . ناديا خوست ، نبيل سليمان ، نصر الدين البحرة ، وصفي البني .

2- المراجع :
أ- الكتب :
- أحمد محمد عطية : فن الرجل الصغير في القصة العربية القصيرة – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1977 .
- جورج لوكاتش : دراسات في الواقعية الأوربية ، ترجمة : أمير إسكندر، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1972
- د . حسام الخطيب : سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية ، دمشق 1974 / القصة القصيرة في سورية – وزارة الثقافة ، دمشق 1982 .
- حنا عبود : المدرسة الواقعية في النقد العربي الحديث – وزارة الثقافة ، دمشق 1978 / واقعية ما بعد الحرب – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1980 .
- خلدون الشمعة : النقد والحرية – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1977 .
- ذوقان قرقوط : تطور الحركة الوطنية في سورية – دار الطليعة ، بيروت 1981
- س ، بتروف : الواقعية النقدية – ترجمة : شوكت يوسف ، وزارة الثقافة ، دمشق 1983
- د . شاكر مصطفى : محاضرات عن القصة في سورية حتى الحرب العالمية الثانية – جامعة الدول العربية ، معهد الدراسات العربية ، القاهرة 1957
- شحادة الخوري : الأدب في الميدان – مطبعة دمشق ، دمشق 1950
- عادل أبو شنب : صفحات مجهولة في تاريخ القصة السورية – وزارة الثقافة ، دمشق 1974 .
- عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم : في الثقافة المصرية – دار الفكر الجديد ، بيروت 1955.
- عبد القادر الشاوي : سلطة الواقعية – اتحاد الكتاب العرب ، 1981 .
- د . عبد الله أبو هيف : فكرة القصة – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1980
- د . عبد الله حنا : الاتجاهات الفكرية في سورية ولبنان 1920 – 1945 – دار التقدم العربي ، دمشق 1973 / الحركة العمالية في سورية ولبنان 1900 – 1945 – دار دمشق للطباعة والنشر ، دمشق 1973 / الحركة المناهضة للفاشية في سورية ولبنان 1933 – 1945 – دار الفارابي ، بيروت 1975
- د . عبد المنعم تليمة : مقدمة في نظرية الأدب – دار العودة بيروت ، ط 2 ، 1979
- عدنان بن ذريل : أدب القصة في سورية – دار الفن الحديث العالمي ، دمشق ، بلا تاريخ .
- د . عمر الدقاق : تاريخ الأدب الحديث في سورية – منشورات جامعة حلب 1972
- عمر فاخوري : الباب المرصود – دار المكشوف ، بيروت 1938 / الفصول الأربعة – دار المكشوف ، بيروت 1940 / أديب في السوق – دار الكشاف ، بيروت 1944 / من تراث عمر فاخوري – دار الفارابي ، بيروت 1954 .
- فريدريك ج . هوفمان : القصة الحديثة ، ترجمة : بكر عباس – دار الثقافة ، بيروت 1961 .
- د . فؤاد المرعي : في تاريخ الأدب الحديث – ط 1 ، منشورات جامعة حلب ، كلية الآداب 1981
- م . خرابتشنكو : الإبداع الفني والواقع الإنساني – ترجمة : شوكت يوسف ، وزارة الثقافة ، دمشق 1983
- مجموعة قصص مشتركة : قصص واقعية من العالم العربي ( المقدمة ) – دار النديم ، القاهرة 1956
- مجموعة من المؤلفين السوفييت : تاريخ الأقطار العربية ، ج 1 – دار التقدم ، موسكو 1975
- د . محمد غنيمي هلال : النقد الأدبي الحديث – دار الثقافة ودار العودة ، بيروت 1973 .
- د . محمد يوسف نجم : القصة في الأدب العربي الحديث ، دار الثقافة ، بيروت 1966 .
- مراد السباعي : تحت النافذة ( المقدمة ) – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1974
- نبيل سليمان : النقد الأدبي في سورية ج 1 – دار الفارابي ، بيروت 1980
- د . نعيم اليافي : التطور الفني لشكل القصة القصيرة في الأدب الشامي الحديث – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1982
- وداد سكاكيني : عمر فاخوري – سلسلة أعلام العرب ( 89 ) الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، دار الكاتب العربي ، القاهرة 1970




ب- الدوريات :
أعداد من الصحف والمجلات الدورية التالية ، وقد رتبت بحسب أهميتها في البحث :
- مجلة الثقافة الوطنية – بيروت ( محتجبة )
- صحيفة النقاد – دمشق ( محتجبة )
- مجلة الطريق – بيروت
- مجلة المعرفة – دمشق
- مجلة الموقف الأدبي – دمشق
- الملحق الثقافي لصحيفة الثورة ( الصادر في دمشق بين تاريخ 11 / 3 / 1976 و 3 / 8 / 1978 . )
- مجلة الأديب – بيروت
- مجلة الآداب – بيروت
- مجلة الطليعة – دمشق ( محتجبة )
- مجلة فكر – بيروت
- مجلة المعلم العربي – دمشق
- مجلة الجندي – دمشق
- مجلة الحرية – بيروت
- مجلة الكرمل – بيروت
- جريدة الصرخة – بيروت ( محتجبة )
- مجلة الصباح – دمشق ( محتجبة )

***********************

الفهرس
الموضوع الصفحة
- مدخل 1
الباب الأول
رابطة الكتاب السوريين / رابطة الكتاب العرب

دراسة في النشأة والتكوين 5

الفصل الأول
الواقع السياسي والاجتماعي 6

الفصل الثاني
الواقع الثقافي والأدبي 11

- أثر البيئة الاجتماعية في ظهور التيار الجديد 11
- الأسس التي قام عليها التيار الجديد 14
أ- دورأهم المجلات الأدبية
1- مجلة الطليعة 15
2- مجلة الطريق 17
3- مجلة الثقافة الوطنية 18
ب- دور أبرز الأعلام في حركة التيار الجديد
1- رئيف خوري 19
2- عمر فاخوري 20
3- شحادة الخوري 23
ج- دور مصر في التأسيس للتيار الجديد 26
- استفتاء 28
- نتائج عامة 29
د- المؤثرات الأجنبية 29
- استفتاء 30
- نتائج عامة 33

الفصل الثالث

رابطة الكتاب السوريين 39
1- تأسيس رابطة الكتاب السوريين 39
2- ظهور رابطة الكتاب السوريين 43
3- حول التنظيم الداخلي لرابطة الكتاب السوريين 45
4- نشاط الرابطة 49
5- البيان التأسيسي لرابطة الكتاب السوريين
أ- نص البيان 50
ب- دراسة وتحليل 53

الفصل الرابع

رابطة الكتاب العرب

1- إنشاء رابطة الكتاب العرب 58
2- مؤتمر رابطة الكتاب العرب ومقرراته 60
أ- وقائع المؤتمر 60
ب- مقررات مؤتمر رابطة الكتاب العرب
( نظرة في الجانب الفكري والأدبي ) 62


الباب الثاني

( الدراسة التحليلية )
مقدمة 70
الفصل الأول

الجو القصصي لمرحلة ما قبل الرابطة
( دراسة تمهيدية )
1- مدخل واستفتاء 73
- نتائج عامة 75
2- البعد الاجتماعي في القصة القصيرة في سورية عند جيل ما قبل الرابطة 76
أ- علي خلقي وبوادر ظهور القصة الاجتماعية 77
ب- محمد النجار وصور التعرية الاجتماعية 78
ج- فؤاد الشايب بين الشكل الفني والبعد الاجتماعي 80
د- ليان ديراني والقصة الاجتماعية الوقائعية 81
هـ- مفهوم الواقعية عند ليان ديراني 84

الفصل الثاني

الواقعية والتيار الاجتماعي في قصص الرابطة 88

أولاً : الوقائعية وأشكال ظهورها في قصص الرابطة 91

1- وقائع من حياة الريف والمدينة ( مواهب الكيالي ) 94
2- الصورة الانتقادية الوقائعية في " أقاصيص وشخصيات " وصفي البني 101
3- قصص الوقائع الوطنية ( ليان ديراني ) 108
4- وقائع التجربة الذاتية ( مراد السباعي ) 115
5- تفاصيل وقائع الحياة الشعبية ( صميم الشريف ) 124

ثانياً : القصة الفنية والواقع الاجتماعي 141
1- السلوكية الظاهرية ( حسيب الكيالي ) 144
2- ثنائية الضعف البشري والقوة الإنسانية ( سعيد حورانية ) 157
3- تجريب في الشكل الفني ( شوقي بغدادي ) 176
4- أزمة في الذات والموضوع ( عادل أبو شنب ) 189
5- صور الطبيعة والإنسان ( فاتح المدرس ) 202

خاتمة 215
المصادر والمراجع 218
فهرس 221

*************************


Share |









أدخل النص المبين في الصورة أعلاه في هذا الحقل:




معارضي
زيارة مع دليل
مدن
أفلام عالم نوح
Odeco
كتبنا
عالميات
اللوحة الكبيرة تنتظرني عصام طنطاوي
الفنان التشكيلي الأردني عصام طنطاوي 2006 - 244 x 122 cm مع أن اللوحة الكبيرة تنتظرني في غرفة الرسم .. وكنت بدأت بها منذ ثلاثة أيام ، أصعب مرحلة في اللوحة اجتياز حاجز البداية وقد تجاوزتها ، ولكن بدأت إشكاليات جديدة .. كيف أٌكملها ؟ أجلس أمامها طويلاً ، أرسم تفاصيلها بعينيّ ، قبل أن أتجرأ على لمسها .. أضعها مقابل سريري ويظل الجدل البصريّ محتدماً بيننا ، أغفو وهي في خاطري وأحلامي .. صحيح أنني اتفقت مع الفندق على سعر معين قبضت نصفه قبل أن أبدأ بها .. ولكنها ليست وظيفة أذهب اليها في مواعيد معينة ، أو حرفة أتقنها ، هي أولاً وأخيراً لوحة جديدة ستحمل اسمي ، أريد أن أفرح بها ، أن أشعر بالدهشة في اكتشاف لون جديد .. منطقة جديدة مختلفة لم أدخلها من قبل ، لا أفكر أبداً بالسعر ولا بأي شي آخر ..لاجديد في الفن بالمعنى المطلق ، اللعبة في التفاصيل وتونات الألوان .. والتكوين هي حالة قلق لذيذة يعي المزيد

بحث

بحث في العناوين فقط

الإعلانات