لقاءات
أصدقاء البيئة والعلوم
سير ذاتية
مشاركات أدبية
تغطيات
أخبار سريعة
القائمة البريدية
Username



E-mail



التصويت
ماذا نقنرح لنتطور أكثر

تغيير واجهة الموقع

تغيير اسلوب الكتابة

الإهتمام بالفن أكثر من الأدب

جميع ما تم ذكره سابقاً

الإعلانات

طوق الأحلام رواية للكاتب محمد شويحنة


محمد شويحنة

طوق الأحلام


رواية



طوق الأحلام

طوق الأحلام
تأليف : محمد شويحنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الناشر : مركز الإنماء الحضاري
الطبعة الأولى / 2004
الطبعة الثانية / 2008
حقوق النشر محفوظة
الإخراج الفني : أحمد خيري
تصميم الغلاف : جمال الأبطح


- 1 -

كانت قد مرت أعوام طويلة أغرقت كل شيء في النسيان، فلا أدري كيف انتشلني الحلم من جديد إلى عهد مضى، يتلامح من بعيد خلف تلال العمر، وجدت نفسي معهم، الأخوة وأبناء العم، أعمارنا جميعاً لم تتجاوز الخامسة عشرة إلا يحيى فقد تجاوزنا بسنوات، وجدته جميل الوجه، يزهو بصحة في الروح والجسد، هذه المرة لم نكن في القاعة القبلية حوله، أو في المقبــرة كعادتنا أيام الشقاوة، بل في حديقة مليئة بالأشجار ودغلات الورد، كنـا نلعب " اظهر وبان عليك الأمان "، فكان يحيى قائدنا بحق، بعد قليل طلبناه فلم نجده، كان بيننا يشاركنا في اللعب، يبدو أنه اختبأ، تلفتنا حولنا لحظات حائرين، بحثنا، كدنا نياس من وجوده ، حتى جاءنا صوته يصيح من بعيـد :
- اطلعوا لي ي ي ي !.
فركضنا سريعاً نحو الصوت، بحثنا خلف الأشجار، لا أحد، التففنا حول التلة إلى الجهة الأخرى، فتشنا بين شجيرات الورد، وعبرنا الساقية على الجسر المحدب، بحثنا في منطقة أخرى لم تكن ساحة لعبنا.. وعدنا إلى البيت بعد أن فقدنا الأمل في العثور عليه، وهناك.. في القاعة القبلية وجدناه.. كان يجلس على أريكته، بوجه مورد وساقين سليمتين لفَّ إحداهما على الأخرى.. فوق رأسه على الجدار صورة مائلة بالألوان لسلاطين بني عثمان، بجانبها صورة باللون الزهري لفطُّوم المغربية، وفي مكانه لا يزال حبل الغسيل مشدوداً من جدار إلى جدار، يشغل الزاوية المقابلة لباب القاعة. نظر يحيى إلينا بتودد وابتسم، ثم قفز إلى الحبل وسط دهشتنا، تعلق وبدأ يتأرجح، ثم ترك الحبل وقال بانشراح :
- هيّا !. أنتم فريق وأنا فريق.. هاتوا الحبل !.
- لكنك لا تستطيع أن تشدنا نحن السبعة يا يحيى..
فضحك وخلع الحبل ورمى إلينا بطرفه.. أمسكنا وبدأنا نشد، ملنا إلى الخلف وكادت ظهورنا تلامس الأرض.. بذلنا آخر ما فينا من طاقة على التحمل، شد يحيى واحمر وجهه، ثم انفجر بضحكة منتصرة وأفلت الحبل فجأة، فانكفأنا كتلة واحدة نتعثر بالخيبة فنمزجها بالصياح والضحكات، نهض يحيى من جديد ببنطال قصير على ساقين بلون العاج وقال يأمرنا:
- هيا نجرب لعبة أخرى.. تعالوا نلعب هناك تحت الأشجار..
فعدنا إلى اللعب ثانية، خرج من القاعة يعدو وتبعناه، انطلق في السباق أمامنا كزوبعة ضارية، فشدنا خلفه كأوراق شجر، ثم توقف وزفر فتجمعت غيمات فوق رؤوسنا في الحال وهطل المطر، فاندفعنا جميعاً مع يحيى الضاحك تحت قطرات المطر نحو ظلال الأشجار، هزته الضحكات فاستلقى على العشب الندي وفرد عليه كلتا ذراعيه، تواثبنا فوقه وعدنا نجره إلى سباق، لم تخذله قدماه كما ظننا، بل عاد ووقف كحصان، فركضنا المرة تلو المرة نعيد المبارزة.. وتوقفنا في آخر الأشجار نلهث، بعد أن سبقنا يحيى، ووقف على ربوة مخضرة قرب الغيمة ينتظر أن تهدأ أنفاسنا، ثم مسح عرق وجهه المورد وسرَّح شعره الأسود المبتل بأصابعه ورفع يده بحركة احتفالية وهدر بصوته يفخر :
- أنا يحيى بن عبد الرحيم، وجدي الأكبر عبد المجيد !.. فاسمعوا ما أقول !.
لحظات مرت، وجدنا أن ما يقوله يحيى عصي على أفهامنا، نحن الأصغر منه سناً، فآثرنا اللعب، وعدنا إلى الركض ثانية وتركناه فوق العشب الطري يهدر بصوته العالي، لكن كلماته الفخمة ملأت أسماعنا، فتوقفنا عن اللعب وتسمرنا أمامه نستمع.. سرق منا الدهشة والترقب، لم يعد ثمة صبية وألعاب وتسل.. بات يحيى بعد متربعاً على تل الكلام، يغرف بملء فمه ويرشق من حوله وأمامه، بات كما لو أنه يخطب في جمهور عريض صاخب يعوم في بحر كلماته الدافق..

***


- 2 -

أرقته حتى آخر الصبح، تلك الصورة التي رأى فيها يحيى في حلمه، صحته وتورد وجهه، ساقاه العاريتان المركوزتان بقوة على التلة، يداه اللتان تشيران فتتلاعبان بالكلمات بخفة ساحر، أسياخ المطر التي تلسع جبينه المرتفع، وبسمته الواسعة كطيف قمر.. تساءل شمس الدين بأسى فياض : إلى من أهرع في غبش الصبح فاحكي له ما رأيت كما كنت أفعل في تلك الأيام ؟!. كان زمن الأحلام قد انطوى مع أفلام أيام زمان، مع الدهشة الساخنة وفتنة الصور، مع اللهفة التي تنهل فلا ترتوي، ثم مع المسيرة اللاهثة وخبز البركة والأسرار، خبز الشيخ صبري.. تتالت الأيام سريعة فبددت الذكرى، حجزتها خلف أكداس صفيقة من النثار اليومي للترهات، يذكِّر شمس الدين أبناءَ العم، فيرفع الواحد يده كأنما ينفضها من آخر ما علق بها من خيبات ويقول : هي.. هي ي ي، أنت ما زلت تذكر، ما الذي فكرك ؟!. ما الذي فكره الآن ؟!. ما الذي بعث الأحلام من مرقدها ! كان يحيى قد غاب منذ سنوات بعيدة، لكأنها تبدو الآن كالأمس الذي انصرم، فيما مضى سرق منهم أحلام الصبا واعتصرها، ذوبها مع الأفلام وقطرها، شعاعات ورؤى، حين ارتحل صارت أحلامه تسرقهم، شريط فيلمه الذي احترق أعشى عيونهم بنيرانه، فسقطوا خلفه على درب الضوء، على الألق والأرق، الآن صار بعيداً وقريباً، الغائب الحاضر، معلم الأحلام بات كالحلم، طاعناً في الغياب، حاضراً ونابضاً ولكنه عصي، انتهى كشجر عصف به الصقيع ذات صباح، اكفهر في أيام واضمحل ثم انطفأ، كانت كل الأحلام جداول تصب في بحره الواسع، كل أحلامهم تتندى على شفتيه ثم تعود إليهم خضراء بلون الأماني.. هو الماكث على أريكته يجوب بهم آفاق الرجاء، يخطف الغد المنور بكلتا يديه ويعبئه لهم في سلال، في يوم الرحيل قال شمس الدين في نفسه : يا أيتها اللهفة لمن أستبقيك الآن، من يقتنص سهام صيدي ويرد إليَّ اللآلئ !. من يروي عطش العيون إلى السمر والصور ؟ ! وكان قد هتف غير مرة في أحلامه العطشى : يحيى.. يا يحيى !..


***

- 3 -

كان عبد الرحيم والد يحيى قد مات شاباً، هو بكر أبناء الحاج أكرم، أمسى تاجراً مشهوراً في المانيفاتورة بسوق استانبول مع أبيه كتفاً بكتف، أسابيع قليلة مرت على حفل زفافه الشهير، وحصل ما حصل.. عرس بخوجة ما له مثيل، تصدرت فيه قهوة البرتقال أم عدنان وفرقتها المكونة من الطبالة والعوادة والسنيدة، وراحت تصدح بصوتها الرنان، بلا ميكرفون، مترنمة ببعض أغاني منيرة المهدية وأم كلثوم، ونقدتها الحاجة كوثر أم العريس، على الملأ، عشر ذهبات حلوان الزفة.. أما تلبيسته فقد أحياها حتى الصباح كبير أهل الطرب في زمانه أحمد الفقش، وجيء بفرقة الرقص العربي من الكلاسة، دبكوا على الموزون ورقصوا على الأصول، شدوا الناس إلى هذا الترف البادي في شالاتهم العجمية وسمنياتهم المطرزة وملتاناتهم وسراويلهم الجوخ الكحلي، والمنطوف الكسرية في الرجل نعل السمكة.. طرب الناس وشربوا القهوة المرة، وكسرت الفناجين على شرف الكبار، لكن صبحيته في حمام رَقَبان هي التي ذاع صيتها، ولم يكن ذلك بسبب ما شاهد الناس فيها من مظاهر الفخفخة والعز فحسب، بل لأنها أرست لمليحة ليس لها سابقة، فقد جعلها الحاج أكرم دعوة وتشريفاً، ورفض البشمارية، وزاد على ذلك بصرة من ملبس العرس المعطر وفيها ليرة رشادية أربعاً وعشرين قيراطاً، وزعت على المدعويين وهم بالمناشف على المصاطب يحتسون شراب الليمون البارد، وزين العرسان عبد الرحيم، أبو أكرم شيخ الشباب.. تخطفته الأيدي من أبيه الحاج أكرم وصحبته الكبار، وطارت به من الحمام إلى بساتين الجانكية، اتصلت حفلة الصبحية في البستان واستمرت حتى مغيب الشمس، وعريسنا الزين يتهنى، يطلب علينا ويتمنى.. لكن عبد الرحيم بدا شارداً يرسل بصره في المدى البعيد، لم تفلح كل الشدِّيات وصلوا على محمد، زين، زين.. في إخراجه من حالة الصمت التي خلد إليها، بدا لصحبه عبد الرحيم آخر، غير الذي عرفوه، نظرات كئيبة وشرود. وتسلم لي شردات الغزال، وأين وصلت يا عيني، أم ننزل نحن للسباحة وندعك أنت تسبح على كيفك !.. وردَّ في كل حين ببسمة مجاملة، يستتر خلفها حزن غامض.. وفي دخان الشواء، وعلى طرف قناية عين التل، لعب الشباب الورق وخود خود والعصّومينه، وأقبلوا على السماط الممتد على مصطبة البركة يلتهمون أطباق اللحوم والكبب والمشهيات والسلطات، أطعموا العريس وحلفوا عليه بأكل أسياخ الكباب حاف، جاملهم، أكل بلا شهية، تراجع عن المائدة المفروشة، وذبلت عيناه واتكأ، فسمحوا له بقيلولة صغيرة، ما لبث أن خرج منها على أصواتهم الزاعقة وهم يلقون بأجسادهم العارية في بركة البستان الواسعة، نظر إليهم ساهماً وهم يتبارون في التقاذف، من الرفاس المعد على شكل درج من أخشاب السحاحير، ومن أغصان أشجار الجوز والدلب التي تمتد شامخة فوق الماء، شهدهم عبد الرحيم بعينيه الناعستين، كانوا حوله وأمامه ومن ورائه يتطايرون، خفافاً ومردة، وخرج هو من شروده إلى حين وقد أدهشته كل هذه الشجاعة، وهذا النشاط المشتعل في الأجساد. لم يكن يعرف من السباحة إلا النزول حتى الرقبة، وبلّ الوجه، وهاهو يحاول أن يستمد منهم شجاعة تنفض نفسه من كل وجل، تواقعت في أذنيه أصوات ارتطام أجسادهم في الماء، صوت الفرقعة وصوت الصيحات والضحكات، لامس وجهه النثار البارد، ووجد الماء قريباً من نفسه، حلواً وحبيباً، فغفا ثانية، وصافح بجسده الماء الزلال، غاص في أعماق بليلة، لحظات خالها ستطول، امتلأ فمه على أثرها بالماء، أصبح في حضن الارتواء ينهل، ماء كثير عبَّ منه فوق ما يحتمل، ما لبثت أن ارتطمت به أجساد وتقاذفته أرجل، أشرف على الاختناق والغرق.. أيقظه أحدهم وألح عليه بنزول البركة، لكنه ابتسم، واكتفى بأن رمقه ورمق الآخرين بنظرة تحبب تخفي وراءها ضيقاً، وأدرك الجميع أن العريس ليس على الحشيشة، تغامزوا عليه، وانفرد به ثلاثة في ظل شجرة، هات!.. قرّ واعترف، ما الذي حصل ؟!.. تحاشاهم، أراد أن يهرب من الإجابة، فهو في واد وهم في واد آخر، اكتفى بأن قبل كلماتهم المشجعة، وهز برأسه دون أن يتكلم.. وعصراً جيء بالمصور ديكران فالتقط ألبوماً كاملاً للعريس في البستان، عبد الرحيم ظهر في عدد من الصور مع صحبه يتصدر الكادر بالطربوش المائل وبشاربين مفتولين، مزهواً بشبابه وصحبته، على الرغم من سيماء الحزن البادية عليه، احتفظت الحاجة كوثر أمه بإحدى هذه الصور، ما تزال تنظر فيها الآن بعد كل تلك السنين وهي معلقة على الجدار، متخشبة، محروقة بدخان السجائر والأيام، تنظر وتديم النظر، تتفكر وتغرب بعينيها ثم تقول بصوت منكسر : " يا حسرتي.. عين أصابته.. حرقته حرقاً !. ".

***

- 4 -

صمت عبد الرحيم بعيد عرسه الذائع بأسابيع قليلة، صمت فجأة وساح في الطرقات، هجر السوق والبضائع، هجر الناس والبيع والشراء، يمشي ساعات النهار بطوله في أسواق المدينة، ويطوف حول القلعة بملابس عتيقة، شوهد في حارات بعيدة، وفي أطراف المدينة، أعيد إلى الحي غير مرة كطفل ضائع، في البيت رفض الاغتسال أو حتى تغيير ملابسه، اكتفى من أي طعام ببعض لقيمات، أجهدت أمه نفسها في جعله يقبل على تناولها، طال شعر لحيته ورأسه، ورفض أن يكلم أحداً، أصبح ينظر في كل وجه بتعجب وحيرة، ثم بخوف وقلق خفي، هجر زوجته ولم يعد يقبل أن يضمهما سقف واحد، ظل ينظر إليها بريبة ويعتصم في صمته المطبق، في الحارات تنبه العجيان لصمته وعينيه المفتوحتين على فزع، فلحقوا به وقذفوه بالأحجار ودقوا له بالعلب الفارغة، فصار في أيام جرصة العائلة، مما دعا الحاج أكرم لاحتجازه في البيت، ربطه بسلسال لم تسعف في تليين حديده دموعه ودموع الحاجة كوثر التي انهمرت بالتياع، كبر الحاج أكرم في أيام سنوات، وندبت الحاجة كوثر ولطمت خديها في لحظات التأثر وسقطت في الإغماء، فيما استسلمت زهيدة زوجته لصمت وانتظار.. أسابيع قليلة مرت، ومات عبد الرحيم فجأة بلا مرض يذكر، الطبيب الذي شهد ساعة احتضاره، قال إن جسمه صحيح، وإن ما به حالة عصب ليس إلا، وفتح فمه مذهولاً وهو يراه أمام عينيه يحشرج ويلفظ أنفاسه.
خلفت زهيدة طفلاً بعد شهور سماه جده يحيى، شكر الكرم الإلهي وقنع بهذا العوض، وكذا خفت حرقة الأسى في نفس الحاجة كوثر، وقد عجبت لهذه المشيئة الربانية التي قضت بأن لا يرى هذا الوليد النور إلا بغياب أبيه، فيما أكملت الأرملة عدتها بالولادة، وأدركت أنها مقبلة على أيام سود إذا هي دفنت شبابها في ظل العجائز، فأرضعت طفلها بضعة شهور وبدأت تتململ وتناكد الجميع، لم تعد تطيق النظر في وجه أحد، وضجرت حتى من طفلها فأهملته أكثر ساعات النهار، والطفل الذي تنقل بين الأيدي أخذ يبكي ويصرخ ويطالب بأمومته الضائعة، إلى أن طفح الكيل فعبرت زهيدة عن رغبتها في الزواج من قريب، ولم تكن تنتظر مشورة من أحد أو موافقة، وما عادت تمكث في البيت إلا سويعات، تترك طفلها وراءها لمن هم أولى به، أو تضعه على يدها وتخرج دون استئذان لتغيب طوال اليوم، وتعود لموال الحاجة كوثر، ويعود القيل والقال.. وعصر يوم ارتفع العويل والصراخ، تقاذفت المرأتان الشتائم والخيبات السود، وبدا كأنه شجار لن ينتهي، ثم اهتز الباب بطرقات وصيحات، ودخلت أم زهيدة الدار لا تبصر طريقها، بكت على ابنتها، وضربت صدرها واختنق صوتها وهي تحلف أن لا تمشي إلا بصحبة ابنتها.. والصبية أتاها الفرج، لمت أشياءها بسرعة مجنونة، وامتدت يدها فالتقطت الطفل الباكي وخرجت مع أمها، الجدة والجد تحسرا على الطفل الذي غاب، لكنهما قالا إنها أيام وتهدأ أم يحيى وتعود، لا بد أن تعود وتربي يحيى في أحضان أهله وفي بيت جده، وطال غياب زهيدة، ثم وصلت أخبار تقول إن في نيتها الزواج، فهي لن تقبر شبابها مع من أخذه القبر، وتحققت الأخبار عندما أرسلت وليدها الصغير مع صرة ملابسه إلى بيت جده، وأرسلت من أوصى به الجدة والعمات.. أم قدري الجارة دخلت على الجدة في الصباح تتلمس الأرض بعكاز، وبلا سلام لهثت راجية :
- يا حاجة كوثر !. داخلة على الله وعليك، لا تخجليني!. المخلوقة أم يحيى نصيبها انطلق.. وهذا الولد.. أولها وآخرها ابنكم..
لم تتركها الجدة تكمل كلامها :
- أعلم يا أختي أعلم.. ما الذي يبقيها ؟.. صبية وفي عز شبابها، وطفلها سيعيش على أية حال.. خليها تروح، الله يسهل طريقها..
وتأوهت بحسرة " عيني عليك يا يحيى ! " ودمعت عيناها.. الطفل الزاحف كان ما يزال يرضع، لم تفطمه أمه بعد، تركته قبل الفطام بشهور، فعاش على حليب الماعز يصبه الحلاب في سطل نحاسي على الباب كل صباح. عندما بدأ يحيى يدوس على قدميه ويتسند على الجدران والكنبات ويخرج إلى صحن الدار، أصبح ألعوبة الأعمام والعمات، فهو من رائحة عبد الرحيم، وهو بديله وشبيهه، الفم والعينان وسحبة الذقن، حلاوته تغرّف القلب، والله أخذ والله أعطى، وصارت القبلة قبلتين، والضمة ضمتين، واحدة للصغير وأخرى للغائب الحاضر.. تقاذفته الأيدي وتقلب في الأحضان، وتشيطن هو وتعفرت، تدحرج على الأرض وتشقلب على الكنبات، وبقي أن يتعربش على الحيطان كما حدثت الجدة التي خافت أن يقترب من هوة الجب في غفلة من الأعين، فأحكمت حاجزاً من خشب مشبك أمام الصغير في ركن القاعة، أو ربطت في بعض أوقات النهار رجله في حلقة بالجدار. وبقيت في الإيـــوان غرفـة العريسين، أبيه وأمه، بكامل جهازها من الفضة والمخمل الخمري، لم يمسسها أحد، الآن بات يحيى ينام فيها، بعد أن نصبت وســـطها أرجوحة عميقة، يغفو يحيى على الأيدي فينقل إلى سريره هنالك.. لكن " ساعة القدر تعمي البصر " أضافت الجدة، ففي الليل سقط الصغير من الأرجوحة، وكانت هي في أحلى نومها، فقفزت على الصوت وارتطمت بأحلامها فتعثرت، مسحت كفًّا بكف وصاحت صيحتها: " فرط الفارط " فقفز الجد بدوره إلى ما بقي من الفارط فلمه وهرع به تحت جنح الليل إلى المجبِّر عازار في جادة الخندق، ولم يلمسه عازار، وقال للجد :
- هذا الطفل يبدو أنه مصاب بارتجاج في المخ يا حاج ! خذه إلى أنضونيان.
وجرَّ الحاج أكرم شيخوخته وأحزانه وأخذه في اليوم التالي، وطيلة الأيام التالية، إلى أنضونيان والضاشوالي ثم إلى فريشو الذي طلب ثمناً باهظاً لعلاج غير مأمون النتائج، ولما ازدادت حالة الطفل سوءاً لجأ الجد إلى المشايخ المأذونين أبناء الجدود، قرؤوا له وكتبوا الحجابات، ولم ينقطع الطفل عن البكاء لا في ليل ولا نهار، أفسد حياة البيت الكبير، وألبس الوجوه سحنة كآبة ونكد، نظرت الجدة إلى ما بقي من أثر ابنها عبد الرحيم وتحسرت، لم تصدق ما جرى في أشهر قليلة " أين كان كل هذا مخبأً يا حاج ؟!. " حركت أرجل يحيى الرخوة و بكت مع بكائه، وعدت نفسها سبب ما حل به، فدارت كل أوقاتها على الأضرحة وعصبت عليها المناديل الخضر ونذرت النذور، وجاء بعدها من نصح الجد بالسفر إلى بيروت، فسافر يحمل الطفل الباكي وقد اشتدت حرارته وبات يهذي في نومه وصحوه..
في بيروت أخبره الطبيب الألماني أن الطفل مصاب بشلل نصفي على أثر السقطة، وبالحمى الدماغية من بعدها، وأعطاه العلاج الذي عاد به إلى حلب، بعض حبوب وشراب، وكرسي متحرك صغير، تمَّ استبداله بعد سنوات عندما دخل الصغير يحيى سن المراهقة، ولم يلتفت أحد بعد ذلك إلى ضرورة استبدال الكرسي بآخر حتى بعد أن أصبح يحيى شاباً تحشر عمته فدوى جسده بعسر في كرسيه.


***


- 5 -

هُجرت غرفة العريسين التي في الإيوان، تطيَّر الجد وأقفلها بالمفتاح وأقفل على المفتاح في خزانته، ثم أمر فنُقِل يحيى إلى حيث يكون على مرمى العيون، بين الجدة والعمات ونسوان الأعمام وبناتهن..
يحيى بكر الأبكار بين أحفاد الحاج أكرم، لم يشهد أحد من أبناء عمومته طفولته الأولى ولا المتأخرة، لأن حبل البنات كرَّ بعده، ففي السنوات التالية كانت قد تجمعت خمس من كنات الحاجة كوثر، التي زوجت آخر العنقود ابنها سعيد، فتم لها ما تمنت على حياة عينها، لكن الغصة تظل تلاحق الحلق وتنغص الروح، فكل كنة وضعت بكرها بنتاً، ثم دفعت المركب الغرقان باثنتين أو ثلاث، أو بتوأم مسفَّقات.. الأمر الذي جعل الحاجة كوثر تنظر إلى زهيدة أم يحيى بإكبار وتحفظ لها مكانة خاصة في قلبها، على الرغم من كل الذي حصل، فكله بأمره سبحانه، لكنها في كل حين عادت ونظرت إلى يحيى كمتاع مهمل لا نفع فيه، وسرحت طويلاً مع الأحلام، طال الانتظار، كأنما أصبح مجيء يحيى السكين الذي قطع نسل البنين، واشتدت لهفة الجد الحاج أكرم إلى مولود ذكر " خمسة شباب، عين الله عليهم، كل واحد يسد الباب، لكنها كتبة رب العالمين، هذا حظهم بالنسوان، ظهر رخو وتخلفة بنات ! " من جهته لم يبخل بالتسبيحات والأوراد، والباقي على الله، بعد حين ضاق هو والحاجة كوثر بالبنات، ومكث وإياها مع البنين ونسائهن في انتظار ثلاثة بطون توشك أن تضع حملها، ودعا أبناءه جميعاً بعيد صلاة العشاء لقراءة ( المنفرجة ) رددها الأبناء بخشوع مع أبيهم، ثم وصلوا إلى الختام، فارتفع صوت الحاج أكرم منفرداً هذه المرة بعبارة : " وإذا بك ضاق الأمر فقل " : وردد الأبناء بصوت يصدح :
الشدة أودت بالمهج
يا ربِ فعجل بالفرج

لكن مشيئة الله فوق كل شيء، فأنا أريد وأنت تريد ويفعل الله ما يشاء وما يريد. ففي بحر أسبوعين اثنين انضمت ثلاث بنات جديدات إلى أخواتهن وبنات عمومتهن. القريبات والجارت اللواتي زرن النفساوات جئن عرفان خاطر لا تهنئة، فالواجب واجب، لذلك فقد قبعن صامتات كما لو أنهن في مجلس عزاء، ومرت أيام النفاس كأنها أيام مأتم، أصبح الصمت ملجأ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ملاذاً، وأصبحت الزائرة إذا ما امتنعت عن شرب كأس الشاي الوحيد المقدم إليها ضيافة، تزيد بعبارة " نشربه يوم الصبي إن شاء الله.. ".
حزن الحاج أكرم وفقد شهيته إلى أي طعام، وصار إذا تبلغ بلقيمات قليلة فإنما يفعل للتقوي على طاعة الله، أما إذا دخل آخر النهار إلى البيت بكيس خيش مليء بالباذنجان الأسود، وطلب من الحاجة كوثر طبخة محشي ليوم الغد، فإنما ليدل على أنه رافع راية التسليم، راض بما قسم الله، وأنه لا اعتراض على حكمه.. لكن الأبناء لم يستسلموا، نظروا إلى الأمر على أنه مدعاة لمنافسة يجب أن لا تقف دون حسم، وطال شوقهم إلى الصبيان، استمعوا إلى نصائح العطارين، نقلوا إلى البيت أكياس المكسرات والزبيب والجق بلبل، التهموا الأطعمة المقوية من كبدة ونخاعات وبيض غنم، وناموا في كروم الفستق مع زوجاتهم على ضوء القمر، وكذا النساء فككن سحراً وأبطلن كتابة ونذرن النذور، ثم جلسن على مرأى ومسمع من يحيى، يستمعن بإخلاص إلى همسات أم قدري ونصائحها ووصفاتها المجربة :
- حضري العفيسة بالسمن يا شكرية، وفتوا الخبز المقمر يا بنات.. حتى ناكل الأول ونبدا نحكي على رواق !.
وتنهمك أمهات البنات بإكرامها، يقدمن إليها دقماقاً ساخناً مرشوشاً بالقرفة فتمسك به بكلتا يديها، تعود وتطلب مزيداً من السكر فوقه :
- أوف شي بيشهي، عقبال ما نتحلى بيوم الصبي.
وعندما تذوب أولى اللقيمات في فمها تبدأ تغني موالها، فتدخل في حديث تحوطه الأسرار، وتبدو لهن الداهية العالمة، لكنها تضن بما تعلم، فتظهر وتخفي، تؤمل الواحدة منهن بكلمات، وتأتيها في اليوم التالي بأخرى جديدة، حتى نطف قلب الواحدة على شقفة صبي، لكن ما باليد حيلة، فليس ثمة إلا البنات، لا اعتراض على حكمة رب العالمين، " يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور " يردد الشيخ صبري في كل مرة الآية الكريمة على أسماع الحاج أكرم داعياً إياه إلى الصبر والرضا بما قسم الله، فيسارع الحاج أكرم إلى تصديق كلمات الله سبحانه، ويقول إنه طامع في عفوه وكرمه، شأن كل عبد فقير ضعيف لا حول له ولا قوة :
- من نحن حتى نعترض يا شيخي، أستغفر الله، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار. عندها يبتسم الشيخ صبري، ويعلم أن كلماته قد مشت في رحاب الهداية الربانية.. لكن الحاج أكرم ما دام أقرَّ بأن العبد ضعيف، لذلك فهو يظل على الدوام يفكر في شأن هذه التخلفة الغريبة التي جعلت البنات فحسب يملأن البيت، القاعة وأرض الدار والمربعات العلوية، أينما درت والتفت تقع عينك عليهن، يتسلقن على الأدراج ويزحفن بين الأرجل، ويبكين في القماطات، " الله لا يكثرهن على عبد !. " قالت الحاجة كوثر وتأملت في هذه القسمة الربانية هي الأخرى، كانت قد حفظت ما رددته النسوة طويلاً : " المرأة مثل البستان، فيه الأخضر وفيه اليابس، وفيه الحلو وفيه المر، وفيه الأحمر والأصفر والأخضر !.. " فما بال كناتها لسن كما البستان ؟!. لماذا قدر عليها أن لا تجد في بساتين كناتها إلا الفصة والبقلة والتوتة المستحية !. وغير مرة أطلقت دعوتها المأثورة خلف البنات الصغيرات وهي تراهن يدرجن أمام قدميها الحافيتين ويعقن تحركها :
- الله يستركن بالموت، يا الله..الجبانة كبيرة والرب كريم!.
قالتها من قلب محروق،وتفحصت في يأسها وحاولت أن تجد مخرجاً ما،ويبدو أن لا أمل، فحتى يحيى على كرسيه،أصبح بالنسبة إليها أشبه بأنثى وادعـة،تحدث النسوة وتقول بإشفاق :
- انظروا بالله عليكن إلى هيئته !. أما كان الأجدر أن يكون بنتاً ؟!. وجه أبيض مورد، عليه زغب ناعم كغبرة السفرجل، عينان سوداوان بيفتنوا الراهب في ديره، شعره الأسود المسبل، يداه البضتان، أصابعه الناعمة كأملود السكر.. ماذا فيه من الذكر بربكم !. ماذا بقي من الصبي فيه !. نصفه الأسفل ؟!. آه يا حسرتي رخو مثل خرقة، يا فرحتي على البياض والسواد.
كل ما في يحيى دفع الجدة في كل حين إلى خيبة تلوكها بين أسنانها بمرارة وترفض أن تبتلعها، تقذفها مع سيل من السخط الأسود يندب حظها وعيشتها التي كالقطران، وفي كل مناسبة عادت تطلق عبارتها : " همُّ البنات للممات ". وأحست أن وجود العائلة نفسه قد أصبح مهدداً، وأحست بمسؤوليتها الكبيرة في ذلك، فهي التي خطبت وهي التي انتقت، فخلَّف ذلك عقدة معقودة بين حاجبيها، لازمت وجهها ونظرتها اليائسة، وساعات سعدها ونحسها، وكأنما وجدت كناتها أدعى لمثل هذه النقمة، فصبت عليهن جمرات من لهيب حرقتها، وهن رددن بلؤم يزيد في ضرامها :
- لماذا لا تحمدين ربك على العافية والخلقة التامة، بنات، نعم بنات !. ماذا أفادك الصبي إذا كان سيقعد في خلقتك مثل قفة الهم طول عمره، مكرسح، سبحان الله في حكمته، عارفك وناتفك !. لكن هالحظ حظنا نحن مو حظك..
ولما كان الحظ حظهن فقد أقبلن على الصغيرات بالشتائم والعضات وشد الشعور، فأنتِ سدِّي حلقك، وأنت تخوزقي في أرضك، وللأخرى : سكِّتي أختك تعدميني أنت وإياها.. وإذا ما اشتد صراخهن معاً في وقت واحد تصير الحاجة كوثر فجأة على حافة الجنون، تشتعل شرارة ما وتمتد، فتحرق الكنات وأزواجهن والبنات وساعتهن.. تكتم الكنّات أصوات الباكيات الصغيرات ويختفين من وجهها في بيوتهن، لكنها، ووسط مثل هذه الحرائق اليومية، لم تستسلم، ظلت ترتد إلى ركن ركين في نفسها وتتعلق بخيوط أمل، خيوط بدت لها قوية، وأيقنت على الدوام أنها ما تزال تمسك بها جميعاً، كان شعور قوي يسعى في داخلها بهمة لا تعرف الهوادة ولا الاستسلام، شعور طاغ تتلامح فيه أيام البنين قادمة، تلوح بالبشائر البيضاء، وأصبحت المسألة في نظرها مراهنة، وهي مراهنة واثقة، باتت تدخلها في كل مرة بثلاثة بطون على الأقل، أو ربما بخمسة دفعة واحدة، " وعانديني يا أيام إذا كنت تستطيعين !.. "صحيح أنها كانت تعلم أن المعركة ستنجلي عن مزيد من البنات ينضممن إلى السبحة المشؤومة، لكن عينيها كانتا تطيران نحو حبة المنى والسعد، وكانت قد أخذت منذ الزيجة الثالثة تسأل بصورة أدهشت أهل المخطوبة عن عدد الذكور والإناث في العائلة،وفي أقرباء العائلة من الأعمام والعمات والأخوال والخالات،وأم قدري بقيت تنفث في أذنها عن أن العرق دسا س إلى سابع جد،وهذه عائلة ذكور، وهذه عائلة إناث.. وبدأت الحاجة كوثر تركن طويلاً إليها، إلى وليفتها وبيت سرها، تسألها في حل لهذه البلايا، وأم قدري تخرج الحلول المخبأة وترد:
- الحل يا أختي بين يديك، زوّجي عبد القادر ! ابدئي.. جسي نبضهن !. الضرة دوا.. جربي !. ما لك حل غيره !.
ويسمع يحيى الهمس من أم قدري، ويبدأ بعدها يلمح للكنات ويكشف الدسائس، وذات خيبة يطق بهن عرق الحيا، وينفجرن في وجه أم قدري دفعة واحدة :
- أنت رأس البلاء كله، خرَّابة البيوت العامرة، استحي على شيبتك !..
والمرأة مشت وراء عماها مذهولة وخرجت من البيت مطرودة على وجهها، ولم ينفع إنكار الحاجة كوثر ولا ترطيباتها في رد الكيد الذي انفجر في وجهها ووجه العم والأزواج والبنات الصغيرات، وأحنت رأسها، ومر لهيب أحرق صوتها، بل أخمد أنفاسها بعد ذلك، فاستكانت إلى تسليم عاجز ودخلت في صمت أشبه بصمت الناسكات، إلى أن أفل عهد وبدأ عهد جديد، الآن طلع عهد الذكور، وأشرقت الأنوار :
- أرينا ضحكتك يا أم عبدو، ربي ما يحرمني من هذه الضحكة !. خلصنا من المسفَّقات، الله لا بقى يعيدها، حاجتنا..
قالت أم قدري دون أن تستطيع رؤية ضحكة الحاجة كوثر بعينيها نصف المغمضتين، ولا النظرات الشزر التي رمتها بها الكنات، فقد عدت نفسها صاحبة الفضل الأكبر في الولادة الميمونة، فها قد أثمرت نصائحها والجايات كثار إن شاء الله !."
- خذي تحلي يا عيوني، يا تقبريني، والله تستاهلي صينية حلو خصوصي !.
ردت الجدة بوجه صبوح، هنهنت وأطلقت زغرودة طويلة، ثم صاحت باسم شمس الدين، أطلقته على المولود مستبشرة بأيام جديدة ينطفئ فيها ظلام البنات إلى غير رجعة، ويطلع نور البنين.
***
- 6 -

طلع شمس الدين، أول مولود ذكر بعد يحيى، وانتظم بعده عقد الذكور، أصبحوا في سنتين بمقدار عدد أصابع اليدين، وفاض الحليب مع العسل، رضعوا وزحفوا ثم درجوا في وقت واحد، أزهرت بساتين الحاجة كوثر وتدلت فيها الثمار، وتسألها أم قدري عن حالها الآن فترد :
- الحمد لله !. من رضي عاش، إيه.. مرت علينا أيام عزا ونيل وعكر قناديل.. ابن آدم لجوج !.
ولكن راحـــت السكرة وجــاءت الفــكرة :
- حرام !. حرام يا يحيى تكون مثلهم تطلع وتدخل وتملي العين ؟!.
أصبحت الحاجة كوثر كأنما نهلت من الآمال جميعاً، ونولها الله مراد قلبها، إلا هذا الذي ظل في ركنه يصدمها في غدوها ورواحها، يذكرها بالغصن الذي انكسر، وبالحطام الذي تراكم في الروح كل تلك السنين.. بكل هذا الرماد المنطفئ في قعر المنقل الصدئ..
كان مجيء شمس الدين نقطة تحول في حياة العائلة الكبيرة، بل في حياة يحيى على وجه الخصوص، فقد انتقل من عالم النساء والبنات، من الشعور الطويلة كجزات الصوف أو المكانس الناعمة، ومن الفساتين إلى ما تحت الركبة وألوان زعابيط البنات وحبساتهن والأمشاط والمرايا الصغيرة والكبيرة.. إلى مشهد جديد لم تألفه عيناه، أصبح يرى كائنات ترفل على هواها بحرية، برؤوس صغيرة حليقة، وبأقدام حافية، وربما بلا لباس يستر نصفها الأسفل، دون أن تثير استياء أحد، لا بل أخذ يلاحظ مدى ما تبعثه من انبساط وبسمات ارتياح في وجوه الجميع، وصار يتأمل جدته وهي تضحك من قلبها وحولها الصغار تطعمهم بيديها، وكيف انحلت عقدة ما بين حاجبيها، فردتها إلى شباب حلو منعَّم. صبيان اللفائف والقماطات، أبناء الأشهر، يهجعون في صمت الأسرّة بعيونهم المكحلة، وفوقهم أردية مغربلة تمنع أذى الذباب، وفي لفائفهم تعبق رائحة الدريرة والصابون المطيب، وبين الثنيات اندست الأحجبة، وعلى الصدر تعلقت أكف الحسد وقطع الشبة والخرزات الزرق ترد عين الحاسد، وبالقرب وقفت الصغيرات أخوات الصغار يهززن الأسرّة برفق أو يحركن بأيدهن كشاشة الخيزران لطرد الحر والذباب، وغير مرة أثار استياء الجد منظر إحدى الكنّات تدفع بوليدها إلى الجارة أو الزائرة تريها إياه لتطلب مراد قلبها، فأوصى بغضب :
- هذا ماهو للفرجة، ماهو لبحلقة الطالع والداخل والعياذ بالله !.
وتسرع في الحال أكثرهن خشية واتعاظاً إلى أمها لتصب لصغيرها فضاضة، وقت التسميع قبيل صلاة الجمعة، ثم تضع غطاءها على رأسها وتخرج لتلقي بنتف الرصاص المفرقعة في عيون الحساد على أربعة مفارق للطرق.. أما الصبيان الأكبر سنًّا فقد انطلقوا يلعبون مثل شياطين صغار، ليس من ملابس ضافية تستر أبدانهم، كما كان يحيى يرى البنات، بل بات من المألوف أن يرى الصبي راتعاً بعريه بعض الوقت، تتلكأ الأم في تحفيضه أو تتشاغل قليلاً أو كثيراً، حتى تعود إليه حين يخطر في بالها، وبعد أن يتفندل، فتلبسه سرواله أو حفوضاته.. وأصبح الصغير بعريه مدعاة للتحبب والتندر، أو للمداعبة اليدوية والعض، وربما امتدت يد أمه فجذبته في إحدى جائحاتها العاطفية أوفي لحظة غرفان قلبها، ورفعته إلى فمها على مرأى من الجميع وباست حمامته أو عضته من مؤخرته البضة عضة أشهى من مذاق الفستق، ثم بعدها ألبسته بسرور سرواله وفانيلته البيضاء ورشت ماء الكولونيا على كفيها ومسحت رأسه ورقبته وما تحت أذنيه، وأنهضته ثم أطلقت سراحه ليلهو مع الصبية الآخرين. أما يحيى فقد نظر من على أريكته إلى الصغار بعين الفرح، تعلق بهم وهام، قبَّل وجناتهم الصغيرة، ومسَّد الزغب النابت على رؤوسهم الطرية، كركرهم وداعب حماماتهم المحمرة وهم يفكون أمام عينيه، وسمى كيس البيضات أسفلها " أجراس الفضة "، حملهم أكثر الوقت على ساعديه القويين وهدهد لهم، ضمهم إلى صدره وخشي أن يتقصفوا كعروق غضة خضراء، سقاهم حليباً وأطعمهم، النوم في أحضانه فلا بد أن يبث في آذانهم الأغنيات والحكايا :
- خذ يا يحيى.. الله يوفقك، هذا الصبي لا ينام، هلكني والله من كثر البكاء !. تقول امرأة العم وتدفع بصغيرها وتذهب.. ويحيى يمسك بالصغير يطبع على خده قبلة ويهزه على يديه فيهدأ الطفل ويناغي في حضنه بفرح، كأنه رد إليه الروح، ثم يقول :
- ما بتعرفو تساسو الولد، المسألة ما هي كيميا، بدها حِنِّيَّة، وبعدين يا جوع يا موجوع !.
وهكذا وجدهم في فترة لاحقة كقطيع أغنام الراعي، وتهيأ له أنه الراعي لهذا القطيع من الخرفان الصغار، يسمع ثغاءهم وينتشي، يجمعهم حوله ويحكي لهم الحكايات، وهم قد انشدوا بأبصارهم إليه، فسكنوا وقد شغلهم صوته الآسر، عيناه وحركات يديه، يبدأ يحيى مجلس الحكايا باستعادة كل ما سمعه من الجدة أسوم، يخرج من حكاية الكذب ويدخل في حكاية الغولة والنعجات، ثم يصل إلى حكاية الخمخوم، راودته فكرة الراعي بقوة ورأى في منامه حلماً يتكرر، وجد فيه قطعاناً من الأغنام تملأ السهول الخضراء، وصاحبها الراعي يستتر بصوفها من رياح باردة، وبات بعدئذ كلما رآهم أمامه يملؤون أرض القاعة أو الدار فكر أنه المعني بهم، أنه الراعي وأنهم خرفانه، سيحلو له أن يسرح بهم في الجبال ويغني لهم بالمزمار، يتدثر بالفروة من أصوافهم ويشرب من حليبهم في الصباح، تماماً مثلما سمع في حكايات الجدة أسوم، أو مثلما رأى في الأحلام، وهكذا غدا يحيى من جيل وهم من جيل لاحق، وعندما نشؤوا وتطلعت أعينهم إلى هذا الراعي، وجدوا أمامهم فتى يخطو أولى خطواته في عهد الشباب، لكن دونما أقدام، كان في كل أوقاته جليس البيت حتى عدوه ركناً من أركانه، شيئاً من خشب الكنبة أو لون الجدار الحائل أو طعم الشاي بالمسك المعتق في الكؤوس.

***
- 7 -

دخل يحيى عهد الشباب بوجه مليح عليه سيماء أنوثة، كان حتى ذلك الحين قد أمضى شطر حياته الأكبر بين النساء، بين البنات والصبايا، بين الجدات والعمات والجارات، وأصبح كل من يشاهده لأول وهلة يتهيأ له أنه أمام صبية من صبايا البيت، صبية مرتاحة تهدأ في أحضان النعمة والزينة، لذلك لم تكن أيٌّ من الجارات أو نساء الأعمام أو بناتهن اللواتي أصبحن صبايا في سنه، لتعبأ بغطاء رأسها أو ثوبها المحسور قليلاً أوكثيراً عما كان يجب ستره.. كان يحيى كأنه استقى من كل أنثى، لفتة أو صوتاً أو حركة وغنجاً، بياضاً وحمرة خجل، أمثالاً وكلمات وطرفاً، والأكثر من ذلك كيد نساء ودسائس وكذباً أبيض. كان قد رتع بعجزه، محمولاً على اللهفة والإشفاق، بل الحب في أغلب الأحيان، في أحضان النسوة وبنات العم، فطلع على الحياة وعلى الشباب، بوجه يزينه ترف أنثوي، وألف من في البيت رؤيته يستخدم المساحيق والعطور وحبسات الشعر، الكحل في العين والزنود بيضاء والأيدي محناة " وهاتي ملقاط الشعرة يا فلانة، ودخيلك يا علتانة أعطني من كريم عرسك، هذا المعطر، وأين علبتي البودرة.. "، غالباً ما كانت عمته فدوى تتدبر شؤونه بعد أن تزوجت أختها فوزية، ثم أصبح لا يكاد يطيق أن يقدم إليه أحد مساعدة سواها، "هي صاحبة الفهم والذوق، وليس بعد حنانها حنان " يقولها يحيى لكل من تحاول أن تعرض خدمة أو تدلي له بمعروف، ولو كان صب كأس من الشاي، وهو يحس به جبران خاطر أكثر منه أي شيء آخر، لذلك لم يكن ليقبل أن تقارن عمته فدوى بالأخريات.. في العصر صيفاً كانت تدفع بكرسيه في أرض الدار، ثم تركنه هنالك تحت دالية الحصرم ليشم الهواء ويتسلى، عندما تغيب الشمس تحركه إلى الحائط الغربي، فيقبع هنالك ساعات يعب من النسمات وحكايا الجدة أسوم، وتعود فتدخله في ركنه عندما يحل وقت النوم.. وهكذا يمضي ساعات النهار على كرسيه، يأكل ويشرب ويقضي حاجته في قارورة، وإذا كان ظهر الخميس أفرغت العمة فدوى بيت القاعة، وقامت بإغلاق الشبابيك والدرفات الخشبية، ثم نقلت إلى البيت برميل الماء الساخن، وشطفت عتبة البيت ثم أخذت تحمم يحيى المستسلم ليديها الحانيتين وكيس تفريكها العذب، يتلقى فركاته على ظهره بلذة يظل يستزيد منها، ثم يحشو شعر رأسه بالبيلون ويدعك، وهي تهيل عليه طاسات الماء الحارة وترغي الصابون، وتعيد الكرة حتى يصير جسده هذه المرة مثل الشوندرة الحمراء، وعندما تفتح النوافذ يكون يحيى في ركنه ملتفاً بالمناشف البيضاء، يطلع منها وجهه الزهري المنور، وهو يرشف بعذوبة كأساً من شراب التوت أو الليمون..
النساء زوجات الأعمام ألفن وجوده وأفضين إليه بنتف من أسرار، حضنها وطاب له القيام بدور المؤتمن، عجب لعالمهن المليء بالمكائد والغيرة والحسرات، أصبحن فيما بعد يكدن له، يحكن الدسائس الصغيرة ويضحكن، ووجد نفسه بعد حين يضيع بين الأكاذيب، يغرق في الوشايات والنمائم، هو يعلم ما يعلم لكنه يجدهن أمامه " سمن على عسل، أخوات وحبايب.. "
في آخر الليل يصحو السهر، ويكون الصخب قد هدأ فيدخل الكبار قبل الصغار في نوم بلا أحلام، أما يحيى فيجلس من جديد بعد أن أوى إلى ركنه على الكنبة، ليبدأ سيرة الليل، ليل بأحلام يصنعها على هواه، الجدتان أسوم وكوثر تتناوبان الصحو والغفوة أمامه، فدوى مستلقية في فراشها في الركن الآخر، بعد يوم كأنه الفناء.. أما هو فقد أخذ يقلب كل المحطات في مذياعه، يبقي صوته الناعم على مسافة قريبة منه فحسب، ويجول في المحطات فيتسمع إلى التسالي والمنوعات، ويتسلل هنا وهناك بحثاً عن اسكتشات أو تمثيليات، ثم يطلق ضحكته الكبرى وهو يعثر على مقطع من حوار فكه بين أم كامل وأبو فهمي، عندما يمتد السهر يحلو له أن يجعل مسك الختام أغنية طويلة لأم كلثوم يستخرجها كالساحر في أي وقت يشاء.. في آخر النشوة والهيام تلامس أسماعه أولى نحنحات المؤذن للسلام الأول، فيداعب جفنيه النعاس، يقرب كرسيه بيديه من الكنبة ويميل نحوها بجسده ثم يستلقي، تصحو الجدة أو العمة فدوى في تلك اللحظات فتساعده إحداهن برفع قدميه على الأريكة، يتمدد على ظهره وينام، ينغمس في أحلام ستكون فاتحة ما يسلي به خرفانه والأمات النعجات في النهار، لكنها أحلام لا تشفي الغليل، أحلام مبتورة مقطعة، لأن نومه نوم متقطع، نوم خفيف غزلاني كما تقول الجدة كوثر، ينام على حشية قطنية فوق الكنبة، وفي الصباح الأقرب إلى الظهيرة يفتح عينيه ويتثاءب، تمتد يده الناعسة فتطق زر الراديو، ثم يجلس فيعتدل على كنبته بتكاسل، يتمطى بالطول والعرض، يثب إلى حضنه القط الكموني، يداعبه قليلاً فيهر بين يديه، يدغدغ رقبته وأسفل ذقنه ثم يدفعه بكفه فيسقط أمامه وينظر إلى وجهه بثبات ويموء، العمة فدوى تصبّح عليه بالخير وتساعده في الانتقال إلى كرسيه، تأتيه بصحن ماء فيغسل وجهه ويجففه طويلاً بالمنشفة، لكنه يبقي شعره الأسود مبللاً مبعثراً، ثم يدعكه بيديه ويخرج مشطاً من جيب سترة البيجاما العلوي ويبدأ بتمشيطه وصقله إلى الوراء، وبعد ذلك يمر برؤوس أسنان المشط على غرته الكثيفة ويسحب برشاقة بعض خصلات على جبينه، ثم تمتد يده بآلية إلى جيبه الآخر، فيخرج مرآته الصيني المدورة ويصلي على النبي على هذا الجمال، وجه بيضوي أبيض مثل البدر، على خده خال، وشارب خفيف بدأ بالظهور، يقرب فمه من المرآة ويلثم صورته، فسبحان الذي صور.. في ذلك الحين تتحرش به النسوة، ينضممن إلى الحلقة ويبدأن الغمز واللمز ثم الملاغفة، تبدأ سيرة النهار كما تقول الجدة، وتنقضي الساعة بحلقتهن تحيط به، يستمعن إلى الأغاني ويشاركن في الغناء، تندفع إحداهن إلى وسط القاعة وترقص، تنضم إليها الأخرى، وثالثة، ويحيى يصفق أو يوقع على الخشب، وإذا شاش الغرام تنزل الدربكة من على رفها ويشتد الخلع.. في أعلى السرور يصلن إلى القفلة :
- أنت فنان يا يحيى وتمثيلك ما له مثيل، بلا أفلام بلا سخام، تقبرني عينك يا يحيى ابدا..
تقول العمة فوزية ثم تؤيدها الأخريات فيدفعنه ليلبي رجاءهن ويقوم بأحد أدواره :
- تقبرني يا يحيى، والله بتصير تغرّف القلب، خذ من هذا وشوف، جرِّب !. تقول إحداهن وتدفع إليه بعلبة زينتها، وأخرى بحنجور عطرها وثالثة بمبرد الأظافر وملقاط الشعرة، يتضاحكن حوله ويتغامزن، ويحيى يبتسم بخفر البنات، يأخذ من كل يد، يستخدم بدراية كل هذه الأشياء، بحركات أصابعه الرشيقة يكحل عينيه ويزجج حاجبيه، يدهن وجهه بالكريم وأحمر الخدود ثم يضيف أحمر الشفاه، تخلع إحداهن على صدره كردانها الذهبي، وأخريات يملأن زنوده بالأساور، وتتعلق أبصارهن به حتى ينتهي فصل الزينة، ويبدأ بعدها أداء الدور المنتظر، تمثل نسوة الأعمام دور الخطابات، يدخلن القاعة على حين غرة بالملاءات السود ويجلسن أمام يحيى على الكنبة المقابلة ينظرن في وجهه بانبهار، ويبدأن يناغشنه بالأسئلة والتلميحات، وهو يبتسم بخفر ويواري خجله، ثم يطلبن يده / يدها، من عمته فدوى، تنهض واحدة، تتقدم منه وتشكل وردة في شعره الأسود، أو تعلق في رقبته طوق ياسمين.. وابنتكم مثل القمر، سبحان من صوّر ! ويا أختي نحن جايين وطمعانين، وهنا حطنا الجمّال.. وكلمة من هنا، وكلمة من هناك، وتجيب عمته فدوى :
- يا أختي ليكلم الرجالُ الرجال، لكن قبل ذلك يجب أن نسأل عنكم، سوا ؟! وتجيب الخطابات :
- سوا أختي سوا ! اسألوا ! هذا حق، ومتى نأخذ ردود الجواب ؟
ويرف يحيى برمشيه فتنفجر ضحكة إحداهن وتسري عدواها إلى الجميع، وتنقضي حفلة اليوم فتنهض النسوة مخبئات حفنة من ضحكات لحفلة الغد.
بعد اللعب مع النعجات الحلابات كما يحب يحيى أن يسمي زوجات أعمامه، ينادي على خرفانه، يصيح على أحد الصبية بلقبه، يتخير أحداً ما دون الآخرين، فهذه المرة يجد السّلال خير من يؤتمن، وفي مرة أخرى يصبح في نظره منحوساً مثل فار الحبس، فتعال يا حلّي !. ويخرج من جيب البيجاما فرنكاً أو فرنكين، ويرسل في شراء الناعمين أو البالوظة الشقراء أو البيضاء من رأس الحارة " لا تذهبوا إلى الساحة، عند أبو خليل أطيب ! " يذهب أحدهم ويعود بنصف قرص ناعمين، أو بقطعة بالوظة استبيح أكثر من نصفها، ويأخذ يحيى مأكولاته بيد ويمسك بالتلابيب باليد الأخرى، وشدة أذن وكف على الرقبة وتنقضي الحكاية..
يلتفت إلى المذياع الذي لا يزال يشتغل على هواه حتى ذلك الحين، ينتبه إلى ذلك المنسي القابع بجانبه يهدر بما يصدع الرأس، وقد جــــاء الآن دور التسلي والنغم، " جاء دورك أنت!. ساعة لقلبك وساعة لقلبك " يقهقه للمطابقة التي جعلها بين عبارتي المثل، ويدير الزر ويدفع بالإبرة حتى يصل إلى الأغنية التي ينتظر، و " اصمتوا واسمعوا، ويا عيني عليك يا فريد، يا أبو الطرب، واسمعي عمتي اسمعي وادعي على من ظلمك !. هذا فريد معلم المعلمين ". وفي مساء الخميس حفلة منوعات، وأول كل شهر يجمع الكبار والصغار على أغنية جديدة لأم كلثوم، لا همس ولا حركة " اليوم يا عيني غير نغم ! هذه كوكب الشرق هذه.. " ويهيم بصوتها وبالسهر الملوع، يستعيد الكلمات ويدندن معها " واحشني وانت قصاد عيني، وشاغلني وانت بعيد عني.. " وآه يا عين آه ! للصبر حدود يا حبيبي !.. يحيى عاشق، وقلبه في هيام، ولا أحد يدري من هي المحظوظة ! " قل لنا يا يحيى وأرحنا.. " تمازحه النسوة ويتهامسن ثم يطلقن ضحكات كالأجراس، وهو يغرب ويسرح بناظريه ويكتم الأسرار، وإذا ردَّ على كلماتهن يقول :
- لابد أن تحن..
ويلتفت إلى عمته ويضيف :
- عمتي الحكاية حكاية صبر، ومن يصبر ينل.
ويغمز بعينيه ثم يلعِّب حاجبيه ويغني لعبد الوهاب : "حكيم عيون "، ثم يدخل في أغنية " طال انتظاري لوحدي " وتشيح العمة فوزية بيدها وترد عليه :
- اصبر ابن أخي اصبر، ما بعد الضيق إلا الشدة !..
وتضحك النساء ويقول هو :
- لا !.. أحرقتِ الطبخة يا عمتي..
وترد هي :
- ليش ما بتعرف.. بعد الصبر ما في غير المجرفة والقبر.
في العصر أو وقت الظهيرة يتسلل الصبيان إلى يحيى، يغتنمون وحدته وتشاغل النسوة، تتحلق خرفان القطيع حول الراعي، عقب العودة من الشيخ أو المدرسة، ويبدأ فصل المزاح والنكات وحكايا الأفلام والأحلام، هو وضع لهم كعادته ألقاباً يناديهم بها حتى نُسيت أسماؤهم الحقيقية أو كادت، ما أن يطلق يحيى لقباً حتى يلبس صاحبه لبساً، كأنه مفصل عليه، لم ينج أحد من ألقابه، الكبار والصغار معاً، حتى زوار البيت من الأقرباء والأصحاب والجيران، لكل لقبه، يكفي أن ينظر إلى أحد ما مرة، ربما من النظرة الأولى، حتى يطلق اللقب، ويضحك من يسمع ويعجب لشدة المطابقة بين اللقب وصاحبه، بالنسبة إلى الصغار جميعاً باتوا يُعرفون بألقابه التي أطلقها عليهم، من مثل : الحلي وشامي كابور وأبو الزيتون والكزبري والسّلال وأنا ديغول حبوني.. أما البنات فكان يتفنن في ألقابهن كأن يقول لإحداهن زرقاء لأنها سمراء بشعة، وللأخرى فسفسة إذا كانت ضئيلة الحجم، وللثالثة فرتيكة إذا كانت صغيرة تزحف بين الأرجل، وفطوم المغربية لمن كانت جميلة بهية الحسن، وألقاب أخرى كثيرة.. فعمته فدوى يحلو له أن يناديها خاتون، وصبوح امرأة عمه سعيد التي تناكده وتتشاجر معه من الصباح حتى المساء يسكتها بقوله :
- ننوش صارت تعرف الحكي.
ويجن جنونها عندما تسمع بكلمة ننوش، ولا سيما بحضور سلفاتها أو إحداهن، فتشتمه وتضربه على ظهره بقبضتها وهو يضحك حتى يحمر وجهه، وفي حال كانت هزيمتها أمامه أكبر سرعان ما تطلق سلاحها الأمضى :
- اسكت ولاك ! كسيح الجن..
مما يجعل يحيى يصمت حزيناً بقية النهار وفي عينيه نظرة عتاب مرة، كلمة واحدة تبدل حاله، ترميه في العبوس والصفن، لكن الصلح هيّن :
- لا تقلب سحنتك كرمال الأجاويد !.
تقول صباح وتعود فتسترضيه بحفنة قضامة بالسكر أو حبة مسكة تشيكليتس، فيأخذ منها ثم (يفقشها) بأي كلام كأن يقول:
- كفي بلاك عني أرجوك !. فالكفتان غير متعادلتين أصلاً، أنا وزن وأنت وزن، وإذا غلبتك لا فخر لي، وإن غلبتني يا مفعوصة، صارت فضيحة الدهر، هاتي !. سماح هذه المرة، وإذا كان عندك ذوق أصلاً تفهمين.
فتنقض على يده تحاول أن تخلص منها ما أعطته إياه، بعد أن سمعت ما سمعت، ثم تدعو عليه بالحمى، فيعود ويضحك كمن يكركر في خاصرتيه.
وتدخل الجارة العجوز أم قدري تشفق ببصرها تشفيقاً، قيقول يحيى لجدته : خذي جاءتك قفة الهم.. فترد الجدة بصوت خفيض : هس استح ولاك.. لا تبهدلنا.. كانت أم قدري تأتي لزيارة الجدة كوثر فتمضي بصحبتها شطراَ من نهار، لكنها تقول:
- أنا لم آت إلا لأزور يحيى..
ثم تمسك بيد إحداهن لتقودها إليه،فتدلق في حضنه حفنة من حبيب الآس أو أبو فريويه أو كيس يوسف أفندي، ثم تضع راحتها على رأسه وتبقيها،من أجل الثواب،فهذا يتيم..ولم تشفع لها كل المأكولات التي كانت تجلبها إليه،إذ سرعان ما ألصق بها لقب (أم عمايا) فغلب عليها،وعرفت به في كل زقاق وحي.
وحتى الجدة كوثر لم تسلم من ألقابه،فقد أطلق عليها في وقت متأخر لقب القرمة،لكنه لم يكن ليتفوه به في حضورها،كان يهمس للنسوة بصوت أقرب إلى الفحيح،وهو يراها تهم بدخول القاعة:
- هسّ جاءت القرمة !.
وينخرطن بالضحك، وهن يسمعن في العبارة ما يشبه تقليد صوتها، وفيما هي تدخل يبلعن الضحكات، فتتوجه الحاجة كوثر إليه بريبة وتقول :
- ماذا كنت تقول يا منحوس ؟!.. والله شغلتك ما هي نظيفة..
ويضحك يحيى مقهقهاً ويقول :
- لا شيء يا نون، لا شيء وحياة الغوالي، تعالي ! تعالي اقعدي جنبي، هنا يا روحي على الكنبة، أبوس روحك يا نون.. هاتي سيجارة !
وهي تقول له :
- حاجتك بلف، وحق ربي الله ما شلَّك بسنة خير !.
وتجلس إلى جانبه فتلف له سيجارة ولنفسها أخرى، تخرج قداحتها الفتيل وتشعل، يطلقان معاً سحب الدخان أو بالتناوب، وينفضان الرماد في صدفة كالصحن بينهما، ويظل يحيى يضحك، فيما تطرد النسوة الدخان بأيديهن ويلعنّه ويظل يضحك..
وحتى الحي الذي من حجارة وتراب لم يسلم من لقب، فقد سماه يحيى لانخفاضه بجورة الهم، كما أطلق على الخرابة خلف البيت بالوعة الجورة، لأنها كانت ملفى النفايات والأوخام، وكان في لحظات نقمته على الجميع وعلى نفسه سرعان ما يقول داعياً راجياً :
- كله من جورة الهم، الله يهدها حجرة فوق حجرة.
أما في جلسات التشاور لتسمية مولود جديد، فغالباً ما كانت إحدى النساء تقول :
- لا تتعبوا أنفسكم، الاسم عند يحيى، فلماذا البحث ووجع الرأس..
- ويحيى يضحك بزهو ويقول :
- أنتم سموا بما تشاؤون، وأنا يأتي شغلي بعد.
لكن أجمل ما كان يسلي أغنامه أن يحملوه بكرسيه إلى السطح، عندها تطيب له لعبة الألقاب، يتفنن ويلقي بها عن ظهر قلب، هنالك يطل من فتحة في قرميد الستارة على الزقاق تحته، يتصفح الوجوه والقامات، ويبدأ يلقب الصادي والغادي، وتفقع الضحكات على السطح، ويتعثر الماشي بها وبالنظرات المسترقة، يرفع أحد المارين رأسه ويتحول، أو يحث خطواته للتخلص من هذا البلاء المنصب، وفي المساء يدخل الحاج أكرم مقطباً، ويسرع إلى يحيى، يقف أمامه ويقول :
- هذه شيبتي ما لها عندك قيمة ؟!. كف بلاك عن الناس.. عيب !.
وهو يضحك ويقول :
- يمكن شمبر البابور حكى لك.. موهيك !.


***


- 8 -

" خلونا نتسلى يا جماعة.. هاتوا شوية بزر وتعالوا نتسلى.. عمتي اعملي منفوش واقعدي جانبي حتى نتسلى.. احكي لي أم أكرم دخيل الله ! اشتقت لحكاياتك.. سلينا نون.. ". فصل الزينة للتسلي، وجلسات العصاري تحت الدالية للتسلي، وملاعبة القط الكموني، وهرش الشعر، والدغدغة، ومناكدة النساء، الدسائس، الحر واللوص، كل ذلك للتسلي، وأحلى التسلي الغفوة والحلم المسترق.. " صحوت من أحلى حلمي.. حلو !. والله تسليت.. اسمعوا.. اسمعوا ما رأيت !.. " وكل التسليات بعد ذلك قبعت في قلب هذا المذياع، مدّ من داخله خيط السحر وسحب يحيى، ويحيى سار وراءه، خفَّ وراء التسلي، فتح عينيه في كل صباح مع عين المذياع الخضراء، والتسلي أخذه بعد ذلك بعيداً نحو النغم وسلطنة الطرب والآهات، ثم نحو الأفلام وأخبارها، أُولع في مراهقته الأولى بالسينما، أصبحت كلمة (فيلم) تسحره، سأل شوكت عن دور العرض في المدينة وحفظ أسماءها، نبش هنا وهناك عن أخبار السينما وتاريخها وقصص أوائل الأفلام، أمضى الساعات الطوال وقد ألصق أذنه بالمذياع ونسي نفسه، ومنه سمع قصص مئات الأفلام، واتسع ولعه فلاحق جميع التمثيليات والبرامج الفنية وبرامج المنوعات، ووقف عند البرامج الخاصة بالسينما فحفظ مواعيدها بدقة، بدأ يتحدث بقصص الأفلام ويحذق في سردها، ثم بدأ فيما بعد يلاحق كل ما له علاقة بالسينما، حتى نتف الأخبار، يقتنصها من هنا وهناك، فخلب عقول الصغار والكبار حوله، سحرهم بهذا الشيء الذي اسمه السينما، وأمام أي دهشة يجدها في عين جده أو أحد أعمامه تلومه في هذا الولع العجيب، سرعان ما يقول كأنما يبرر تعلقه هذا ويرفض أن يراجع فيه :
- السينما هي الفن الحقيقي.. الحياة، ما الحياة ؟!. تسلية وحكايا، فيلم كبير يا عمي، ونحن نمثل فيه، فيه الحلو والمر، فيه المليح والعاطل..
لم يدر أحد من أين لحق به هذا الولع، من الصحف والمجلات أم من الذياع أم من شوكت !. واندفع الصبية بدورهم حتى قبل أن يدخلوا عهد المراهقة إلى الأفلام فأصبحت هوسهم، إذا كان قد جن جنون يحيى بالأفلام فلماذا لا يجن جنون الصبية معه، الصبية والنساء من بعدهم، فبعد أن دفع الأبناء على درب الأفلام جاء دور الأمهات، لم تعد تفي حكاياه بالغرض، فأرسل بهن هذه المرة إلى سينما أمبير مع الصبيان، ترددن أول الأمر خائفات، ثم تشاورن همساً، وبعدها وجدن أنفسهن يرتدين الملاءات ويتسللن في غياب الحاجة كوثر.. وأخذت أرجلهن على الدرب، يركبن الترام.. ترن.. ترن.. ترننننن.. فيصل بهن إلى طرف شارع بارون، ينزلن وتزوغ الأعين أمام صالات العرض الكثيرة.. أمام الصور والألوان، الأغاني في الأفلام خلبت عقولهن، أخذن يرددنها، أو يصغين إلى يحيى يرددها مترنماً بألحانها، مقلداً فريد الأطرش أو ليلى مراد أو عبد الوهاب، استلف الصبي من ابن عمه، والأم من ابنها، والعمة من زوجة أخيها، أصبحت الجيوب غرابيل تفر منها القروش إلى شبابيك التذاكر، في حفلة الصبح، ومن ثلاثة إلى ستة، وربما امتدت الجرأة حتى بالنساء صيفاً لحضور الحفلة من ستة إلى تسعة، وجد الصبيان في السينما التسلية الكبرى بعد اللعب على القبور، أما النساء فبعن ما بقي من نصف العقل، فلا حاجة لهن به، وقد وجدن في السينما تسلية ونزهة أيضاً، توراى عهد النزهة على القبور، وأصبح مشتل العزيزية محطة النزهة الأحلى قبل الفيلم أو بعده، في كل يوم تسليات ودهشة، تحملها الخضرة والنوافير والشجيرات المقصوصة، وتحملها الأفلام الجديدة والأغنيات، وإن لم يكن فإعادة لأفلام سبقت، هكذا تطير العقول، وتغفو الأحلام في اللذاذات.. شاهد الصبية وشاهدت النساء أفلاماً ربما للمرة العاشرة، تابعوا إعلاناتها في مجلات فنية أصبحت تتوفر بانتظام في البيت من مثل الكواكب والشبكة والموعد، لكن يحيى يزودهم بأخبار لها طعم آخر، يتوحد بالمذياع، يقلب الموجات ويدير الإبرة ويتنصت، لاحق أنباء الفن بخبرة العارف، وحفظ مواعيد البرامج الفنية.. بعد حين عندما درج الصبية والنسوة على درب الأفلام فأصبحت خبز يومهم، أصبح يحيى يتسقط أخبارها منهم، يضيفها إلى أخباره، وبات كل ما يشاهدونه من أفلام يصب في أذنيه، يستمع إليهم بشغف، يلاحق التفاصيل، يعيش القصة والأحداث، وربما عدَّ نفسَه بطلَ الأبطال وهو يعيد رواية قصة الفيلم بطريقته، رواية يضمنها تقليد الأصوات والتأثيرات، واستحضار مشاهد العنف أو الحب، استحضاراً حيًّا لا تنقصه الأصوات والحركات ودقائق التعبير، عشق فريد شوقي وحفظ قصص أفلامه، حكى وأعاد مرات أحداث فيلمه " أبو حديد "، وانبسط لقصة فيلم " ليلة الدخلة " لإسماعيل ياسين، عشق أغاني الأفلام، وصار يسمع بشغف أغنيات أسمهان، ويحفظ ويردد أغنيات ليلى مراد، ويعرف إن كانت غنتها في فيلم " حبيب الروح " أو " شاطئ الغرام " أو " يحيا الحب " الذي يحلو له أن يردد عبارة إحدى أغانيه في لحظات خيبته، فيسترسل مع الكلمات ساخراً : " يا دي النعيم اللي انت فيه يا قلبي ". أما فيلم " الوردة البيضاء " لعبد الوهاب، فقد طار عقله به، أو بعبد الوهاب وأغنياته، ثم تلا ذلك أغنياته في أفلامه الأخرى مثل "دموع الحب " و" يوم سعيد "، ثم هام بأغنيات فيلم آخر وهو "غزل البنات "، فأصبح زهرة حكاياته الأجمل. وفي سنوات قليلة كان يحيى قد تتبع بحرص كل ما يقدم من برامج السينما في المذياع ، وسمع أغاني الأفلام، وبات مثل طاسة الجان كما سمته عمته فوزية، التي لا تمسك لسانها عندما تسمع حكاياته وأخباره، فتقول :
- يهدك الله، ويبعث لك حمى.. من أين تأتي بكل هذا الحكي ؟!.
بعد حين هجرت النسوة حكايات الجدة أسوم البائتة، اختفت قصص التاجر حسن، والغولة والأخوة الثلاثة، وعقدة الإصبع، وبنت البازركان.. وحلت محلها قصص الأفلام، من مثل: صراع في الوادي، وقيس وليلى، وجميلة، وأميرة الحب، وألمظ وعبدو الحامولي.. انزوت أم أكرم في عليتها شتاءً وتحت الدالية في الصيف، وما عاد أحد يكلمها أو حتى ينتبه لوجودها، وقرفصت النسوة أمام يحيى يستمعن بشغف إلى قصة فيلم جديد ينظمنها في عقد ما يرينه من أفلام.
انتبهت الحاجة كوثر كأنها صحت بعد نوم دام دهوراً إلى هذا السيل الذي جرف أمامه البيت ومن فيه إلى الأفلام والأغاني والدلع والفضائح والصور، ورأت وسط ذهولها البنات والكنات وقد هجرن الملاحف السود اللف، ولبسن تباعاً البالطو المخنصر مع غطاء الكتفين، ودرجن في الأسواق يزاحمن الرجال ويقمزن بخفة خلف البراقع السود التي تشف كالغرابيل، وذاعت في حينها حدوتة صــــارت أهزوجة : " يا رايحة عالحديقة، ليش الباجاية رقيقة.. ".
في لحظات غضب الحاجة كوثر وندمها على التفريط في تربية هذا الصبي،عندما لم يعد ينفع الندم،تقف صائحة بأعلى صوتها:
- والله فعلك فعل إبليس اللعين، بل أنت أبو مرة بعينه، لا راح ولا جاء.
أما يحيى فيقلب شفتيه مستاءً من عقلها الذي يعيش في الأوهام، وإمعاناً منه في التلبسة انغمس في قصّ الصور الفاتنة والفاضحة معاً، ينتقيها من المجلات الفنية الملونة ويلصقها على الجدار خلفه حتى امتلأ، كان قد بدأ بصور عبد الوهاب معشوقه الأكبر، ثم دس بينها في أوقات لاحقة صوراً لأسمهان وفريد الأطرش وشادية وعبد الحليم حافظ، بعد حين اتسعت الدائرة وزحفت في جميع الاتجاهات، فامتلأ ت أنحاء الجدار بالصور الأجنبية ومناظر الفتنة وملصقات الأفلام التي أخذ يأتيه بها تباعاً شوكت الحصرومي، مما أثار استياء جده الحاج أكرم، لأن القاعة ما عاد يدخلها الملائكة بعد أن اكتظت بالصور والشياطين. في كل يوم بات ينهره، ويرمي عبوسه في وجه الحاجة كوثر أو فدوى، كأنهما المسؤولتان عن فساده، ثم يفيض غضبه فيشيح بكفه يائساً، ويطوي سجادته ويحملها تحت إبطه ويذهب ليصلي في غرفة أخرى. أما يحيى فلا تتحرك في جسده شعرة، يشهد ثورة غضب الجد وكأن الأمر لا يعنيه، هو زعل وهو يرضى.. وما كان بالمستطاع إقناعه أن ينزع حتى أصغر صورة وأقلها شأناً من على الجدار، فكلها حبيبة إلى قلبه، يلمسها بشغف ويترنم، يزفر الآه تلو الآه، حفل الجدار خلفه بالألوان والوجوه، بالمطربين والمطربات، بالممثلين والممثلات، بأسماء الأبطال وعناوين الأفلام، بالأذرع والسيقان والشفاه المكورة الحمراء على وجه الشقراء
مارليـن مونـرو ..
وتتالت الأفلام بعد ذلك، ظل يحيى يدفع بالنسوة دفعاً لرؤية الأفلام، خفية أو في العلن، في البداية أخذن يتسللن فرادى، ويلتقين في ساحة باب الحديد، ثم يصعدن الترام فيمضين مع رنينه إلى أحلام السحر على الشاشة الباهرة.. بعد حين لم يعد للسرية شأن يذكر بعد أن أعلمن أزواجهن بهذا الشغف المجنون بالأفلام، رفض الأزواج في البداية، ورأوا في الأمر مروقاً وسيرة وخيمة لا تليق بكنات أو بنات الحاج أكرم، لكنهم لم يستطيعوا إيقاف هذه السوسة التي عششت في الرأس فما عادت تنفع معها حيلة، وبات المهم ألا يعلم الحاج أكرم وكل شيء بعد ذلك يهون. في كل أسبوع أفلام جديدة، عربية وأجنبية، بعض أفلام ثم تأتي الأحلام والصبوات، اختلطت الأفلام بالأحلام، أفلام بالأبيض والأسود وأحلام ملونة، واشتد اهتمام يحيى الآن بالأحلام كما بالأفلام، بات يسأل الصبية عن أحلامهم قبل سؤاله عن الأفلام :
- تعال احك لي !. بم احتلمت الليلة ؟!.
وامتدت أسئلته إلى النسوة، نعجات الدار، بدأت بجرأة خجول، ثم أصبحت حاسرة لا يسترها برقع من حياء أو خشية، أخذن يسردن على مسمعه نتفاً ملونة من لذائذ الغفوة، وأخذ يحيى يتسمع كأنما يذوق لقمة شهية، ثم يبدأ بالتفسير على مذهب ابن سيرين.. كتاب عتيق احتفظ به تحت حشية أريكته، يمضي في تصفحه ساعات، يغوص في سطوره، يفك بعض حروفه بصعوبة بالغة، وعندما تضيق عمته فدوى بعجزه في القراءة أو حتى فك الحروف، تأخذ الكتاب من يده وتبدأ تقرأ له بعض السطور، كأنها تستظهر درساً في المرحلة الابتدائية، وسرعان ما يحفظ يحيى ما يسمع، حتى أصبح مرجعاً في راموز المنامات، ويسأله شمس الدين :
- ما هو الراموز يا يحيى ؟ صرعتنا بهذا الاسم !.
فيجيب يحيى :
- كل ما تراه في منامك راموز، علامة، أعرفها فأعرف معناها.. مالك وهذه الحكاية؟ أنت أسمعني ما ترى وأنا أفسر..
بات يسمع أحلامهم، يتشربها، ثم يدخل أضغاثاً منها في قراءة الكف والفناجين للنسوان، لا يفتح فألاً لغير امرأة فهذا اختصاصه " الرجل يقرأ للمرأة والمرأة تقرأ للرجل، هكذا الأصول!. "، يديم النظر ويقرأ، وأخذ يخلط محفوظاته بالأفلام التي يعرف، يقرب هذا إلى ذاك، يستعير، يقص ويركب، فيَدخلُ الغدُ الآتي و تدخل الأحلامُ والأماني في باطن الكف أو في خطوط القهوة المتعرجة على جدران أحد الفناجين، كفٌّ يرسخ في قعره فيلم من الأفلام حكيت قصته ليحيى من أيام، وآخر تضيع خطوطه وتلافيفه بأحلام منسية أو باهتة، فنجان صاحِ كأنه لوحة، فسبحان الذي صوره، انفتحت دروبه على أيام قادمة تحمل الفرح أو الأعطيات، وفنجان آخر مظلم، مغلق.. والعياذ بالله !.. لا طرق ولا أبواب ولا شرفات، لا عصافير في جنباته ولا حتى أفاعي، ليس فيه بصيص أمل، ينظر يحيى في بقايا القهوة السوداء كالكهف المظلم، ثم يقول لعمته فوزية :
- هه عمتي !.. شوفي !.. مسدودة معك من كل الجهات..
- ولك ابني، من يوم بدأت تنظر لي في فنجاني ما شفت خير ..
- لكن عمتي انظري معي.. هه، هل أضع العوينات حتى تصدقي !..
- شوف الفنجان يلزمه عيون لا عوينات.
لكنه لا يعبأ بما تقول، يضع النظارة المكبرة، يترك فنجانها ويتسلم آخر، يقرأ لكل واحدة بختها، يبدأ بحديث عام، ثم يلوِّح بما يعرف، وهذه هي الأمنيات قريبة، يصنِّعها على هواه، وينتشي في سبحات القراءة، يصمت لحظة، ثم يعجب مفاجئاً النسوة بشيء خطير، يقسم هذه المرة على رؤياه، ويقرب الفنجان من كل عين، ثم ترتسم على وجهه بسمة ظفر يمزجها بحماسه المشتعل، وإذا أرادت صبوح أن تبدأ معه فصلها الناقص، فكت في تلك اللحظة صغيرها أمام أنفه، فيترك الفنجان من يده ويتوقف عن التحدث ويسألها ماذا تفعل ؟ فتقول :
- هذا أنفع من الاستماع إلى الدجالين !.
فيقول بغيظ :
- صحيح، أنا لم أنتبه !. هذا أوانك في الحمرنة والحرن، كل حرنة لها أوان.. الذوق فضلوه على العلم.. وأنت.. ما شاء الله!. لا ذوق ولا علم !..
أما إذا واتته فرص الفتح بحرية فإنه يجول في الآفاق، ومنها ربما دخل في غرائب يختلقها في الحال، فيصلُ الحديثَ بقصة فيلم يستجلبه ويلم أطرافه شذرات من الذكرى المحكية لا المرئية، فلم يسبق له بعدُ أن شاهد فيلماً، كل ما يعرفه عن الأفلام والأبطال كان قد تشربه من المذياع والقصاصات وصفحات المجلات، ثم من روايات النسوان والصبيان، يسمع قصة الفيلم من شكرية أو صبوح، ويقرنه بما يحكيه الحلي أو شمس الدين، ثم يخرج بقصة أخرى يحكيها بدوره للنسوة والصبيان، يصنعها هذه المرة على ما يطابق أحلامه، فتخرج قصة لم يبق فيها من أصل الفيلم إلا القليل، لكنها تبدو لكل من يسمع رائعة تفوق الفيلم الأصلي جمالاً وتشويقاً. " اسمعوا قصة هذا الفيلم.. البطل يمشي وحيداً في صحراء.. شمس ورمال.. لا طير يطير ولا وحش يسير، الأرض تحت قدميه مشققة من العطش، فجأة.. حنش أسود يظهر له من إحدى هذه الشقوق، يجمد البطل في مكانه من الرعب، وتغيم عيناه.. لكنه في تلك اللحظة يرى فتاة حسناء كأنها البدر ليلة تمامه، جمال وعيون ووجه حنون، يقف مذهولاً وحائراً.. هل يتقدم أم يهرب، عندها تمد يديها تدعوه، تسير إليه كأنها في منامها، تصل، يجد نفسه في بستان يجالسها، يسألها عن اسمها ومن تكون وأين هو الآن، هي لا تجيب لكن تظهر من خلف جبل قبيلتها وتنزل إليه بالسيوف، يسرع الفرسان منحدرين نحوه، لكنها تبتسم في وجهه وتمسد شعره الأشقر.. هنا.. في هذه الأثناء..".
ويسترسل يحيى في سرد قصة الفيلم الأقرب إلى الحكاية، يتحرر من كل واقع ويدخل في المجهول الأكثر إغراقاً في الغرابة والفتنة، ويتحزّر الصبيان في اسم الفيلم، ويضيعون فيما إذا كان فيلم كوبوي أو فيلماً هندياً، أو هو نفسه فيلم ( زوهراب ) الذي رأوه في السنة الفائتة، وإذ ينتهي يحيى من سرد الفيلم يسرق منهم كل ألوان الدهشة والعجب، فتلتمع عيونهم منتظرين أن يعلن اسم الفيلم، لكنه يضحك كمن أوقعهم في مقلب،ويقول بزهو:
- هذا فيلم الذي أخرجه ما خلق بعد..
تضج الأصوات والضحكات من حوله كأنما ترفض الخديعة، لكنهم في الوقت نفسه يطلبون المزيد من القصص الفاتنة المخادعة، ويأتي الدور هنا ليسأل هو الصبيان " السينمجية " كما أخذ يسميهم، عن الأفلام التي بدأ عرضها هذا الأسبوع، وما شاهدوه في المناظر قبل الفيلم، وعن مقدم الأفلام التالية،ثم يذكرهم بأوان حلول عرضها، فهذا فيلم أعلنوا عنه لكن لا يعرف متى سيعرض، وهذا فيلم للأسبوع القادم، والآخر لا يزال في قائمة (قريباً جدّاً) وبعد عشرة أيام تذكروا– يبدأ أسبوع الأفلام الهندية، وسيعرضون بالتأكيد بينها فيلم الزهرة والحجر أو ماسح الأحذية. تسترق النسوة شذرات من الحديث،ثم ينضممن إلى الحلقة،تقول شكرية:
- يحيى ! أنت لا ترى أفلاماً، لكنك أبو الأحلام.. قصصك جميلة مثل الأحلام، هات احك لنا !.
يتمنع قليلاً ثم يصلي على النبي ويبدأ بسرد حلم الليلة الفائتة، أو حلم الغفوة القريبة :
- اسمعوا !. من لحظات غطت عيني.. فاسمعوا ما رأيت!.
يمضي يحيى يحمل النسوة على بساطه المطرز بالأزاهير، يطير فوق السحب، بيده الفانوس أو الجرار أو صدفات وقواقع من بحر الغرام، يفضها وينثر السحر، يطوح باللآلئ ثم يصدح بالأغاني وينفث في الآذان بمزامير داوود.
***

- 9 -

السمان أبو خليل ظل يرسل مع الصبية ربطات من صحف ومجلات عتيقة يستخدمها في دكانه للصر، أصبح يزود بها يحيى الذي يتلقفها بلهفة العاشق، فيفردها أمامه ويبدأ بالتصفح، هو يتصفح الصور والصبيان يقرؤون له الأخبار والطُّرف، ويأتي بعد ذلك دور الفرز وقص الصور واللصق على كل شبر من الجدار خلفه، وقد أصبح معرضه الخاص، يعلق عليه آخر ما اقتصه من المجلات وينزع القديم البائت.. يحزم " الهوالك " كما يسميها، تلك التي بقيت من الصفحات المقصوصة، ويرسل بها إلى أبي خليل.." قولوا له يجمع لي غيرها !. "
لكن الأهم من هذا وذاك ما بات يحمله إليه شوكت الحصرومي، عم يحيى بالرضاعة من جدته كوثر، وتلك نقلة أخرى في غرام يحيى، هيام عاصف فاق كل حد، وولع طاغ سلب لبه، هنا الترنم والمناجاة، الشغف والأشواق، صور تقدح بسنا الأجساد وورد الشهوة، تطفح بالألق والدعوة، نداء في إثر نداء، طارت به الأحلام وحطته على الصور :
- إيه !.. يا عين !. هه !. هنا حطنا الجمَّال يا عمي أبو الشوك !.. وافتحي لي يا قصور، وارقصي يا غلمان !. "..
شوكت الحصرومي هذا وحداني، مقطوع من شجرة، كما تقول الحاجة كوثر، وفي حقيقة الأمر فهو يبدو لكل من يعرفه الشجرة ذاتها، ليس أي شجرة، بل شجرة عجفاء، بلا جذور ولا ثمار، أو حتى بلا أوراق، شجرة ميتة لكنها مصرة على البقاء، قاومت بقسوتها كل قسوة، وحده يحيى نظر إلى هذه الشجرة ورأى بعينيه فيها جمالاً لم يره غيره، رأى الخضرة والظلال، وتعلقت بها عيناه " يا شوكت، يا روحي، تعال اقعد هنا بجانبي.. احك وأسمعني !.. "
يدخل شوكت البيت بلا استئذان، فهو العم والأخ والابن شاؤوا أم أبوا، يرمي سلاماً على أهل الدار، يسمع من يسمع ويـرد من يـرد، هو جاء لمهمة أخرى : " الله لا يلكعه !. " تقول أمه بالرضاع الحاجة كوثر، حين تراه مسرعاً يأخذ يدها على عجل ويقبلــها " فض عتب "، يسأل عن حالها ويطلب الرضا، ثم يتوجه إلى القاعة القبلية حيث يحيى ينتظر قدومه بلهفة لا حدود لها، يسأل عنه مرات صباح كل جمعة، ويكون قد عدَّ الأيام ودفع بالساعات دفعاً إلى ذلك الصباح، من شقشقة الضوء يبدأ بالسؤال عنه، وعندما يبدو له أنه تأخر يرسل خرفانه في طلبه، الواحد في ظهر الواحد، من بيت الحصرومي الذي ليس فيه أحد غيره، في الحارة نفسها، ويصر يحيى أن يسرع الرسول مثل البرق.. عندما يحل شوكت بالبيت تنفرج أساريره، ينزل الندى على قلبه، وحرّ الأشواق يصعد الحمرة إلى خديه، يصافحه بيد وباليد الأخرى يتسلم المظروف إياه " هات !. نطفت روحي "، يخطفه من تحت إبط شوكت خطفاً، ثم يجلسه بجانبه ويطلب من عمته فدوى صنع قدحين من الشاي العجمي، تتعلق أبصاره وأبصار الصبيان اللذين يكونون قد ملؤوا القاعة، بما سيخرج من قلب المظروف، من صور الأفلام الملونة أو بالأبيض والأسود.. ويهتف يحيى بفرح :
- هه!. يا عيني عليك يا عمي شوكت.. هذا هو الشغل المظبوط ..
كان شوكت الحصرومي وحيد أمه زلوخ، قد انخرط في سلك الشرطة في شبابه الأول، رمم شخصه المشطور ورجليه الحافيتين المتشققتين ببذلة الجوخ الخاكي وبالبسطار، بالعمرة والنسر النحاسي، بالأزرار الصفر تلتمع فيزهو بوهجها، وجد سريراً في مخفر ناءٍ ينام عليه، شبع المرق واللحم والخضار، وأكرم وحشة أمه بفرشة من الصوف الجز، وبقنبازين لكل عام، واحد للشتاء والثاني للصيف، لكنها لبستهما مع دموع لا تفارق خديها، وظلت تنتظر مقدمه في الإجازات ليشبع روحها العطشى للقبلات والضم، ونامت كثيراً في زحمة الانتظار، وشط بشوكت الترحال، التنقل والمناوبات والمهمات، حتى نامت نومتها الطويلة، فأضحى هو ينتظر ما ليس يدري.. وهاهو يغادر حيطان الأربعين بشعر أبيض وفم كبير، على شفته السفلى المرتخية تنفلت ابتسامة منسية، يلمها حين الطعام فحسب، وسوى ذلك تظل تلتمع بلعابه وتتدلى، يصر أن يأتي إلى دار الحاج أكرم بالبدلة الشرطية الخاكي حتى في يوم الجمعة، يوم عطلته، بعد حين أصبح تعلقه بالعائلة وبأمه كوثر ذاتها في كفة ميزان، وتعلقه بيحيى في كفة أخرى.. وقد بدأت حكايته مع يحيى منذ أن عين في فرع شرطة الآداب، قسم الرقابة الأخلاقية، التابع لوزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، أصبح شوكت مكلفاً هو وموظف تحري مدني، بزيارات يومية لدور العرض السينمائية في المدينة، دوريات تفتيش ومداهمة، يسميها شوكت كبسات، يداهم فيها هو وعنصر التحري رفيقه الصالات، يدخلان وسط العرض أو في بدايته أو وقت المناظر ليتأكدا أن الصالة لا تعرض الأفلام أو الصور الممنوعة، كل الصور والملصقات الإعلانية للفيلم كانت تأتي قبل موعد العرض بأيام إلى الفرع، لتأخذ الإذن بالسماح للعرض، وشوكت مكلف بعد خروجها بمظروف أصفر من قسم الرقابة، بأن يضع عليها الختم الدائري، الحامل لعبارة ( يسمح بعرضها )، أما الصور الأخرى (الفاضحة)، فكانت تصل إليه بمظروف مضروب بالأحمر بعلامة (×) فيضع عليــــها الختم المستطـــيل (لا يسمح بعرضها)، بعض الصور تعود ثانية من إدارة الصالة إلى الرقابة بأجزاء من أجساد الممثلات وقد تحبرت بالأسود في أماكن الفتنة، يرسمون على الصدر حمالة، وفي الوسط كسوة.. فتخرج الصورة هذه المرة قريبة من الحشمة، وضمن المغلف الأصفر، ثم تذهب إلى شـوكت ليـضع عليــها ختــــم (يسمــح بعرضها).
أصبحت عيون يحيى خبيرة في فرز هذه الصـور ( المغشوشة ) كما يحب أن يسميها، ينظر إليها ويعرفها، يقوم بنخبها من بين الصور الأخرى، يمسك بإحداها ويرفعها على الضوء أمامه وينظر، ثم يصيح ويتأوه، ويأخذ غيرها وغيرها، يبعدها عن عيون الصبيان الملتفين حوله، أو يطردهم خارج القاعة، يعودون ويدخلون الغرفة في غفلة من عيون يحيى الغائبة في فتنة الصور العارية أو شبه العارية، وتتسلل عيونهم فتخطف نتفاً من الفتنة، تغزوهم الفتنة فينغمسون فيها، بعد قليل تتوزع الصور في أيديهم جميعاً، قد ينتبه يحيى لوجودهم، فينهرهم ويضحك، ثم يقول لشوكت أنه هو المسؤول عن أخلاقهم التي فسدت، ويطلب جمع الصور في الحال، أو ربما لا يعود ينتبه أبداً، شوكت يميل إليه، يتحدث ويشرح، يهمس في أذنه، ويحيى يهز رأسه وينتشي، يغطس حتى آذانه في عسل الأجسـاد، و " هذه الصورة يا شوكت دعها لي.. انظر بربك هذا الوجه يوحد الذي خلقه !. انظر هذا الجسم !.. شيء يفتن الأولياء وحق ربي !. " ويشد شوكت الصورة من يد يحيى، وتدور مساومة :
- لا يمكن يا يحيى.. هذه صور جميعها مسلَّمة رسمياً ومسجلة في الديوان، معدودة عليَّ.. أنا المسؤول يا يحيى..
ويحيى يصر على الاحتفاظ بالصورة ويقول :
- قل لهم ضاعت، قل لهم محجوزة، حجزتها الرقابة، حجزناها !.
وشوكت يصر على استعادتها ويضحك، يهدده بعدم جلب صور أخرى، ثم يجمع الصور في مغلفاتها، يشرب شايه العجمي الذي برد، ويمضي بعد أن يضرب على جبينه متذكراً ضرورة غسل الجمعة والتهيـــؤ للصلاة.
ساعات طويلة أصبح يحيى يمضيها مع شوكت في القاعة القبلية، قبل صلاة الجمعة وبعدها، حيث الغداء على سفرة الحاجة كوثر، تجالسهما بعض الوقت ثم تمل منهما ومن أحاديثهما " المبهدلة " وتخرج متأففة، وتعود بعد حين فتجد حبل الوداد ما يزال متصلاً فتقول :
- إلى الآن ما بطلتم رغي ؟!.
ويلحق بها شوكت طالباً الرضا، يسألها ما الذي يزعلها، فترد عليه :
- يكفي يا شوكت يكفي ! هلكت الصبي.. ما عاد لك شغل إلا هذا المخلوق، اعتقه لوجه الله !
وهو يقول :
- يا أمي ! دعيه ينعم عيونه، كلها صور في صور.. هل تريدين أن يبقى طوال اليوم لوحده ؟
فترد :
- الوحدة خير من رفيق السوء.. والله أنت تفسد بلد !.
فيقول شوكت متبرئاً :
- وماذا أفعل له أنا ؟ الله يسامحك يا أمي..
وتقول هي :
- يا ابني الطبع سرَّاق.. وأنت.. والعياذ بالله !. ماذا أحكي.. السكوت أولى !. أصلحكما الله، أنتما الاثنان.
بعد الغداء تتصل جلسة يحيى وشوكت وتمتد حتى حلول الليل، كل مجموعة من الصور تجر حديثاً طويلاً عن الفيلم، حديثاً أطول من الفيلم نفسه.. ويحيى يتسمع، يفتح أذنيه ويلتقط كلمات شوكت، يتشربها وعيونه على الصور، يستعرضها مرات، يقرب ويبعد، يحملق أو يغرب بعينيه، يعض على شفتيه ويصيح الآه، شوكت يتحدث ويشرح ويمثل بشفة لامعة تتدلى، ويحيى غائب في هيام لا ينتهي..
تكاثرت الصور، وكرَّت وراءها أيام الجُمَع، أصبح شوكت لا يزور بيت الحاجة كوثر إلا من أجل خاطر عيون يحيى، شغلته صحبته ليحيى عن كل صحبة، ونسي أخوته في الرضاع، يرى أحدهم عرضاً، وهو داخل أو خارج، فيسلم برؤوس الشفاه، ويمضي في طريقه إلى مهجته، لا يزيد على السلام حتى بسؤال عن الحال، وضاق الأعمام بشوكت، رموه كما في كل مرة بالجحود وقلة الأصل " واحد مقطع موصل، لا حياء ولا ناموس، تربية عسكر !.. " قال عزو، و ليتها باطلة ومحولة هذه الرضعات التي جعلته أخاً لهم، شاؤوا أم أبوا !. لم تعجبهم زياراته المتكررة وسيرته مع يحيى، صاحوا بغضب يشتمون ذكره، وشكوه إلى الجد الذي هز رأسه وتفكر.. الجدة كوثر أبدت يأسها من صرفه بالتي هي أحسن :
- واحد مقطوع من شجرة، لا ولد ولا تلد، ماذا أقول له، ماذا بيدي أن أفعل ؟ قلبي لا يطاوعني، هو يلتصق بي ويقول أمي، أمي !.. ماذا أرد عليه ؟!. الله يعطينا الذوق بس.
قال سعيد:
- دعوه لي !. أنا سأقطع رجله من هذا البيت !.
ردت الأم :
- حرام ابني.. حرام تكسر خاطره ! هذا رضع مع أخوك عبد الرحيم.
ويحيى شم في العيون الكراهية والعداء لشوكت، سمع الشتائم فأرعبته، قطب وجهه بالجميع وحرد أياماً، غمغم بكلمات وشتم. صاحت الجدة في وجهه وقد تاهت ما بينه وبين أبنائها :
- هذا اقطع دخلته عليك، عيب يا ابني عيب، ما هو بسنك، هو من جيل وأنت من جيل، الناس بدأت تقول ما يسمع وما لا يسمع، يا عيب الشوم، هل هذا يرضيك ؟ الناس تحلف برأس جدك قسم !.
ويرد يحيى بصوت يرسم حروفه من التصميم :
- هذا أليفي يا جدتي !. شوكت ابن حلال يشرب مع الماء العكر، فلماذا حفر السوس، لماذا تشغلون عليَّ نكاشات الوابور ؟ هــذا هــو كيد العذال، أما سمعت بكيد العذال ؟!..
فتهز الجدة رأسها وتشيح بيدها قائلة :
- صعب !. والله صعب التفاهم معك، رأسك يابس مثل هذا الحائط، لا نفـــع في الكلام معك..
***

- 10 -

غير مرة كان الجميع قد سمعوا بحكاية شوكت، الجدة كوثر طالما رددتها للجارات، وعلى القبور، وفي الباص الذي يقلها إلى بيت ابنتها فوزية، قبل أن تعود عودتها الأخيرة إلى بيت أهلها :
- ".. هذا يا أختي رجل مقطوع من شجرة، عيوني.. لا أحد له إلا الله وأنا.. أمه أعطتك عمرها من زمان، أبوه راح على مصر وصارت حكايته حكاية، لكن هذا يا ستي أمر مقدر ومكتوب، والمكتوب ما منه مهروب، أمه واحدة مسكينة، قضت حياتها في القهر، ولدت هذا الصبي وبدأ عذابها، ما ارتاحت حتى أغمضت عينيها وأخذ الله أمانته، تركت ولدها للشقاء والتعتير، أنا يا أختي مهما أكن لست كأمه، والله ما قصّرت، ربي شهيد على كلامي، والحكم عنده، وهو يحق الحق، كل ما في الأمر أني امرأة صاحبة عيال، طاقتي محدودة، أرضعته مع ابني عبد الرحيم عليه رحمة الله، أعطاك عمره منذ عشرين سنة، وهذا الآخر حكايته حكاية يا أختي، الله لا يريك المكروه.. الحاصل أن هذا الولد أصبح كأولادي، رضع معهم وعاش بينهم، عاملته مثل ما عاملتهم، يشهد ربي على كلامي، الصبي يا عيني مر عليه شقاء كثير، مرض وتعذب، مرت عليه أيام صار كالمنكوش من القبر، تعب وأتعبني، لا تنظري إليه الآن، أصبح في غير دنيا، شرطي وعين الله عليه، يقضي ويمضي، كلمته لا تصير اثنتين، لا في المخفر ولا في الحارة.. إيه !. كله من أبيه، كان رجل سويعاتي، بهلول، عقله جوزتين بخرج، وسفرة مصر بهدلته وجابت أجله.. مرة من المرات عاد من سوق الهال تعبان من الأحمال، يخرج من أذان الفجر ولا يعود حتى أذان الظهر.. حاصله، دخل على امرأته الحامل يصيح، كانت في أولى شهورها، الثاني أو الثالث لا أذكر، سأل عن طعام، توقع أن تكون الحاجة كوثر محسوبتك قد بعثت بصحن من طبختها، والله يا أختي أنا لم أكن أقصر، لأنهم جيران وعشرة عمر، وخطية دراويش، لكن ليس في كل يوم يمكن أن تجدي عندي ما يبعث للجيران، يعني الإنسان في عسر ويسر، والرجل استذوق طعامنا وما عاد يعجبه طبخ امرأته، المسكينة نهضت إلى المطبخ وعادت بعد قليل بصحن العدس بالحامض، هذا ما طبخته البارحة، أخرجته من قعر الجب بارداً، وضعته أمامه مع رغيف يابس، خبز حنطة الله وكيلك، مقلوب على الوجهين من الذي يحبه قلبك، كنت أخبز وأحسب حسابهم، أقول خطيّة، امرأة حامل أول بطن، بعدما فكس حملها مرات، حرام ! لا قدرة لها على العجن والخبز، مالنا بطول السيرة !. وضعت أمامه الصحن ورجته أن يقترب.. يا عيني مدَّ يدك وكلْ.. لقمة لقمتين، وسترى ما أطيبه !. وهو ساكت صافن، تعدميه إن نطق بحرف، أو رفت عينه، بماذا كان يفكر.. الله وحده يعلم.. ولكن.. يمكن الحديث فاتني.. نسيت أن أقول إنها كانت كسولة في الطبخ، الرجل شغيل وجلاب.. حرام!. لكن هي بين الحين والحين حتى تطبخ الطبخة، كسلانة، قليلة مروّة، أما عندما حملت وجاء الوحام فقد غرق المركب، لم تعد تطبخ أبداً، أزورها وأقول يا أختي حرام عليك، هذا ابنك في بطنك الطعام يقيتك مثلما يقيته، كيف سيتغذى، دعينا من أبيه، هو يدبر رأسه.. ولم تكن تسمع كلامي،
ما لها؟!. همها في بطن غيرها.. ما دامت الصحون تصل من بيت محسوبتك كل يوم فالأمر محلول. هي من أجل نفسها، أعلم، كانت قد فقدت شهيتها إلى كل الطعام، أمرها عجيب، يا أختي في ذلك الحين حتى زوجها هربت من رائحته في الأشهر الأولى، صارت تنام لوحدها، وهو يجن ويضربها، المسكينة الأمر ليس بيدها، هي مغلوبة على أمرها، كلما اقترب منها استفرغت، قذفت كل ما في جوفها حتى الماء الصفراء، أصبحت كأن العفاريت في بطنها، من أول الحارة تشم رائحته، واع.. واع.. وتهجم على الزرع، تستفرغ في التراب، وهو بغل يلزمه ربط، لا يفهم ولا يقدر.. بعد أن تنتهي تركض إلى الماء، تمسك بالصابون وتبدأ ترغي، تغسل وجهها وفمها ويديها وزنودها، ولا ترتاح فتعود وتغسل مرة أخرى، ترغي الصابون حتى يصير اللوح بروة صغيرة، عند ذلك تضعها بين أسنانها وتقضمها، وعينك تراه عندما رآها تأكل الصابون، آ.. يا بنت الكلب الأبعد.. تؤذين نفسك، والذي ببطنك.. صابون !.. صابون !.. ما هذا الوحام الأنتيكا ؟!.. المسكينة مرة بعد مرة لم ترد إغضابه فتركت الصابون ومدت يدها - وكنت عندها أتفقد حالها - مدت يدها في تراب الزرع، نبشت بأصابعها بجانب الشجرة مثل الدجاجة ثم حملت رشة تراب، هزتها في كفها وسفتها أمام عيني، وأنا يا أختي جمدت في وجهها، ما رأت عيني قبلها واحدة تتوحم على التراب، قلت لها يا زلوخ هل جننت، وهي لم ترد عليَّ، بل عادت وسفت رشة أخرى، وثالثة، وأنا نهضت، تركتها والعياذ بالله ورجعت إلى بيتي، وعلمت بعدها بأيام أنها صارت تتوحم على البيلون، قولي هذا معقول، أنا في زماني توحمت على البيلون، دقت أحجار البيلون كسرات بحجم حبات القضامة، وحفنت منه وصارت تملأ جيب قنبازها، وبهت زوجها وهو يراها تقذف الحبة وراء الحبة في فمها، عندما شتمها وكفر بالساعة التي رآها فيها بكت وهجمت إلى باب الزقاق تريد أن تقذف بنفسها في الحارة بدون غطاء رأس.. وقتها لان نوري وطيب خاطرها، هبطت عليه السكينة وجاءه عقل الرحمن، ذهب إلى أمه وحكى لها فقالت له : دعها يا ابني.. لتأكل الحجر إن أرادت، هذا ليس شغلك. خرج إلى السوق وغاب قليلاً ثم عاد بحمل من البيلون، رماه أمامها فانفرجت عليها وبشت في وجهه، أصبح يراها كل يوم بالقمباز الفلت، محشوة الجيبين بحفنات البيلون، وصدت كما قلت لك عن كل طعام، حتى ما كنت أبعثه إليها صارت لا تمد يدها إليه، يبقى الطبق كما هو حتى يأتي نوري فيأكل لوحده، أصبحت بالكاد تطبخ.. ونعود إلى الحديث.. فعندما سألها عن الطعام وأحضرت له صحن العدس بالحامض فجلس كالصنم.. لم تدر ما به !. فاقتربت منه وهمست ترجوه : أوصل إلى السوق الله يخليك.. هات بصل أخضر.. هذا وقته.. طيب بجانب العدس بالحامض.. وتطلع نوري في وجهها، ونهض فعلاً كما أمرت الخانم، نهض ساكتاً فعجبت كيف لم يسب جد أجدادها هذه المرة، أو كيف تغاضى عن لطمها على فمها أو نحرها في رأسها.. وليتها باطلة هذه الطلعة، مشى متمهلاً وخرج من البيت، خرج نوري يا أختي وجلست امرأته الحامل تنتظر، طال انتظارها وطالت غيبة الرجل، وقبل أن تغيب عين الشمس غلى قلبها فوضعت ملحفتها على رأسها وخرجت إلى الزقاق، مشت في الحارات تبحث، وصلت إلى ساحة السوق، غشيمة، مبضولة، ماذا تفعل !. زاغت عيناها وتاهت، توقفت تسحب نفساً وتمسح الحارات الفارغة بعينيها، أخيراً وقفت عند السمان الحاج خليل وسألته : دخيلك يا حجي شفت جوزي ؟ فرد عليها يضحك : هي هيييي يا أختي ! تصيري جانبه !.. جوزك راح على مصر.. وشاعت القصة في الحارة، أصبحت على كل لسان، كل من تراه ليس له سيرة إلا سيرة نوري الذي خرج من بيته ليأتي بالبصل فراح على مصر.. "

***

- 11 -

كان نوري الحصرومي قد خرج يفتش عن بصل في ذلك اليوم من عصرٍ غَبَرَ، وعجب لهذا الوحام الغريب الذي تطلبه زوجته، فمن الصابون إلى التراب، ثم إلى البيلون فالبصل.. أخذته قدماه إلى الساحة، وهناك شاهد أصحابه وعزوته..
- إلى أين يا نوري ؟
- أبحث عن بصل.. لم أجد هنا.. سأخطف رجلي إلى بانقوسا..
- دعك من هذا التخريف يا رجل !. تعال فاخطف رجلك معنا !..
- إلى أين ؟ !.
- إلى مصر ! اليخت جاهز في المرفأ ببيروت..
- أي يخت هذا !..
- يخت الأحلام..
- يا جماعة والبصل ؟!.
جره بعضهم ودفعه آخرون من ظهره، وفاحت في تلك اللحظات رائحة البيلون اليابس والمبلول معاً، فمضى نوري مخلفاً وراءه صحون كوثر الشهية، تلك التي لن تستطيع الأيام الآتية أن تعوضه إياها أو تنسيه مذاقها.. بعد سنوات سيعود نوري من رحلته الطويلة مصطحباً زوجته المصرية نوال وحفنة أولاد، استأجر لهم بيتاً في حي العقبة، بعيداً عن زلوخ وابنها، ولم تلتق العائلتان، ولم تستطع جهود نوري أن تجمع الضرتين في مسكن واحد، مرت سنوات وانقطعت زياراته لزلوخ وابنها، ثم مرت أخرى ودبَّ فيه العجز، تبدلت حاله وغابت فتوته، فهجر العمل وواجه الناس بجفوة، قبع في بيته ليمضي غربة قاسية في عوز لا ينتهي، مع صبية وبنات ترعرعوا في كنف المصرية نوال التي ستدفع بهم تباعاً للسفر إلى مصر للزيارة، ثم سترحل بهم نهائياً دون عودة، أما نوري فسيمكث وحده مكرهاً بعد أن رفضت زلوخ وقد كبر وحيدها أن تقبل حتى رؤيته، فأخذ يعد أيامه المتبقية ويحن إلى سفر طويل.. طويل.
كانت زلوخ قد بكت زوجها الغائب، وجلست بعد ذلك بجانب صحن العدس تنتظر.. بعد شهور وضعت مولودها الذكر.. أطلق صراخه الأول مثل زعيق، وقبل أن يفتح عينيه تلمظ بفم عريض، ألقمته ثديها فمصه قليلاً ثم لفظه وعاد إلى البكاء، الصوت الصارخ الشبيه بالعويل، دفع النساء فهرولن من بيوتهن وجلسن ليرين ما لم يرينه من قبل، الطفل يتلوى بين يدي أمه التي بدت مذهولة عديمة التدبير، لا تعرف ما تفعل في هذه البلية، وهن تجمعن.. أخذن الصغير من يدها وهززنه، وانتظرن معها النقاط الأولى من الصمغة.. وطال الانتظار، والطفل يبكي بفمه العريض، يصرخ كابن سنتين، يضعن في فمه محلول السكر فيتلمظ ويهدأ لحظات ثم يعود إلى البكاء، حتى تظهر عروق رقبته زرقاء.. بعد أيام دارت الأم المريضة بمولودها في الحارة من باب إلى باب، كان حليبها قد هرب من صدرها بعد أن أصيبت بحمى النفاس، ازورت عنها النسوة وتأففن، طرقت كل بيت في الحارة كأنها تتسول، ثم وقفت أمام كوثر التي كانت ما تزال في عز صباها، وقفت أمامها تحمل الطفل وهي تبكي، وكوثر حائرة، تنقل بصرها ما بين الطفل وأمه الباكية ووجه حماتها الحاجة أسوم، التي حسمت الأمر وقالت :
- حرام بنتي.. أرضعيه، ينوبك ثواب..
وأخذت كوثر الطفل من يدي أمه فتعلق بها مثل رتيلاء، ولما ألقمته الثدي عض وشد، ثم أطبق على ثديها بفمه وأخذ يمص كما لو أنه كوز، حملق بعينين فزعتين بالصدر أمامه، وبدا كأن كل ما في صدور المرضعات من حليب لا يمكن أن يشبعه. قالت الجدة كوثر تتابع حديثها للمرأة في الباص :
- " في بضع رضعات شفط صدري كله، حتى صار مثل الخرقة العتيقة، لم أعد أجد ما يكفي ابني عبد الرحيم، وكان على يدي ابن أشهر، فبدأ يضعف وينجعم، أما شوكت فبدأ يسمن، ظهر وجهه وتورد، ربح على صدري وصار في أيام أسمن من أولادي كلهم.. ".
بعد ذلك رضيت النسوة اللواتي رفضن إرضاعه أول الأمر، رضين هذه المرة بحمل العبء عن كوثر، أو بمساعدتها ببعض الرضعات، " فقوم انعانوا ما انضاموا..حرام!." فقد ضعف جسمها وبدأت تميل إلى شحوب، أصبحت كالعود اليابس، مثلها كمثل ابنها عبد الرحيم الذي تضاءل حجمه وبدا وجهه اشبه بليمونة ذابلة. لكن الواحدة منهن صارت ما إن تضع حلمة ثديها في فم الصغير فيطبق عليها مثل كاسة الهوا ويسحب أولى القطرات، حتى تنزعها وترد الطفل مع صراخه إلى أمه وتقول بخوف :
- يا أختي شعرت بانقباض.. الله يسترك خذيه عني !.
وعندما لا ترى الأم سبيلاً للإقناع تحمل وليدها الجائع وتمضي لتدق باباً آخر.. وتعود السيرة ذاتها.. وينتهي المطاف بعد ذلك عند كوثر..
حتى أم قدري نصف العمياء أصابها حظ الإرضاع، ونالت من الثواب، ألقمته ثديها مرة واحدة وما أعادتها، وعندما زارت جارتها كوثر بادرتها تقول :
- والله أنا متعجبة منك يا أم عبدو، كيف تحملت هذا الثقيل، هل حليبك رخيص إلى هذه الدرجة !. أنا يا أختي ما تحملت.. أحسست كأنه يمص دمي لا حليبي.. قولي قرادة، كلبتونة موهيك، والعياذ بالله، والله أنا أحسدك، كيف تحملت!. ولكن لك ثواب عند الله. الله يعينك..
بعد شهور خرج شوكت من الرضاع إلى الفطام، دخل بلمحة عين في طعام الكبار، وفي بيت كوثر أطيب طعام، منه تخرج صحون كل يوم من رأس الطبخة إلى أكثر بيوت الحارة، الصبي شوكت درج مع أبناء كوثر، لعب معهم في الحارة، يمضون كل النهار في اللعب، يلاحقون الكلاب العرجاء إلى جبانة العرابي، وعندما يجوعون يجوع معهم، فيدخلون جميعاً إلى البيت، إلى بيت أمهم جميعاً، ويجلس شوكت إلى الصحون الساخنة معهم، صار يقبل على طعام كوثر ويرفض طعام أمه..

***


- 12 -

سحبه الحلم من جديد إلى الأفق المترامي في البعيد وراءه، حملته الذكريات إلى ذلك الصيف البعيد، صيف له حكاياته المختلفة، حكايات مشفوعة هذه المرة بالأحلام القسرية، أحلام معذبة، ورؤى تمسك بالروح وتعصف، في ذلك الصيف بدأ فصل جديد، عندما عاد شمس الدين وصحبه من الكتّاب بعيد صلاة الظهر في يوم الخميس، كان الشيخ صبري قد صلى فيهم إماماً بعد أن قبض خميسيته ثم صرفهم، عاد إلى البيت مع أخوته وأبناء أعمامه، بعضهم طاروا بالمرشوش والمدهون إلى المقبرة، أو باتجاه السليمانية ليشاهدوا فيلماً من الثالثة إلى السادسة، أما هو فجلس يسهو، بعد قليل هزه نباح كلب مسعور، انتفض وركض إلى السطح، أطل على الحارة من ستارة القرميد، ووجد الصبيان يلاحقون كلباً كسيراً يجر قدمه ويقفز على صوت عوائه الجريح، كان الأولاد قد ربطوا رجله بحبل في نهايته تنكة صغيرة، واختلط في كل حركة له النباح مع ضحك الأطفال مع ضجيج التنكة.. عندما قتله الإنهاك استلقى على جنبه يلهث بقوة، وترك الحبل والتنكة في رجله تستقران بصورة نهائية كشيء مهمل، انسحب شمس الدين من وراء الستارة وهبط درجات السلم، ثم تابع النزول إلى قبو الدار. هنالك تحسس السكينة فاستلقى على بساط، داعبت أطرافه برودة المكان فدخل في خدر الغفوة.. تاه في أحلامه السادرة وعبر بوابة صحو جميل، هكذا بدا له لأول وهلة، عبر من قيلولته نحو الحلم، ترك لرفاقه اليوم الأفلام ومضى هو إلى الأحلام.. نام في حضن الهدهدة، ودخل من قبو إلى قبو، وصار كأنه في لعبة الصناديق، يفتح واحداً فيجد فيه آخر، عندما فتح عينيه في آخر الأنفاس، وجد شفتيه ترددان الكلمات الأخيرة من الصفحة التي كانت من لحظة بين يديه، وكان يقرأ فيها، كأن الحروف ما تزال على مرمى إصبع من عيونه، ووجد القبو فارغاً قد هجره الجميع بعد انقضاء فترة الحر، فجلس يبصر ما رأى !.
فتح عينيه وهو في ذهول، حركهما في عتمة المكان، حسب في اللحظات الأولى أنه يستيقظ في الفجر، وسرعان ما وصلته أصوات من في الخارج فعرف أين هو، وعرف الوقت، تذكر الآن الكلب الكسير، والرفاق الذين لم يشأ اللحاق بهم، أخوته وأبناء أعمامه خرجوا إلى السينما أو الحارة، أو ربما إلى المقبرة القريبة من أجل اللعب بين الشواهد، وفي ظل الحائط العالي لقشلة الترك، بانتظار العشاء، هم دعوه وما لبى النداء، حلمه العاصف شده للتخلف عنهم فتخلف.. خرج من حلمه للحظات قليلة فحسب، ثم عاد ودخل فيه ثانية كمن يلوذ بالمرتجى، هو الآن يقظ ومستلق، في أعماقه كان قد حل ليل آخر، ليل من دهاليز وأقبية، في آخره فجر كما في كل ليل، يضيء أفقه العريض، بالوهج البارد أو بالحرائق، في أنحائه المترامية ومضات وبؤر فياضة بالألق، فكأنها نجوم ليل معتمر بالصحو البهي.. أصوات من في الخارج أخذت تصله مع جلبة اللعب ورش الماء، لكن السكون هنا في أعماق القبو البارد يبدو معزولاً ومستقلاً، سكون يمتزج بخليط من أكداس المؤونة، روائح من طحين وبهارات وصابون.. عاد يستعرض الحلم القريب كما لو أنه يقرأ صفحة في كتاب على ضوء ليل أقمر، لم يكن حلماً ضبابياً هشاً سرعان ما يتبدد كغيمة صيف، لم يكن حلماً يستعصي بمجرد تهجي حروفه الأولى، طالعه مرات وأعاد تصفحه.. بدا له حلماً قوياً كالحقيقة، حاداً كنصل سكين، يدخل فيه من جديد، فيجد نفسه حيث هو في ركن القبو المعزول عن بقية الأقسام الأخرى، منه يدخل إلى قبو ثان وثالث.. قبو يسلمه إلى قبو، وكأنه الآن في القبو الأول ذاته، وعينه تقع على الكتبية، الكتبية التي طالما نظر إليها دون أن يعبأ بما يمكن أن تضم في داخلها، بل ربما عدها جزءاً مكملاً لمحتويات القبو أو الجدار، كتبية صغيرة واطئة، منسية وقابعة في الركن ذي السقف المقوس، ولكنه الآن كأنما يراها لأول مرة، كتبية أخرى جديدة، مختلفة، القبو هو القبو وكتبيته مختلفة، لها قوس شامخ ينظر إليك بجلال، خزانة رائعة من خشب الزان الأصفر المصقول، طلاؤها من اللكر الشفاف، وزجاجها نظيف يلتمع، فتثير في نفسه شغف الفضول، يتقدم ويلمس بأصابعه الراجفة زجاجها وخشبها البراق، يعالج قفلها، فتنفتح بيسر وتصدر درفتها ما يشبه الأنين، نظر في الضوء الشاحب الكليل، كان ثمة في قسمها السفلي بعض العلب الخشبية التي تستخدم لتعبئة حلوى الأعياد، لكنها فارغة، أما في الرف الأعلى فكانت تقبع مجموعة من أكداس الأوراق والكتب القديمة وربطات ملفوفة بخيوط القنب من مجلدات قاتمة مصفرة.. صدمته رائحة الأوراق الرطبة النفاذة انبعثت للتو عندما لامسها وحركها، رائحة ستصبح بعدئذ مذاقاً يمتزج بطعم الماء، وبالهواء الفاغم.. بتمهل وحرص أنزل محتويات الخزانة إلى الأرض، بدأ ينقب فيها، فتح الكتب ونظر في أسطر مكتظة بالكلمات، بالأسود والأحمر، نقوش زاهية تزين الصفحات، كلمات بخطوط متنوعة، أخذ يفكها بعسر، قلَّب في الصفحات، حلَّ الأربطة عن المجلدات المحزّمة في مجموعات، نفض عنها الغبار، استعرضها واحداً فواحداً، قرأ فيها عناوين وسطوراً، سيظل بعضها عالقاً بذهنه طوال سنين، بدأت الخطوط والحروف تغدو أليفة لعينيه، أمعن النظر أكثر، ثم وقف عند سطور بعينها، لفتت نظره بخطها الأسود المغاير، في ورقة اندست بين صفحات أحد المجلدات، ورقة صفراء محروقة اللون حائلة السطور، كادت هشاشتها تنسحق على أصابعه، ورقة واحدة تبدأ بالبسملة وبعنوان عريض يتوسط أعلاها ويحمل كلمتين : (وصية الترحال). أمسك شمس الدين بالصفحة بحذر وقرأ، أعاد القراءة وهو يحاول فك ما بدا له حروفاً وكلمات على شكل طلاسم وألغاز تحتاج إلى حل، نقب في السطور ولم يفهم، عاد يقرأ.. تلا السطور إياها مرات في الحلم، وسيبقى يتلوها بعدئذ مرات ويرددها قبل أن تصبح اللعنةَ والسنا المحرق. تقول الكلمات :
( أنا المولى العبد الفقير إلى الله تعالى الحاج الماجد عبد المجيد، لست أطلب من الدنيا المزيد، بل جلُّ ما أبغي أن يشملني العلي القدير بقولة : " فبصرك اليوم حديد " فهل يطيب لي مرام ؟ وا خسراه !!. فأنا لم أنل من الأوطار ما كنت أبغي لا في ليل ولا نهار، عدت من كل ما جهدت بالتعب والنصب، بالخسران وفراغ اليد، فذاك موئل العبد وقدر العبودية، ولعمري لئن كان القدر حقًّا فالحرص باطل، وما ترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحاً، ولا على ما فاتك منها أسفاً... ).
استمرت كلمات الوصية بعدئذ في عبارات بليغة من نصح ودعاء ونجوى، لكن ما أوقفه عند سطورها في الحقيقة لم يكن ما جاء فيها من أقوال مؤثرة غريبة ربما لم يفهم منها حينئذ شيئاً، بل اسم كاتبها تحديداً، فلقب عبد المجيد هو اسم العائلة التي ينتمي إليها، وما دام الأمر كذلك فالماجد اسم جد العائلة الأكبر، كان شمس الدين قد سمع باسمه مرات في مناسبات وأحاديث، وحتى في الحكايات، حكايات الجدة الكبيرة أسُّوم، وقد أصبحت معروفة لدى الجميع، بثتها في الآذان بصوتها الأليف يؤنس عتبات النوم ثم يندغم بالأحلام، حكايات معروفة لدى الصغار والكبار معاً بحكايات الماجد، لم تذكر الجدة أسوم يوماً أن الماجد هو جد العائلة، وقد حكت كل مغامراته وبطولاته، وقصت للجميع عن تجارته ورحلاته التي جابت البلاد طولاً وعرضاً، وعن كنوزه المخبأة في داره العربية التي بناها بيديه في شبابه حجراً حجراً.. وكان شمس الدين قد طاف بخياله كثيراً في سيرة الماجد، رافقه وأنس برفقته، وعده بطل الأبطال، بل لقد بدت قصص السندباد أمام سيرة الماجد حكايا بسيطة، وأقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة، وعندما تابع الآن ما جاء في السطور الماثلة أمام عينيه ذهل وتوقف، كاد يصيح في حلمه من فرحة الاكتشاف، هاهو الكنز الحار ينبض بين يديه، وبات يشعر بحرارة شديدة تتصاعد إلى جبهته، همَّ بالخروج والصراخ، لكن يداً خفية شدته ودفعته إلى القعود، قوة ما أوهنت قدميه، التفت يجوس بحسه في أنحاء القبو ولم يجد أحداً.. عاد إلى قراءة السطور بعينها، تلك التي نزعت منه حتى القدرة على الهمس، وجرب صوته فما سمع صوتاً، فعرف أنه عاجز عن النطق ولو بحرف، وتهيأ له أنه في المنام حقَّاً، أو أنه عاد إليه، لا يدري، وأن ما عرفه خطير فعده بينه وبين نفسه سر الأسرار، عاد فقرأ التالي في الذيل بعد الخاتمة، بكلمات، من الواضح أنها ألحقت إلحاقاً بالوصية، فكتبت بخط سيئ وبعجالة :
( وتلك وصية الكلمات، وهي أعز ما خرجت به من الحياة، وإذا تشوقتم لمعرفة وصية المال فذاك أيسر ما تطلبون، وذاك أبخس ما تطلبون !.. اضربوا في قاع هذه الخزانة، احفروا في أرضها، أرض الدنس كما سماها شيخنا الغزنوي قدّس الله سره، فمنها ستصلون إلى القاعة السفلى، فليس من مكان جدير بحمل هذه الأحمال إلا أن يكون سفلياً، بل في أسفل سافلين.. أحمال وأغلال، هي الأغلال وإن وجدتم فيها بل الصدى وشفاء الغليل، فلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم.. واسمعوا قول من قال : إذا اشتغل الناس بعمارة البساتين والقصور، فاشتغلوا أنتم بعمارة القبور.. )

العبد الفقير إلى الله الماجد عبد المجيد


***

- 13 -

انتشل شمس الدين نفسه من الحلم ومن أحجيته العصية، ووقف يتساءل بحيرة كادت تصير لغزاً، بل هي اللغز عينه.. الماجد جدنا ! وقد خلف لنا كنزاً فلماذا يبخسه ويحذرنا منه؟!.. لم يجد جواباً لتساؤله فازداد اضطرابه، وعاد من جديد يستعرض حلمه، ثم يغوص في أعماق وصيته.
من كوة القبو في أعلى الجدار كانت تصله أصوات من في الخارج كأنها بعيدة تلفها مسافات، غريبة على مسمعه كأخلاط من عالم آخر، وكان بصحبة الأصوات ضوء الغروب الشحيح يتسلل إليه في حزمة واهنة من بقايا النهار، الذهول منعه من أي تفكير في ما يمكن عمله، شيء واحد استحوذ على ذهنه، هو كيف يجعل ما رآه سرّاً حتى يكون بإمكانه أن يفكر في عمل ما، لم يكن يدري كيف، ولا متى، فرط دهشة وفرط ذهول، حيرة وبُحران ضياع ما كان يتملكه.. لكنه عاد وفكر في من يقاسمه الحلم فيقرأه له، يحمل معه عبء صخرته الثقيلة، عبء خاتمته التي ضيعته، وبالطبع خطر في باله ابن عمه يحيى، ابن سيرين العائلة كما يدعوه الجد الحاج أكرم، يحيى وحده يستطيع أن يسعفه في حل هذا اللغز العصي.
نهض يقتلع نفسه من الحلم، وألقى نظرة متفحصة على الخزانة الخشبية العتيقة المنسية في ركن القبو الداخلي، يقارن بينها وبين خزانة الحلم، تلك التي رأتها عيناه في منامه، ثم نظر حوله في الجدران وفي السقف المقبب، تملكه النظر فيما حوله لحظات، ثم مضى يجر خطواته فيصعد درجات القبو القليلة، ليجد السفرة في الأعلى قد أعدت في ساحة الدار قرب البركة المترعة بالماء الشفيف، وبدأت أطرافها تلتئم بالطاعمين، يتصدرهم في الجهة الغربية تحت شجرة الليمون جده الشيخ أكرم بلحيته البيضاء ونظراته التي تصافح الجميع بابتسامة..
كان قد بدأ يمضي أكثر أوقاته في البيت، بعد أن تقدمت به السن، وحمل عنه أبناؤه عبء النزول إلى المتجر في سوق استنبول كل يوم.. فصار يتردد على العرقوب في كل خميس يتفقد آلات النسيج وينقد الأجور، لكنه الآن ما عاد يقوى على السير حتى بعكاز، فأوكل مهمة العمل كلها للأبناء والأحفاد..
نظر شمس الدين في وجه جده كأنما لأول مرة، مسحت عيناه هيئته الجليلة، وقال في سره : ترى ماذا يعرف جدنا عن وصية جده الأكبر ؟!.جلس باتجاهه على حوض البركة يتأمل وجهه البدري، هل يخبره بما رأى ثم ينظر ما يقول ؟ ونسي في تلك اللحظات يحيى بيت سره.. هل يخبر جده ؟ وهل يمكن للجد أن يرضى بمقاسمة حفيده السر دون غيره، دون أحد، وهو الذي ارتضى له ذلك.. و" يا جدي، يا حبيبي ! هل يمكنك أن ترى في حلمي حقيقة ؟ لتحمل عني أثقال جدنا الأكبر ! تعال نقب معي بعينيك في قاع الخزانة !. أبصر وبصرني.. ".
فكر شمس الدين أن يسر إلى جده بحلمه في الحال، الآن قبل الطعام.. لكنه عاد إلى ذهول شلَّ قدرته على التفكير، وانتشله صوت أمه يدعوه للسفرة مرات دون أن يسمع، والأعين تقع عليه، ويد ما تقوده إلى حيث وسّع له أخوته مكاناً، فاندس بينهم وهو لا يجد في نفسه الرغبة بلقمة واحدة، ومدت أمه يدها بخبزة لفت فيها شيئاً، فتناولها وبدأ يأكل ويلاحظ نظرات الآخرين المسددة نحوه، العيون قاسية متهمة، وهو أحس أنه قد ضبط متلبساً في حلمه، وأنَّ ما نوى أن يكتمه كسر قد بات مفضوحاً للجميع، الكل يتطلع نحوه، يتفحصه، العيون مشدودة إليه، هل علم بسره أحد حقّاً ؟! ظل قابعاً في صمته يمضغ اللقيمات دونما إحساس بطعمها، وظل يرفع عينيه بين لحظة وأخرى يتحرى النظرات الموجهة نحوه، يطوف بالجميع في نظرة مختلسة ثم يعود فينظر في وجه جده النوراني الحالم، الماتع في الطمأنينة..
بعد قليل باتت العيون محايدة، واستطاع أخيراً أن يصل إلى شبه يقين أنه لا أحد يعرف بسيرة حلمه أو ما سر القبو الداخلي، بل لقد أصبح في حلٍّ من أية نظرات أو ملامح شك في العيون، وسمح له هذا الشعور الجديد بالتفكير الهادئ، وفي إعادة التقاط الأنفاس واستعراض ما حدث بتمهل، وبذهن مرهف صاف.
لم يشعر شمس الدين بانفضاض السفرة، ولا بتفرق الجمع نحو الغرف الخاصة أو الأسطح للسهر أو للنوم، ولم يشعر بتقدم الليل أو النعاس، حتى بعد أن نبهته أمه مرات عديدة للنهوض والمضي إلى الفراش. بقي مستلقياً شابكاً كفيه خلف رأسه، لافاً ساقاً على ساق، يفكر ووجهه نحو النجوم الساطعة في سماء الصيف.. لم يجزم فيما يجب عمله في الخطوة التالية، غاص في أعماق الحيرة والقلق، إحساس واحد فريد عاد وسيطر على مشاعره في تلك الليلة، أن الحلم قد باح له بسر، وأنه لا يمكن أن يقوى بمفرده على حمل سر القبو كما رسمه له حلم العصر، فبدأ يتوجه بتفكيره نحو السؤال عن ذلك الذي يستطيع أن يقاسمه سره، أن يفكر معه ما الذي يمكن فعله !. وكيف يمكن استخراج الكنز المخبوء كل تلك السنين، في أعماق القبو المنسي..
وعاد للتفكير ثانية بيحيى وراموزه، لكنه خاف من كلمة راموز، وبدت له شركاً، وخشي أن يضيعه يحيى فيه، بتفسير يجره بعيداً عن الكنز، ثم عاد وفكر أن يحيى سيكون هذه المرة أمام محك صعب على أية حال، فحكاية رؤياه هذه ليست مما يصرف يحيى أوقاته به، " وإذا كنت يا يحيى قد تعودت أن تبلف، وتخلب عقولنا وأنت تشرّق وتغرّب، فلست تستطيع الآن أن تسرد ما تشاء على هواك، هذا منام ما حلم به ابن سيرينك نفسه، وما وضع راموزه في كتابه، اذهب أنت وابن سيرينك، اسأله عن منامات على قدك ومقاسك، وانظر إن كـان يجيبك.. " قال شمس الدين في نفسه، وعاد يفكر، كان في مرات سابقة قد حدث يحيى بأحلامه، أحلام كثيرة أشعلت مصابيح نومه، طعم من لذائذها وأطعم يحيى، وكان يحيى يعتدل بجلسته على الأريكة أو على كرسيه المتحرك، ويعلم هو بمبلغ اهتمامه بما يقول إذا امتدت يده إلى المذياع فأطفأه، في هذه الحال يبدأ بعد التنبه والإصغاء بإرسال علامات استفهام حول أمور بعينها في الحلم، ما كان لون عينيها يا شمس الدين، هل تذكر ؟ عندما كنت معلقاً، هل صرخت ؟ أذاقَ الجميعُ من الإناء أم ذقت وحدك؟ ما كان لون الشراب ؟.. ويهز رأسه ويشرع بالتفسير، بادئاً بعبارة " خير بالصلاة على النبي "، بعد حين بات شمس الدين يعرف ما يمكن أن يقوله له أو لأي من يسأله في منامه، حتى قبل أن ينطق بكلمة، وفي إحدى المرات وجد نفسه يقول له :
- يا يحيى !. دفترك حفظناه.. أسطوانة وسمعناها، إذا كان عندك كلام آخر قله وإلا وفّر علينا السماع الله يرضى عليك.. ويومها غضب وألحق به عدداً من الألقاب الجديدة ونثاراً من شتائم، الأمر الذي أسكته، وصار يسكت كل من يفكر أن يسفه أفكار يحيى، أو شطحات راموزه المستلقية في كتاب معلمه الأكبر ابن سيرين. هو يعلم أن يحيى الآن في القاعة القبلية، ينفرد وحيداً بمذياعه، أو ربما خلد إلى النوم !. فقد أطفئت الأضواء وتضاءلت الأصوات، أو كادت تختفي، وبقي هو يقظاً، وبقي الجد يقظاً، لن يحكي حلمه ليحيى هذه المرة بل لجده، هو من سيكون بيت سره، " فهذا الحلم ليس كالأحلام، ليس حلماً مما يجب أن أحكيه لك يا يحيى.. "
كان الجد ما يزال يقظاً، بين لحظات وأخرى يسبل جفنيه ويغفو في قعدته المعهودة قرب القرطاسة البيضاء، سمع تسبيحاته الخفيفة ونقرات سبحته الخشبية، فعرف أن الوقت آخر الليل، بعد قليل شاهده ينهض لصلاة التهجد، وتعلقت عيناه به وظل يفكر.. أطال الجد الصلاة على القاعد، ركوع وسجود وتلاوة.. "ويا جدي هذا وقت البوح في السكينة، سأنزل أحمالي حتى أستطيع أن أغفو، سأغفو في أحضانك يا جدي، في حضن النوم السمح على صدرك، في الأحلام وفي السعد، ويا جدي فكرت اليوم طويلاً، رأيت ما رأيت وفكرت، هل أعود لوحدي أقرأ وصية الترحال، أم أقرأ وتسمعها معي ؟ حزن وحبور، وأرق لا يريد أن ينقضي، نداء قلبك في الصلاة ضارع واجف يا جدي ! أسمعه ليناً سمحاً، يرتوي منه صحوي فأغيب في دفء الخشوع، اقترب منك عازماً على معانقتك، لأقول بعدها ما أقول.. "
وانتظر شمس الدين أن ينهي جده صلاته.. قد طالت سجدته الأخيرة، وهو بقربه ينتظر، لعله يسقيه الحليب من يده في غبش الفجر، إثر عودته من الصلاة في المسجد القريب، كما في كل فجر، وهاهو جده الآن يضع إبريق الحليب على الصينية الفضية، وبجانب الحليب السكر والكعك والكؤوس، بيده صب فسقاه، شرب وهو ساهم في لحيته الطويلة البيضاء، في عينيه الباسمتين، قال له :
- اشرب.
وصب كأساً آخر، قال شمس يسأل بضراعة :
- لماذا لا تشرب أنت يا جدي ؟
فأجابه الجد :
- هذا الحليب لك يا حبيبي، أنا شربت كثيراً، يجب أن تشرب أنت كل ما في الإبريق، هذا لك أنت.
وصب كؤوساً عديدة لعلها تبرد.. لكن ما في الإبريق لم يكن لينتهي، وكأن الجد تعب وهو يصب الكأس تلو الكأس، فوضع الإبريق على الصينية، وظل ينظر إلى وجه شمس الذي استمر يعب كؤوس الحليب، كان الجد ينظر ويبتسم، حتى وضع شمس الكأس وقال :
- جدي سأحدثك بحديث، هل أتحدث وتسمعني ؟..
وظل الجد يبتسم ولا يجيب، عاد شمس يقول برجاء :
- هل تسمعني يا جدي ؟
فبقي الجد يبتسم ولا يجيب، ثم سالت دمعات من عينيه الباسمتين وتبعتها أخرى، فارتمى الحفيد عليه يعانقه ويقول :
- كيف ذلك يا جدي ! أنا أشرب الحليب وأنت تبكي !.
وما تحرك الجد ولا نطق، ولما ابتعد شمس عن صدره، لم يجد البسمة ولا الدمعة، بل لعله نام بعد سهر الليل الطويل، فقال شمس لأنم بقربه حتى الضحى، عندما وضع رأسه على الوسادة شعر فجأة بأنه يهوي في عمق لا قرار له، فأطلق الآه الطويلة، لكن يداً أطبقت على فمه في تلك اللحظة وجرته بقسوة، شعر بالاختناق فيما جسده يكاد يتمزق، أراد أن يصيح، يا جدي خذ بيدي، ومد يديه الاثنتين معاً، فأمسكت بهما أمه ثم ضمته إلى صدرها وهي تبكي، وحوله وأمامه كانوا يبكون، بدموع وأنوف محمرة، قالت أمه بصوت تقطعه الشهقات :
- انهض يا عيني، مات جدك. يا حسرتي عليك يا عمي ! آه يا حسرتي !.
لم يتكلم، ما نطق بحرف، كان ما يزال يتحرى مذاق الحليب في فمه، يتذكر عدد الكؤوس التي صبها جده له.. قادته أمه خطوات ودفعت بـه ليسير :
- هناك جدك يا عيني في فراشه، مات في فراشه، أيقظته جدتك في الصباح فما تحرك، ادخل لتراه، ودّع منه عينيك..
خرج شمس الدين من غرفة نومه، وبهت لمرأى المعزين يملؤون أرض الدار، دمعت عيناه ودخل وحيداً إلى غرفة جده القبلية على يمين الإيوان فوجدها ملأى بضوء الشمس وبالسكون، ولا أحد إلا الجد مسجى في فراشه على الأرض، ولا حليب ولا كؤوس، وقف بقربه مذهولاً، وتعلقت عيناه طويلاً بوجهه الأبيض ولحيته البيضاء، بعينيه المغمضتين على ابتسامة، ذات الابتسامة، همَّ شمس الدين بالكلام، وغصَّ حلقه بدمعة، وغصَّ حلمه بالمـــرارة، فخرج..
حضر في ذلك الوقت أبناء الزاوية الرفاعية، يتقدمهم شيخ الكتاب الشيخ صبري، شاهده شمس الدين يدخل الدار بعمامته الكبيرة الخضراء، التي يلبسها وقت المناسبات، في المآتم والموالد، يدفع بيمناه عصاه أمامه، ويخفي يسراه القصيرة المشلولة في عبه، وصوته يرتفع بالدعاء لجده :
- عليك رحمة الله يا شيخ أكرم، عليك رحمة الله.
دخل الشيخ صبري ورفقته إلى غرفة الجد لحظات ثم خرجوا، ودعا الشيخ الصبيان من تلامذته أحفاد الحاج أكرم، وقفوا أمامه ينتحبون، فطوى ساعده على عصاه ومر بيده على رؤوسهم واحداً فواحداً، ثم أجلسهم بأمر نافذ أمامه على حوض الزرع وسط ساحة الدار، وتعوَّذَ بالله من الشيطان وبسمل، ثم بدأ بقراءة الكلمات الأولى من سورة ياسين، وبإشارة من عصاه رددوا معه، ثم تركهم يتلون بصوت عال، وغادرهم إلى حيث الرجال أفسحوا له مكاناً في صدر مجلس العزاء.

***

- 14 -

تلا شمس الدين بعض الآيات من سورة ( ياسين )، ثم وجد نفسه يترك الصبية وينسلُّ من بين الجموع إلى الزقاق، خرج بروحه العاثرة، مطعوناً بالحزن، يتلوى فيه السؤال، وشاهد المعزين يتوافدون قبيل الدفن، سار لا يدري إلى أين تقوده قدماه، الزقاق المتعرج كالسؤال اللغز في رأسه، أوصله إلى المقبرة، نظر إليها كأنما يراها أول مرة، طالعته خلوات اللعب والربى الصغيرة والأضرحة الخضراء المسورة بالشباك الحديدية، جميعها نظرت إليه بعيون لم يألفها، قدَّر أن أيام اللعب مع الرفاق قد ولت ولن تعود، قرب المقام وجد أبناء السفراني يجهزون القبر، اقترب منهم وقرفص صامتاً، سمع أحدهم يراهن على أن عمر الحاج أكرم قد تجاوز المائة، رد الآخـــر :
- أنا من زمان كنت بعمر هذا ( وأشار إلى شمس الدين ) أعرفه يمشي على عكاز، لكن همته عالية، ما شاء الله عليه !..
عاد شمس الدين إلى حلم الأمس، ولم يصدق ما جرى، خمن أنه الآن في حلم جديد، أحس بالضياع، فكر بعجز ورأس فارغة، كيف خرج من البيت ووصل إلى القبر المفتوح، جالت عيناه من جديد في أنحاء المقبرة، طالعته الآن الأعشاب الصيفية المصفرة ودغلات الشوك والنشاب، وتجاوز السور الواطئ ليمسح ببصره المقابر الأخرى الممتدة..
كانت مقبرة الشيخ يوسف من أكبر المقابر في محلة قارلق، تمتد على التلة الواسعة شرقاً، وقربها وعلى امتدادها مقابر أخرى ملحقة بأحيائها، فهناك العرابي التابعة للدلالين وجب الأحمدي، وهناك كرز دادا التابعة لقاضي عسكر ودكاكين حجيج، ومقبرة القبور البيض التابعة لأقيول، ومثلها مقبرة جبل العظام والبختي القريبة من قشلة الأتراك من الجهة الغربية. في كل مكان مقابر منتشرة ومترامية الأطراف، أكبر من الأحياء التابعة لها، بعضها مسوَّر وأكثرها متداخل بالحارات والبيوت، أزقة تتلوى، منافذها على المقابر، بيوت على المقابر وبين المقابر، وفي أعلى منطقة الصفا هنالك عمال البرغل الذين ينتشرون فوق المقابر ببيوتهم الكلسية البيضاء وحلات السليقة السوداء الكبيرة، يضرمون تحتها النيران بما يجمعونه من مخلفات معامل النسيج في العرقوب، من كونات وخيوط قطاعة وكرتون، يضرمونها مع العجلات التالفة، أما مناشر البرغل فهي أجزاء مقتطعة من القبور البيض والعرابي، تمتد بعيداً حتى سور القشلة الشرقي.
بدا السفح لعيني شمس الدين الآن مجموعة مقابر ومناشر، بينها هنا وهناك حفنات متناثرة من بيوت وحارات. أرسل نظرات ساهمة طافت في الأرجاء من فوق تلة المقبرة، مسحت المناشر وأسطحة المنازل، واستقرت من جديد على الشاهدات الحجرية المتناثرة بعيداً ملامسة سور قشلة الترك العالي.
من فم الزقاق خرجت جنازة الجد قبيل صلاة الظهر وتتالت خلفها الخلائق، زحفت من كل الحارات ولحقت بالجنازة، رؤوس وعمائم وطرابيش، رايات خضراء وأهلة، كانت الجدة كوثر، قد حلت بقجة بيضاء بيدين معروقتين ونحيب مكتوم، أخرجت منها رداءً من الأطلس الأبيض مشغولاً بالإبرة، دفعته إلى الرجال فمدوه فوق النعش، ومن فوقه سجادة مخمل مورقة، وكان أحد الشيوخ قد دخل بصرة شاش فتحها بجانب النعش، وأخرج دمباكية خضراء كبيرة، ثم تقدم بصرامة فوضعها على مقدمة النعش، فهام أتباعه في الحال وارتفعت أصوات وزعقات اختلطت بنحيب النسوة الآتي من الشبابيك، ارتفعت الجنازة على الأكف، ومشت تتقدمها فرقة النوبة، حملة الرايات في المقدمة، وفي وسطهم الساموق الطويل الهائل برايته الخضراء، يعلوه الهلال النحاسي، يتطوح فوق رؤوس الناس، وخلف الرايات سار حملة المزاهر والصنجات، وأتباع الطرق الرفاعية والقادرية والنقشبندية، وتناغم سير الجنازة على إيقاع الضربات على المزهر وصوت الصنج القارع، تهادى الموكب أمام الجامع وانخفض الحاملون بالنعش ليمروا من الباب الواطئ، ثم وضعوه في الساحة الصيفية، على مصطبة حجرية معدة لتكون حاملاً للنعش، واصطف الناس أمام المصطبة باتجاه القبلة فصُلي على الشيخ أكرم، ثم استأنفت الجنازة مسيرها، تحملها الأيدي بخفة، كأنما التابوت فارغ، كما تحدث الكثيرون فيما بعد، توجهت الجنازة بدفع لا يقاوم نحو اليمين فانعطف الناس معها، مشت في الحارات وفي الأزقة فمشوا خلفها، يتبعون الرايات والغبار، خفَّ وراءها حشد عظيم، من كل الحارات تخرج أفواج من البشر وتلتئم بالموكب الكبير، عادت الجنازة وسارت باتجاه العرابي، صوب المناشر، فتبعها الناس يهللون : الله أكبر ! الله أكبر ! دخلت من بين مناشر البرغل وسارت قرب الأحواض الطينية الواسعة، ثم وقفت هنالك قليلاً حائرة وسط عبق السليقة الرطبة، وتحركت بتثاقل فانعطفت شمالاً، وعادت ثانية إلى وجهتها الأولى، حيث القبر المحفور منذ ساعة ينتظر أن يهال فوقه التراب على الزائر الجديد في مقبرة الشيخ يوسف، " فكل الورى زوار " كما أُثر عن الحاج أكرم.
امتلأت أرجاء المقبرة برؤوس البشر، وارتفع الصبيان على الشواهد وتعلقوا بالأشجار، وانغمس شمس الدين بالحشود وغاب في الزحام، تصفح الوجوه وحاول أن يقرأ فيها ما تبديه من معنى، ووجدها وجوهاً جامدة صفيقة لا تشف عما وراءها، أما هو فكان حزنه ضافياً وغامراً، حزن يتصاعد حتى حافة الحلق، يضيق ويتحشرج بالسؤال الذي أُزهقت روحه هو الآخر، سمع الهمس ينتقل، يدور في لحظات، وفهم في الحال حكاية الأحاديث عن عجيبة العجائب في الجنازة، عن الولاية المشهودة، فقد أبى الشيخ أكرم إلا أن يطوف في الأحياء ويودع أهله ويودع محلته..
في آخر المساء انفض المعزون وتخلف بعض الجيران والأهلين، توسطهم الشيخ صبري في صدر المجلس، وبدأ يتحدث بكلام جديد على الأسماع، أثنى طويلاً على سيرة الجد العطرة، ثم قال:
- يا أخواني !. هذا رجل من رجال الله !. ولله رجال !. والعبرة في المخبر لا في المنظر، فمن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لدينه كفاه الله أمر دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أحسن الله ما بينه وبين الناس، وطوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف !. أخواني !. سمعنا من أشياخنا عن جنازات تطير، وما رأينا بأعيننا حتى اليوم، الآن أعلم وتعلمون أن الشيخ أكرم من الكبار، وما في ذلك عجب، فهو حفيد شيخنا عبد المجيد قدس الله سره.. أنا فعلاً قد انخطف قلبي هذا اليوم، فقدت وأخواني كل إرادة.. كنت أسمع واليوم رأيت بأم عيني، كنا نسير يا جماعة !. ولم نعد نعلم أين نسير.. وأنتم شاهدتم !. الجنازة تسحبنا ونحن وراءها، أنا أغمضت عيني وبات بيني وبينها شد وجذب، أقول سيري يا أَمَةَ الله ! وأدفع بها نحو الجبانة، جبانة الشيخ يوسف !. وهي تعصي أوامري وتسير على هواها، إلى أن تنبهت من غفلتي، وعلمت أني تجاوزت حدودي، تطاولت على الكبار وأنا الصغير الصغير.. علمت أن جنازة الشيخ أكرم منذورة اليوم للسير، ونحن منذورون للحاق بها.. سحبتني وسحبت أخواني وسحبت الدنيا وراءها.. فقدْتُ كل إرادة وقذفت نفسي بعد حين في بحر رغباتها، في سبحات العارف الأجلّ، جدنا الشيخ عبد المجيد.. رحمة الله عليهم أجمعين !. اقرؤوا لهم الفاتحة يا أخوان..
ورفع الجميع أكفهم وقرؤوا الفاتحة، ثم مسحوا بوجوههم.. آمين !.

***
- 15 -

صارت جنازة الجد الحاج أكرم ولاية، ظل الناس يتحدثون بها سنوات، بل أصبحت ميقاتاً للتأريخ بين أناس المنطقة، والعبارة هي هي: ( يوم طارت جنازة الشيخ أكرم ).. يقولها الكبير والصغير.. أما شمس الدين فقال يومها بحسرة تخنقها العبرات : طار جدي وطار معه الحلم، مات ولم أقصَّ عليه حلمي، وما يزال في فمي مذاق الأوراق الرطبة ممتزجاً بطعم الحليب..
لم يطق صبراً وباح بحلمه بعد العودة من دفن الجد، هرع إلى يحيى يبكي، رآه يقبع وحيداً في القاعة القبلية، معتصماً بحزنه وصمته، كان العمة فدوى قد أزالت جميع الصور الفاضحة على الجدار خلفه، ورفض يحيى أن يخرج بكرسيه إلى أرض الدار، لم يشأ أن يجالس أحداً من المعزين، تسلل شمس الدين إلى وحدته، وجلس أمامه صامتاً، تحير كيف يدخل إلى صومعته، هذه التي اعتصم فيها، أحس بالخطيئة والفاجعة، ثم قال يعتذر :
- يحيى البقية في حياتك.. أنا.. كان يجب أن أحكي لك ما رأيت أمس في المنام، لكن والله لم أجد الفرصة، استيقظت صباحاً على الخبر.. لا أدري ما أقول.. كأني ضعت في زحمة الأحلام، في طوقها الخانق، شدّ هنا على الرقبة، وكتم مني الأنفاس.. اسمع ما رأيت..
أخذ شمس الدين يحكي ليحيى حلم الليلة الفائتة، وتلا على مسامعه وصية الترحال، وبدا يحيى ساهماً يتطلع في الفراغ، تبللت عينا شمس الدين وقد أتبع حديثه بحلم القيلولة بالأمس، حكى ليحيى كل التفاصيل، وبكيا معاً، استمع يحيى بصمت ودموع، لم يسأل كعادته، عندما انتهى صوَّب عينيه السوداوين نحوه، ورأى شمس الدين فيهما دموعاً أرعبته، أحس بالفقد وباللوعة في تلك اللحظة، أكثر من أي وقت مضى، تركه دون أن يفلح في سماع كلمة من شفتيه، وأصر يحيى على الصمت، كأنه يعاقبه، ووجد شمس الدين نفسه يقول بصوت منتحب :
- يحيى والله لم يمهلني الوقت لأحكي لك !.
لكن يحيى أصر على الصمت، وتهيأ لشمس الدين أن الأمر لا يثيره ولا يريد أن يلتفت إليه، فتركه وخرج من القاعة، مشى في الزقاق يتساءل أين يمكن أن يجد صحبته، طاف في الحارات القريبة، ثم وصل إلى الساحة، وهناك وجدهم، أو وجد الملاذ، كانوا يقعدون فوق العربة الكارو، انضم إليهم، ووجدها فرصته المواتية ليحل الطوق عن عنقه، داهم صمتهم وبدأ بالحديث، باح شمس الدين بحلمه، بدأ باستحضار حديث الجنازة والدفن، حديث النوبة وطيران النعش، احتدم الكلام، وصار كل يدلي بدلوه، لكنه وقف بدلوه الممتلئ ينتظر، ثم قال :
- اسمعوني !. جدكم أبو أكرم هذا ولي ابن أولياء.. إنه من سلالة الماجد !..
عندما توجهت أبصارهم إليه اطمأن إلى أنه وجَّه الحديث في الوجهة التي يريد، فيما يجعلهم يفغرون الأفواه دهشة وعجباً.. فاستمر يقول :
- كل ما سمعتموه عن الماجد في حكايات جدتنا لا يبدو معه ما رأيته أنا بشيء يذكر، لكن كيف أرى ما رأيت ثم أصحو لأجد جدي قد مات ؟!.. هذا ما يحرق روحي الآن..
استحثه الصبيان أن يحكي ما رأى ليلة موت الجد، فشرع شمس الدين يقص عليهم تفاصيل حلم الليلة وحلم الفجر، أفضى إليهم بأحماله، ودبت فيهم حماسة سرت إليه.. لا بد من الحفر سريعاً، فالكنز المخبوء هبة الجد الأكبر إليهم.
بعد ثالث أيام الدفن بدأ الحفر سرّاً في الركن الداخلي للقبو الكبير تحت الخزانة، تماماً كهدي الحلم، كان شمس الدين شديد الخوف والحذر من أن يفتضح أمرهم فيبوء الحلم بالخسران، أجمع الصبيان على أن يحاط الأمر بسرية تامة، وشدد شمس الدين على الكتمان، ثم تناول مصحف أحدهم من الكنير وقال :
- ضعوا أيديكم جميعاً على كتاب الله وأقسموا..
ففعلوا، أقسم شمس الدين وردد الصبيان القسم وراءه.
كانت اجتماعاتهم الأولى قد بدأت بعيداً عن أعين الرقباء،هناك في ساحة الزقاق، تحت ضوء البلدية الشاحب،اعتلوا العربة ودار حوار أشبه بالهمس،حرصاً منهم على الإبرار بالقسم.
كان ظهر العربة الخشبية مجلسهم المحبب في أيام الصيف، عربة كسيحة تقبع منذ أمد طويل في آخر الزقاق، حيث الساحة وبواباتها، ثم صدرها المفضي عبر زقاق ضيق يتلوى حتى يصل إلى مقبرة العرابي، وفي أعالي المقبرة تجثم ثكنة الأتراك، بصنوبراتها الضخمة، مطلة على المقابر والأزقة.
يبدأ مجلسهم أول التجمع على ظهر العربة، ثم ينطلقون للعب في الأزقة أو هنالك على سفوح المقابر، وربما امتد ولا سيما في سهرات الصيف إلى ما بعد منتصف الليل، حيث يصبح ظهر العربة مسرح سردياتهم الطويلة لقصص الأفلام، ومن فوق العربة أصبح الصادي والغادي يسمع قصص الأفلام الهندية والمصرية وأفلام الكاوبوي، من أفلام إسماعيل ياسين ولويس دي فونيس إلى أفلام شار لي شابلن وجوليانو جيما، من شامي كابور إلى عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ..
عصر كل يوم يجمعون قروش النهار ويسرعون الخطو إلى باب النصر أو باب الفرج، إلى سينما السعد أو أمبير، أو قد يصعدون باتجاه الصفا وينزلون نزلة العرقوب فيصبحون على مرمى حجر من سينما غرناطة، ويا أبو إلياس والله ما في غير هذه الربع، يقف أبو إلياس على الباب الخارجي، يسده بقامته الضخمة، يفتح يده لتسقط فيها الأرباع، ويتحرك قليلاً فيدخلون دفعة واحدة بلا تذاكر، يدخلون في ظلام الصالة، وسرعان ما تطالع عيونهم الشاشة الكبيرة الملونة، أو بالأبيض والأسود، يتلمسون مقاعد في الظلام ويجلسون، يتلمسون أطراف الموضوع على فصفصة البزر، ويسحرهم كل هذا، وعندما ينامون ليلاً تبدأ الأحلام، يخرجون من أفلام إلى أحلام، وأصبح كل ما يرونه في الشارع أو في الزقاق، في المدرسة أو عند الشيخ صبري صيفاً، يستثير مخيلتهم ويفتح شهيتهم على السخرية والهرج، باتوا يجدون في أحداث النهار قصصاً مثيرة أو مضحكة، يسارعون ويسمونها أفلاماً، فشيخهم الشيخ صبري فيلم، ومؤذن جامع الأحمدي العجوز بصوته المتكسر هو أيضاً فيلم، أما شوكت وحكاية أمه وأبيه وقصته مع يحيى ففيلم الأفلام، ويحيى ابن العم عبد الرحيم نفسه فيلم، يحيى مستودع أفلامهم وأحلامهم بات فيلماً هو الآخر، يحكون له الفيلم وفي اليوم التالي يطالبهم بالحلم، هات أسمعني، هل احتلمت الليلة ؟ ويبدأ الهمس والضحكات.. والكل يتحدثون بأحلامهم، الحلي يقول ليحيى وهم يسمعون : - أنا يعاودني الحلم ذاته يا يحيى دائما، حلَّ لي هذه المشكلة !.
ويسارع الكزبري للقول :
- نعلم، أنت ترى في حلمك كل مرة يسرى البدوية، فهمناها !. أما أنا يا عيني فتهجم علي الأحلام بعد كل فيلم أراه، أرى نفسي مع البطلة تدللني وتقشر لي البرتقال، أدخل حارات وأخرج من حارات حتى أضيع، ولا أعرف أين أنا، ثم تظهر البطلة..
والآخر يقول :
- من هي ؟
ويرد الكزبري :
- نادية لطفي.. تظهر يا روحي وتسحبني من يدي إلى تحت الدرج.. وشيء يشعل وشيء يطفي.. أما علمتم.. قد أعلنوا قريباً عن فيلم ( أبي فوق الشجرة ).

***

- 16 -

مرت بضعة أيام امتدت فيها سهرات الصبيان إلى ما بعد منتصف الليل، عدوا جرار الذهب، واختلفوا على قسمتها، علت أصواتهم ودخلوا في شد الأيادي، سرقتهم الليالي فما أحسوا مرور الوقت.. ظن الأهل أنهم يتأخرون بسبب لعب الضامة أو البرجيس كالعادة، وعندما لفتوا أنظار المارين العائدين إلى بيوتهم آخر الليل، ثار الفضول وأقلقهم، في البداية بدأ التدخل ودسُّ الأنوف.. :
- أنتم لا تلعبون الضامة !. حقّاً ما الذي يجري، ما الحكاية ؟!..
وهم امتعضوا للأسئلة وردوا السائل بجفوة. في ليلة تالية جاءهم عمهم الأصغر سعيد قاصداً مجلسهم على العربة، لم يكن مروراً عابراً، جاء وفي فمه كلام.. حياهم ووسعوا له فجلس، نظر في وجوههم بارتياب وسأل :
- ولكن أين رقعة الضامة والأحجار ؟!
أحدهم رد :
- لم نعد نجد في اللعب ما يشدنا يا عم ! ما عاد أحد يشتهي اللعب...
فقال سعيد غير مكترث بالإجابة :
- لكن الأحاديث تنتهي.. من أين تأتون بالكلام ؟
قالوا :
- نتسلى ونحكي حكايات..
تصفح وجوههم بتجهم وبنظرة قلق، ثم أدار كفه بحيرة ونزل من العربة، فمضى من حيث أتى، وتركهم في دهشة وسؤال عن نياته المخبوءة، وتبادلوا نظرات الاتهام فيما بينهم، ربما باح أحدهم بكلمة فعرف العم سر اجتماعاتهم، ربما التقطت جدران الزقاق بعض كلماتهم، فعرفوا حينئذ أن مكانهم الذي اختاروه لأحاديثهم لم يعد صالحاً، أولم يكن صالحاً في الأساس، لأنه وفي صباح اليوم التالي، فوجئ شمس الدين بسؤال والده :
- ما الذي تفعلونه كل مساء فوق العربة ؟
حار للحظات بماذا يجيبه، ثم قال له :
- العربة.. العربة.. ما حكاية العربة ؟ الكل يسأل !. ماذا يمكن أن نفعل في ظنك ؟
سدد إليه الأب نظرة قاسية واعتصم بالصمت، فيما تركه نهباً للهواجس، وتدخلت أمه قائلة بحزم :
- احك بأدب يا ولد !. قل له إنك لن تخرج إلى الحارة بعد اليوم !.
شعر شمس الدين بغضب، وانتشل نفسه من أمامهما وسار كئيباً إلى الكتّاب. كان أخوته وأبناء الأعمام قد سبقوه، وسمع وهو يقترب أصوات الرفاق، مزيج من عشرات الآيات القرآنية ترتفع صاخبة تتقاطع في وقت واحد، عرف أنه تأخر هذا الصباح، وأن عصا الشيخ صبري الطويلة ستناله بنقرة قاسية على الرأس، حاول الدخول متسللاً، لكن عين الشيخ كانت قد ضبطته من النافذة التي ترصد الداخل والخارج.. وقف بالباب مستسلما لما سيأتي، نظر الشيخ في وجهه متفرساً وصاح جملته المشهورة عندما يحل الغضب ولا يستطيع تأجيله :
- (صدق الله العظيم ).
كفَّ الصبية دفعة واحدة عن القراءة، ورددوا عبارة الشيخ والتفتوا برؤوسهم جميعاً نحو شمس الدين . أومأ الشيخ بيده يدعوه للقعود أمامه، وسَّع له الرفاق فوصل متباطئاً، فنقر الشيخ بالعصا الخيزران على كتفه وأبقاها وضغط، فعرف شمس الدين أنه يأمره بالجلوس أمامه، ففعل باستسلام سرق منه كل إرادة، وقبل أن يتنفس من جديد وجده يلقي سريعاً بالعصا الخيزران من يده، ويميل إلى جانب، وبيسراه المشلولة القصيرة يسحب العصا الزان الغليظة ويرمش بعينيه، فمسكته أيادٍ من أكتافه، وسحبت أخرى قدميه وحصرتهما بالفلق، وبدأ الشيخ يعلو بيسراه وكتفه معاً ويهوي مرة واحدة على قدميه، الذهول لا الألم كان إحساسه، الحيرة والتساؤل من أن يكون ذنب التأخير قد استحق هذه العقوبة، عقوبة لا يلجأ إليها الشيخ إلا عندما يكون الخطب فادحاً، ما الذي حصل ؟!.. المرات التي ضرب بها الشيخ بيسراه المشلولة قليلة ومعدودة، ومناسباتها أو دواعيها لا تنسى !. ولم يكن التأخير في أي من هذه المرات داعياً للعقوبة !. ذهل شمس الدين عن البكاء وعن الصراخ وعن نفسه.. في الحال تداعت إلى خاطره المشتعل سهرات العربة، ولم يشعر إلا وجسده يستقيم، فيقع على الأرض لا يقوى على الحراك، والشيخ يصرخ به :
- اجلس.. اجلس ولاك..
ثم يلكزه بالعصا فيجلس وينظر إليه من خلال الدموع وطعمها المالح في فمه.. تفادى الشيخ نظراته، وارتفع صوته بأسماء أخوته وأبناء عمومته، صبيان عبد المجيد، الواحد تلو الآخر، وهو يشير إلى كل منهم يطلب إليه المثول أمامه فيفعل، اصطفوا أمامه، وعرفوا بل عرف شمس الدين على الأقل سبب هذه العصي الحارقة التي انهالت على قدميه منذ قليل.. لم يترك الشيخ العنان لأفكاره، بل دفع عمامته من الخلف بيده إلى حدود حاجبيه واتكأ، ثم توجه إليه وقال ببرود :
- ما حكاية السهرات على العربة ؟ هات.. احك لي..
ولم ينطق شمس الدين بكلمة، فتوجه بالسؤال نفسه إلى الآخرين.. ولما لم ير نية أحد في الإجابة اعتدل بجلسته، ورمش بعينيه ثانية، فامتدت أيدي عرفاء الفلقة إلى أول الجوقة فبطحته أرضاً، فيما انطلق عويله يمزق الأسماع، وتركته الأيدي عندما ركز الشيخ رأس عصاه على الأرض في انتظار رفع غيره.. وعندما ألهبت الفلقة جميع الأرجل، عاد الشيخ فرمش بعينيه، وساد للحظات قليلة البكاء الأسيان والشهيق ومسح الدموع، فبادر الشيخ ثانية :
- احكوا لي الآن..احكوا وأنا أسمع !. هاتوا ما عندكم !.
نظر شمس الدين في وجوههم بعبوس خشية أن يتفوه أحدهم بكلمة وقال :
- يا شيخي نحن نجلس فنتسمع لبعضنا الآيات والأحاديث.
ودعم ابن عمه قوله :
- كل واحد يتسمع للآخر..
فسدد الشيخ نظراته في عيون شمس الدين ورد قائلاً :
- برحمة جدك الشيخ أكرم !. هذا الكلام صحيح ؟
فرجف شمس الدين من الخوف وانعقد لسانه، لكن الشيخ أنقذه بقوله :
- إن الشكوى لم تكن بسبب أقوال الرحمن بل بسبب أقوال الشيطان !. وأنتم تجلسونه بينكم وتتحدثون إليه، وتستمعون إلى نصائحه.. هل أقول أشياء أخرى أيضاً أم أسكت ؟!.. أنتم تعلمون وأنا أعلم، وحتى لا تعودوا لمثلها.. إذن !. أنتم هسّ وأنا هسّ !.
ووضع سبابته على فمه، ثم صرف جوقة العربة بحسم من أمامه مشيحاً بكفيه، ولم يفهم شمس الدين ، ولم يفهم أحد ما عنى الشيخ. أشار بيده فارتفعت أصوات القراءة من جديد. وتبادل الصبيان النظرات طيلة الوقت خلسة، وانتظروا آخر النهار بصبر مجنون.

***

- 17 -

وقت العصر تلاقوا في ساحة الزقاق، وصلوا تباعاً، كما لو أنهم كانوا على موعد، ومعاً توجهوا خارج الزقاق، حثوا خطواتهم، وانعطفوا شمالاً نحو المقبرة.
إنها أواخر الصيف وأواخر حر النهار، حيث العشب المصفر اليابس ملأ الأرض وأحواض القبور، زاروا قبر جدهم أكرم، قرؤوا له الفاتحة وسقوا ترابه، ثم اعتلوا مصاطب القبور، تلمسوا نسمات الصيف فبدأ الحديث أو اتصل، كأنه كان مقطوعاً فاتصل، من نقطة ما في وسطه، بغير مقدمات أو ترتيب.. من نقل الحديث الذي دار بيننا في الأمسيات إلى الشيخ ؟ من فضح الأسرار فجعلها على كل لسان ؟ ماذا نعمل الآن ؟ هل نواصل الحفر، أم نتوقف إلى حين ؟!.. ساد صياحهم وغضبهم لدقائق جعلتهم أكثر تحدياً وحبّاً بالمغامرة، فبات ما كانوا يقولونه ويرفعون أصواتهم به تعبيراً وإصراراً على المتابعة، رغم كل ما يمكن أن يظهر من العقبات أو المفاجآت..
وحتى تكون جهودهم أكثر فائدة اهتدوا إلى خطة تتيح لهم مواصلة الحفر دونما أخطار أو خشية من أن يفتضح أمرهم، وقد رأوا أن يحولوا القسم الخارجي من القبو – وهو بمثابة المدخل للقاعة الداخلية – إلى مكتب لمراجعة دروس الدوبيا والقراءة والحفظ.. مما يؤمن لهم باستمرار المراقبة الدائمة لقاعة الحفر تحت الخزانة، على أن يعدوا الترتيبات اللازمة لتمويه مكان الحفر ذاته، إذا ما دعت الضرورة أو تمت مداهمتهم على حين غرة.. وهكذا انفض لقاؤهم في المقبرة قبل مغيب الشمس، حيث غادروا المكان عندما بدأت الأشباح تدخله مع كل خيط عتمة.
أدوات الحفر التي استطاعوا الحصول عليها كانت قديمة تالفة مرمية منذ سنوات طوال في الخربة المهجورة خلف المنزل، معول ورفش وجاروفتان، وزنبيل واحد مصنوع يدوياً من دواليب السيارات اشتروه من سوق العريان بنصف ليرة، وبعض أكياس الخيش لتجميع تراب الحفر ورميه في الخربة على دفعات وفي أوقات مأمونة من أعين الرقباء. لم تكن المهمة سهلة ميسورة، فإلى جانب ما كانوا يعانونه من أعمال الحفر المتناوبة فيما بينهم، كان هنالك أمر السرية والتكتم على الموضوع الذي بات حملاً ثقيلاً يرهق أنفسهم، لكن لم تمض أيام حتى تباطأ العمل جداً، بعد أن بدأت الدمامل تظهر في بواطن أكفهم، حمراء ثم محتقنه وبعدئذ منفتحة ودامية ومؤلمة.. وبدؤوا حقّاً يلفتون أنظار الأهلين إلى اللفافات القماشية التي تضمد أيديهم، لكنهم كانوا يدعون أنها إصابات اللعب في الحارة وصباحاً عند الشيخ..
بلغ حجم الحفرة الآن نحواً من متر مكعب تحت الخزانة، وبدأت تتسع أمام عيونهم كحلم يكبر، لكن التراب الهش الرطب برائحته النفاذة لم يكن يمدهم بأمل كبير، كانوا يودون أن يعثروا على حلقة حديدية على باب، كما في الحكايا والأفلام، أو على حجر صلد كبير بحجم أحلامهم، يجعلونه نقطة اتجاههم في الحفر، فيقودهم إلى بوابة الكنز حيث الجواهر واللآلئ، والليرات الذهبية والفضية، كما قد حدثتهم وصية الترحال.
بعد أيام من الحفر الكثيف تكاثرت الفئران في القبو، ثم خرجت تغزو أنحاء الدار جميعاً، فطالت المطبخ والغرف والإيوان ووصلت إلى المربعات العلوية، واستنفر جميع من في البيت لهذا الغزو الكريه، ورفضت النسوة دخول الغرف أو المطبخ، ولما وجدت الجدة كوثر القطط تمشي بتكاسل وثقل، شتمتها ونشطت هي لمعالجة الأمر، بخبرتها الطويلة في الصراع مع الفئران والعناكب والصراصير والفسفس، صلت جميع المصائد بقطع الجوز وبالجبن، ونشرتها في أنحاء القبو وفي المطبخ وأمام الثقوب، وعادت إليها في الصباح تتفقدها، ومشى الصبيان وراءها ليروا المصائد وقد امتلأت جميعاً بالفئران الكبيرة والصغيرة، الممتلئة والناحلة، فحملوها بقرف وألقوا ما بها في الخربة خلف الدار، وصُليت المصائد من جديد لتمتلئ في اليوم التالي من جديد، وطار صواب الجدة، فلعنت دنياها والحارة والخربة القريبة ملفى الفئران والجرذان، ثم نزلت إلى القبو وفحصت الجدران والأسقف والزوايا، وحركت صناديق من مواضعها، وأزاحت عنابر الطحين بمساعدة الكنات والعمات، وفارة تنط من هنا وأخرى تمرق كالسهم من هناك، وصاحت النسوة مولولات، فأمرتهن الجدة بالخروج جميعاً فليس منهن نفع، ثم دعت على نفسها، وتوجهت هذه المرة إلى القبو الداخلي، ووقفت جوقة الحفر جميعا متعاضدة تحاول أن تحجز بينها وبين الدخول، فأنت يا جدتنا كبيرة، ما لك والفئران، ودعي الأمر لنا، ولم تفلح جهودهم، فقد أبعدتهم من أمامها بنزق وتخطت العتبة ما بين القبوين، وأصبحت في وسط القبو الداخلي، ووقفت تتفرس وتنصت، أشارت إليهم هامسة أن ينصتوا، فسمعوا في الحال صوت تراب ينهال، تتلوه خمشات نشطة، ثم تراب آخر، فاتجهت الجدة نحو الخزانة، ووقفت هنالك مذهولة، وصاحت :
- ما هذا ؟ ما الذي يجري هنا و من أين كل هذا التراب ؟
فوقف شمس الدين أمامها وسبق الجميع وأجاب :
- إنه عمل الفئران يا جدتي ! أرأيت؟!
فأزاحته من طريقها كأنها لم تسمع كلماته، وعادت تنظر وتتفحص، ثم جلست على الأرض ونظرت إلى الركن كله، وتقدمت زاحفة إلى الكتبية، وأمسكت بيدها ستارة الخيش المعلقة على الخزانة لتستر الحفرة، وقالت لنفسها : ما هذه ؟! وجرتها بعنف فشهقت وتراجعت إلى الخلف وقد فغرت فمها وعينيها، وبعد أن استردت أنفاسها نظر إليها الصبية بخوف وترقب، فقالت باستنكار :
- ستين فار لا يحفر هذه الحفرة، أين عمكم عبد الرؤوف ؟ اخرجوا ! اخرجوا! لا تحركوا شيئاً !..
فابتعدوا من أمامها وقد أصيبوا بالخيبة، وبهتت أحلامهم، لكنهم تمسكوا بالصمت والترقب، وصاحت الجدة بأعلى صوتها على ابنها عبد الرؤوف، فأسرع ينزل القبو، وتبعه الأعمام الآخرون، وقادتهم الجدة ففتشوا وتفحصوا.. ثم صــــاح أبو شمس الدين :
- هذه أعمال الصبيان، أعمال صبياننا يا أمي ! أين هم ؟
والتفتوا إلى الصبية..

***

- 18 -

باح الأولاد بالحلم الكبير، وما عاد سبب الحفر سراً.. أصبحت سيرتهم قبل سيرة الحلم مفضوحة يرددها الجميع، في داخل البيت وخارجه. تنصلوا كلهم وأشارت الأصابع إلى شمس الدين، هز أبو شمس رأسه وجمع الصبية مساءً بحضور كل من في البيت، وخشي شمس الدين العقاب، فهو من سوَّل بالأمر كله، لكنه فوجئ بأبيه وقد سحبه من يده فأقعده بجانبه وآنسه، ثم طلب من الجميع الصمت، فاختلط عليه الأمر ولم يدرك نيات أبيه، وشده من وسط ذهوله ومن خوفه، وأمره أن يقرأ الوصية كما رأى في المنام، وقال برقة اشتم منها شمس الدين رائحة السخرية:
- هات أسمعنا من نفحاتك !.. يا أبو الأحلام !
وعندما صمت شمس الدين، أضاف الأب مخاطباً الملتفين حوله:
- هذه وصية جدنا الأكبر الماجد عبد المجيد، وكلكم سمعتم باسمه، ومن لم يسمع فليسأل الحاجة أسوم وهي تحدثه عن جدنا الكبير، رحمة الله عليه، وهذه هي وصيته، فضل أن يرسلها لنا بعد مئات السنين مع ولد شخاخ، لا يزال حتى هذا الحين يعملها في فراشه، لم يقدر لنا أن نطلع على وصية جدنا حتى هذا الحين، هذه هي الحكمة والمشيئة، لم يمنحنا الله النعمة التي منحها لهذا الصبي ! لكن سبحانه تعالى واهب النفحات، وهذا الصبي صاحب نفحة.. شيخ، خضر، يرى ما لا نرى، ويسمع ما لا نسمع فسبحان الله !.
وفكر شمس الدين في كلمة نفحة، ولم يدر ما تعني، وامتدت يد والده فأمسك بأذنه، وبدأ يفرك بقسوة على مرأى من العيون وهو يقول :
- هذه فهمناها، لكن لا أدري كيف خطرت في بالكم فكرة الحفر، ماذا بظنكم ستجدون تحت التراب ؟.. كيف خطر في بالكم يا ملاعين يا عفاريت أن تمسكوا بالفأس وتحفروا ؟!.. أمر عجيب والله ! ماذا كنتم ستجدون ؟ العمى في عيونكم، عملتم قبراً تحت في القبو !..
وأفلت أذن ابنه، ثم استرسل في حديث طويل عن الوصايا والعبر، أما شمس الدين فدخل في حلمه ثانية، وحاول أن يعيد ترتيب الأحداث في رأسه المتعب، ولم يمهله أبوه، عاد وشده ثانية من وسط أفكاره المبلبلة، عاد وطلب الصمت من الجميع وأمره بالقراءة :
- اقرأ السطور التي قرأتها في المنام، أريد أن أسمعها من فمك.
صمت شمس الدين ولم ينطق بكلمة، فعاد الأب ونهره :
- هيا قل.. أسمعنا !
وبدأ شمس الدين خائفاً يتلو بصوت منخفض، طلب منه الأب أن يرفع صوته أكثر، فقاوم عجزه، فقد بدا الأمر كله مدعاة للشفقة بعد شد الأذن والسخرية من النفحات.. وحاول أن يرفع صوته، لكنه شعر بالاضطراب، وتهدجت الكلمات على لسانه فوقف بعد أن خذله صوته ودمعت عيناه، وقال لأبيه :
- والله لست أنا الوحيد الذي حفر، كلهم حفروا معي.. لا أستطيع أن أقرأ، أنتم أصبحتم تعلمون بكل شيء..
ونظرت إليه العيون بحزن أطفأ فيها فرحة التسلي، فالتفت أبوه إلى الصبيان وكأنه يريد أن يتسلى ويسلي الآخرين حقّاً وقال:
- من يذكر فيسمعنا ؟
فأجابوه :
- هو الذي رأى، وهو الذي يدري، ومن أين لنا نحن أن ندري ؟ !..
في تلك اللحظات شعر شمس الدين بيد تطوح به من أعلى، وتقذف بجسمه في هاوية، وسقط في حضن جدته كوثر يلهث، وقد بلل العرق البارد جميع جسده. رشوا على وجهه ماء زهر فصحا مذهولاً مستاءً، أنهضوه فنهض يمشي نحو فراشه في المربع العلوي، وأسنده أبناء عمه وساروا به إلى الدرج، والجميع ينظرون بخيبة، فقد عدَّت الجدة ما جرى فألاً سيئاً واستعاذت بالله.

***

- 19 -

في اليوم التالي جلس شمس الدين واجماً ينظر في الفراغ، لم يكلم أحداً ولم يكلمه أحد.. في السهرة عاد الجميع ثانية إلى سيرة القبو، ووجدهم يجتمعون حول الجدة الكبيرة أسوم، الكبار والصغار، الرجال والنساء، سألت فوزية :
- نون هل حقّاً لنا جد اسمه الماجد، وأنه ترك لنا في القبو طميرة ؟ !
كانت الجدة تنظر في وجوههم بدهشة وحيرة، وكان يبدو على وجهها أنها لم تكن تفهم ما يقولون، ففي كل مرة كانت ترد بأن تقلب كفيها دون أن تحير جواباً، وربما ابتسمت وأجابت السائل بكلام آخر، كأن تقول :
- سوا.. سوا..
أو :
- لا.. أنا شبعانة..
فعرف الجميع أنها خرفت وثقل سمعها، وأنه لا سبيل لأن يفهم أحد منها ثلاث كلمات على بعض، كما قالت الجدة كوثر، فلا تتعبوا أنفسكم ! فنفضت الأيدي منها، وعاد الجميع إلى القبو وسيرته.
أما شمس الدين فعاد يفكر بيحيى من جديد، بعد أن منع أبوه وأعمامه الحفر وأهالوا التراب على الحفرة، ثم جاؤوا بالطيان الذي سوّى الركن تحت الخزانة. لم يطل تفكيره بيحيى، إذ سرعان ما جره هذا من يده بعد انفضاض السهرة، ونظر إليه فيما يشبه العتاب، ثم قال بلهجة لوم وتعنيف :
- كنت تصرع رأسي بمناماتك، لماذا لم تخبرني بما فعلت وفعلوا، كيف ؟ !..
ردَّ شمس الدين بانكسار:
- هذا ما حصل يا يحيى، قلت لنفسي لن أشغلك بكلام فارغ وأعمال صبيان، أضغاث أحلام كما قال عمك سعيد، ونحن مجانين !.. وأنت قد رأيت النتيجة ! الطبخة شاطت والفيلم احترق..
قال يحيى بثقة أعادت الحماس الذي انطفأ :
- دعك من الحكي بلا طعمة، فأنت دب لا تعرف كيف تفكر ! الآن سدوا الحفرة، لكن يجب أن نفكر فعلاً بالأمر، وبما يمكن أن نفعل، ولو أنك جئتني من البداية لما حصل الذي حصل. هذه واحدة عندك.
عاد شمس الدين الآن يسر في أذن يحيى بحكاية الحفر من أولها، وجده منجاته الأخيرة، أراه الدمامل في يديه، ووصف له الحفرة التي صنعوها، وحجم التراب الذي أزاحوه.. وفوجئ بهذا الاهتمام الكبير الذي أبداه يحيى بقصة الحفر، شاهدتهما العمة فوزية متلبسين في حديث عن الحلم إياه، فسارعت تقول :
- هذا الولد ما تربى ! يحدثك عن الأحلام ثانية، أليس كذلك ؟ !
فأجاب يحيى مموهاً وغمز لشمس الدين بعينه :
- يا عمتي هذا فيلم جديد، أقصد حلم جديد، وهذا الولد في كل ليلة يحلم، ينام على بطنه ويحلم، وينام في الظهر ويحلم، وإذا أخذ غفوة الآن أقسم أنه ينهض منها فيحدثك عن حلم رآه، وأنت تعلمين، الكلام بسرك، هذا وقته، المياه بالظاهر قد وصلت إلى القساطل..
ويضحك يحيى مقهقهاً وتضحك العمة فوزية، ولم يدر شمس الدين ما قصد يحيى، وما الذي أضحكهما. وتجلس فوزية تريد سماع كل شيء، ثم تقـول بعد تفكر :
- والله حكاية هذه الطميرة شغلت بالي، وخبرها صحيح، لأن منام شمس الدين إشارة، وأنا مع هؤلاء الأولاد الشياطين الذين حفروا، الله يهدهم، فعلاً ملاعين، لكنهم يعجبونني !. يكفينا هكذا عيشة يا !.
وتلتفت إلى شمس الدين وتقول :
- احك لي من الأول يا ابن أخي، احك بالله عليك !.
ثم استأنفت متوجهة بكلامها إلى يحيى :
- أنا لا يخلصني مما أنا فيه إلا حصتي في الطميرة، يكفيني بلاءً وتعتيراً من أول عمري حتى الآن.
وفتحت كفيها أمامهما وتابعت تقول :
- أنتم تعلمون، ماذا بيدي الآن ؟ لا شيء ! والله وحده يعلم ما بي !
عاد شمس الدين ثانية إلى حكاية الحفر، وأخذت فوزية تستمع باهتمام، في ذلك الحين دخلت العمة فدوى إلى القاعة القبلية، التقطت شيئاً وخرجت، دون أن تلتفت لشيء مما يقال، وما كان الأمر كله يعنيها.

***

- 20 -

كانت العمة فوزية قد عادت إلى البيت الكبير منذ شهور، لم يطل زواجها، كانت قد تقدمت بها السن، ثم جاءها النصيب بعد طول انتظار، انتظار ثم فقد أمل، حتى أصبحت صامتة شاردة كل الوقت. طلب يدها رجل كبير في السن أبو شباب وصبايا، ماتت زوجته، وزوج أبناءه وبناته، ثم عنًّ على باله أن يزوج نفسه، وبحثوا له واهتدوا إلى فوزية، سأل والدها الحاج أكرم عن الرجل، وصلى يبيت استخارة، لكن فوزية كانت قد أعلنت موافقتها دون أن تكترث بالسؤال والتزكية :
- فرصة وجاءتني، فلماذا لا أجرب ؟
ودون حفل زواج ولا أفراح، كتب الكتاب في مساء الخميس وانتقلت فوز - كما يناديها يحيى - إلى بيت زوجها بسيارته الإسعاف التي كان يعمل سائقاً عليها، وسارع يحيى يلقب زوج عمته بأبو العنانة، وقد أصبح الجميع في الأيام التالية للزواج يعلمون بوصول فوزية لزيارة بيت أهلها من صوت سيارته.. وا.. وي، وا.. وي.. فيقول يحيى :
- هه.. وصل أبو العنانة..
أو يقول إذا كانت العمة فوزية بينهم :
- قومي عمتي،قومي.. جاء أبو العنانة ! إسعاف الحقي!.. ضعي له عشاءه، ويا الله على البيت، لا تضيعي الوقت!.
وترد فوزية وتقول :
- عازك عليه.
ويرد عليها :
- الله يهني سعيد بسعيدة.
فتصرخ في وجهه :
- والله لسانك يلزم له قص. ولك أما سمعت ما قالوا : الرجل في البيت رحمة ولو كان فحمة.. نحن ما صدقنا صار لنا بيت وكعكتين بخيط !.
وباتت زياراتها إلى بيت أبيها نزرة، في المناسبات والأعياد فحسب، لكنها في الآونة الأخيرة، قبيل قصة القبو وموت أبيها الحاج أكرم، أصبحت تأتي للزيارة فتقعد أسبوعاً، وربما امتدت زيارتها لأسبوعين، وتفهم أمها الحاجة كوثر أنها تشاجرت مع الكنات وأبناء زوجها، وأن العيش لم يعد يطاق هناك، وتبدأ الشكوى ولا تنتهي، وتعلق الأم بأسى :
- يا حسرتي، سعدها أسود، هذا نصيبها..
ثم تبث في أذنها النصائح تلو النصائح :
- ولك بنتي، أنت يجب أن تسايري من طرفك، لا تقفي لهم بالعرض، حاولي أن ترضي الكل.. انظري حال أختك صفية..
لكن فوزية تظل راكبة رأسها، لا تريد أن تلتفت إلى كلام أمها، أو تسمع المزيد، كانت في الأيام الأولى لحردها تصر على الطلاق، وتقول إن روحها زهقت من هذه العيشة، وبعد أيام يأتيها عقل الرحمن فتبرد، وتسأل شقيقاتها وزوجات أخيها :
- هل أعود إليه ؟ ما رأيكن ؟ يمكن صار أحسن، ويشد معي الآن.. ؟!
ويتدخل يحيى بعد صمت :
- ارجعي لأبو العنانة عمتي ! أحسن لك..
فتلتفت إليه وتصب غضبها :
- يهد الله حيلك !. من أين طلعت لي أنت ؟! الله بعث لنا بهذا الزوج، وهذه قسمتي، فو عليه يعني ؟! الرجّال سند المرأة ولك ابني..
ويضحك يحيى ويقول :
- صحيح ! هذا ما نقول يا عمتي، روحي لسندك، أو انتظري حتى يأتي ويأخذك بالعنانة.
ولم يأت زوج فوزية مرة واحدة ويأخذها، كانت تحرد بنفسها وتعود إليه بنفسها، وتمازحها زوجات أخيها قائلات :
- لو كان في صبي بينكما كان سأل.. صحيح أنه لا يريد الأولاد يا عميم ؟ لماذا لا تفرحي قلبه بولد ؟!..
وترد هي :
- يا أختي هذا في الثمانين ولا يقدر على الواع والويع..أنا من طرفي قلت له، حاولت والله ! لكنه رفض..
فيضحكن معاً وهن يعلمن أنها قاربت الستين ولا تستطيع أن تأتي بقطة لا بولد !.. وأمام ضحكاتهن تقول :
- والله أنا.. من أجل كبرتي، ليس لأي شيء آخر..
مات أبو العنانة. وعادت فوزية إلى بيت الأهل ببقجتها الوحيدة بعد اليوم الثالث، لتمضي عدتها بينهم لا في بيت زوجها، بعد أن سألوا لها الشرع. كان لها خزانة في بيت زوجها لكنها لم تأت بها ولم ترسل في طلبها، وقد حثها يحيى مرات على طلبها وهو يقول بمكر :
- هذه من رائحة المرحوم يا عمتي !
وهي تهز برأسها وتقول :
- خزانة عتيقة ومسوسة، ورائحتها فسفس.. عجبك !.
ويظلان طوال النهار كما سمتهما الحاجة كوثر " نوَّاحة وردَّادة "، يظلان يتبادلان النكد أو الأحاديث والحكايا ، تبرد بينهما حيناً وتشتعل أكثر الأحيان.. وغالباً ما يختم يحيى الجولة بقوله :
- والله ما في أحد مبسوط في هذه الدنيا مثلك يا عمتي، لا ولد ولا تلد !
وترد هي :
- إيه يا ابن أخي ! كله بأمره..
وتنهض في صباح العيد فتبكي، وهذا ما بات الجميع يعرفونه، في كل عيد ستبكي وتترحم على والدها وتقرأ له الفاتحة، ثم تقبل عيديات أخوتها وتدعو لهم بطول العمر وببقاء الأولاد، وتدس النقود في جزدانها وتطلب الحلوى، فتأكل من كل الأصناف، ولا ينفع معها نصح، وقد سمنت وباتت تمشي بثقل وتميل على الجانبين..
- عمتي ! هذا سكر وأنت محمية، أما قال لك الدكتور.. ؟
وتقاطع الناصح :
- الآن عيد وأنا فككت الحمية، دعونا نتنعم ! ماذا في هذه الدنيا ؟! ثم إنني آكل على نية الشفاء يا ابني ! ويا روحي ما في أطيب من البقلاوة وكول واشكور والبلورية.. إذا لم تكن على سفرة العيد فهذا ماهو عيد.
وبعد الحلوى يأتي دور الطبيخ الصباحي، تتساعد النسوة في إنزال طنجرة المحشي الخاروفية من على النار، ويبدأن بالسكب في الصحون النحاسية، وفي أسفل المحشي اليبرق، ومن تحته العصاعيص، أما في القدر الأخرى فهناك السفرجلية، فهذا عيدها.. ويجلسون جميعاً إلى سفرة الفطور، ويأكل الكبار بشهية كبيرة، ويعجبون لماذا لا يأكل الصغار.. والعمة فوزية تلتهم من كل لون، وتظل على السفرة إلى الآخر، وتطمئن الجميع إلى أنها مسؤولة عن مسح الصحون، فلا أحد يأكل همّاً، ويأتي دور القهوة المرة، ثم تبدأ جولة الضحى لزيارة الأرحام.. ويسأل يحيى عمته مفتحاً الجروح :
- اعتبري أن حصتك من الطميرة صارت معك، فماذا تفعلين يا عمتي ؟ !..
وترد فوزية، وكأن الجواب على رأس لسانها :
- آكل على كل ضرس لون، أتنعم يا ابن أخي ! ماذا في هذه الدنيا ؟
في ذلك الحين تدخل العمة فدوى، تتوقف وتستمع إلى الحديث، ثم تنظر بصمت، دون أن تعلق حتى بكلمة، أو تدخل في حالة شرود، فكل تلك الأحاديث لم تكن تثير فيها مجرد الرغبة في النطق، وأمام صمتها تنصرف فوزية فتفيض بمزيد من التبرم والشكوى، لكنها لا تفلح في جر أختها إلى حديث، فتؤثر الصمت هي الأخرى، إلا أن الحديث لا ينفد ما دام ذا شجون، فتعود إليه مرات ومرات. وبقيت تتابع أخبار الحفرة في القبو بحرص حتى بعد أن سدها أخوتها بالإسمنت، وبعد رؤية يحيى الأخيرة لديبو الزغنون في المنـام.
***


- 21 -

كانت العمة فدوى تبدو هادئة كئيبة، قليلة السؤال والكلام، فلم يعد بها حماس لأي شيء، فمنذ سنين سارت عنوستها في طريق مسدود.. كانت قد صدت الكثير من الخطاب في صباها، نظرت إلى الجميع بتعال غريب، لم يستطع أحد فهمه، عندما غادرت سنواتها العشرين، خفَّت أرجل الخطّابات، حتى لم يعد أحد يطرق بابها إلا نادراً، ثم انقطعت أرجل طلابها مرة واحدة.. في ذلك الحين كانت أختها صفية التي تصغرها بأعوام كثيرة قد مشت إلى بيت السعد، في الثالثة عشرة من عمرها.. وأما أختها فوزية فقد وقع نصيبها على أبو العنانة، وبقيت هي بمفردها تنتظر الذي لا يأتي، وتاهت بعد ذلك في الطريق، أصبحت حادة المزاج، تنهر كل من يكلمها، ودخلت في المنامات السوداء، تنهض منها فزعة في الليل، وتهجس بها في النهار، ولم يعد من مفر في أن تقضي ليلتها نائمة في جوار ضريح الشيخ يوسف، في المقبرة التي باسمه، " ليلة واحدة وتنفرج.. " حمل والدها النصيحة وحدَّث الحاجة كوثر.. ورفضت فدوى الفكرة من أساسها، وظلت سادرة في مناماتها وفي الوسواس.. ركبها الوسواس وما عادت تنفع معها الحيل.. تغسل يديها مرات ثم تتذكر أنها نسيت غسلهما، فتنهض وتغسلهما من جديد، مرة ثالثة وسابعة وعاشرة.. وتعود وتغسل وجهها، فلا تذكر أنها غسلته عندما أفاقت في الصباح.. وتجلس عصراً إلى زينتها، تلاحق كل شعرة على أطراف الحاجبين وفي الذقن وعلى الخدين.. وتضع الكريم الأبيض، ثم تزيد عليه طبقات حتى تصير أشبه شيء بلاعبات السيرك كما في الأفلام.. عندما تتغامز الكنات ويضحكن تبدأ هي بالشتائم، وتبدأ الشرور ولا تنتهي، وصارت تهاجم وتضرب، وبين عضات وشد شعور تتراجع مقهورة وتنخرط في بكاء طويل لا ينتهي.. يعود الحاج أكرم ويحدث الحاجة كوثر في قصة فدوى التي تنغص روحه، يقرأ لها ويبخر وهي نائمة، فتصحو وتزعق في وجهه، وتفقد الأم صوابها وتصيــح :
- يعني يا روحي من أين نأتي لك بالزوج ؟!. العمى !. عيب عليك تفعلين في نفسك كل هذا.. الشيطان راكب رأسك.. وحدي الله يا بنتي !.
وأمام كلمات أمها تكاد تصاب بالجنون، فحكاية الزوج لم تكن تخطر لها على بال، وما هي به من بلاء لا يعلمه إلا الله، بلاء لا تدري كيف انقادت إليه..
واستطاع الأبوان بعد حين أن يقنعاها بأن تخرج من البيت فتزور ليلة عند الشيخ يوسف.. ضيفة عنده..
- والله نومة أنس.. مجربة يا بنتي.
يقول الحاج أكرم بإشفاق.. وترد هي بنظرات خائفة..
في المساء حضَّرت الحاجة كوثر بسطاً وأغطية.. حملها الأبناء وانتظروا أختهم فدوى، فلبست ملاءتها السوداء ووقفت أمام أمها تنظر إليها بحزن، كانت ترجوها بعينين محمرتين أن لا تدفع بها إلى المقبرة، واقتربت الأم وابتسمت مشجعة، ثم أخذت رأس ابنتها بين يديها وقبلتها، ومسحت على كتفها بحنو، فيما استدارت فدوى وسارت أمام أخوتها.. خرجوا بها فمشت أمامهم، وتبعهم الحاج أكرم إلى المقبرة يقرأ.. كانوا قد صلوا العشاء وخرجوا.. ووضعت فدوى قدماً في المقبرة وتوقفت، غزاها في لحظة صمت القبور، وأرادت أن تفر هاربة، في الوقت الذي وصل فيه الأخوة ومضوا داخلين أمامها بغير اكتراث، ووصلها صوت أبيها يتلو بعض الآيات، فعادت إليها الألفة، لكنها مشت متوجسة تتلفت، وقد تعلقت عيناها بأبيها، فاقتربت منه والتصقت به لا تريد أن تتحرك، فيما أخذ الحاج أكرم يدفع بها دفعاً رفيقاً باتجاه القبة الخضراء العائمة وسط القبور، وصل الجميع إلى ضريح الشيخ يوسف على ضوء القمر، ومصباحٍ في يد الأب.. خرج إليهم خادم المزار، ودار كلام، ثم فتح باب المزار ووقفت فدوى خائفة لا تريد أن تدخل.. تمد قدماً في الباب ثم تتراجع وتبكي.. شجعها أبوها ومد بساطاً بجانب ضريح الشيخ يوسف، ورفع ضوء المصباح، وادخلي يا فدوى !. هذا ضوء القمر وهذا ضوء المصباح وذلك مصباح المزار أيضاً فمن أي شيء تخافين ؟!. دفعها أخوتها دفعاً واشتد بكاؤها، وقال خادم المزار :
- لا تحاولوا يا أخي ! الشيخ يزعل والله.. إذا كان الشخص غير راغب فلا نفع في الموضوع من أساسه.. دعوها على راحتها.. حرام !.
ويسألها أبوها المتداعي فوق عجزه، هل تريد العودة إلى البيت ؟ وترد هي :
- لا أريد شيئاً إلا العودة إلى البيت..
ونفض العجوز يده، وكذلك خادم المزار، الذي أخرج البسط والسجاجيد فوضعها خارجاً، ثم دخل وأقفل الباب وراءه.. عاد الجميع إلى البيت، وكانت الأم وكناتها ينتظرن، مستفهمات بأعينهن، فهجمت فدوى على يد أمها وهي تصرخ، وأشبعتها تقبيلاً :
- والله يا أمي خفت يطلعوا علي.. أبوس إيدك !.. أعفوني من هذه النومة !. فأجلستها الحاجة كوثر بحنان، وضمتها إلى صدرها مثل طفل حتى غفت..
في صباح اليوم التالي نهضت فدوى من فراشها هادئة صامتة.. وبدا كأنها تقدمت سنوات في العمر، كأنها كبرت ما بين يوم وليلة كما قالت أمها.. أصبحت عاقلة متفهمة..
- عيني عليها والله عقلها يوزن جبل.
تقول النسوة ويحلفن برأسها قسماً..
صارت تسمع إلى مشكلات الجميع وتعطي رأيها.. تساعد زوجات أخيها وتعرف الأصول.. تدخل المطبخ أولاً وتخرج آخر من يخرج..
- والله فدوى شالت العائلة..ولا ندري من غيرها كيف يمكن أن نكون..إيه..يرحم ترابك يا شيخ يوسف!..يقول الوالد العجوز.
أما الصغار فكل ما يريدونه باتوا يطلبونه من عمتهم فدوى، أصبحت أمًّا لكل واحد وواحدة.. أما يحيى فأصبح بينه وبينها وحدة حال، وسماها بيت سره وخزانته وقفله أيضاً. يذكرونها بزيارة المقبرة فتقول بحزن :
- كلنا لاحقون على هذه النومة !.
ورفضت زيارة المقبرة فيما بعد، للتسلي مع النسوة في عصريات الصيف، يمضين بالمأكولات والبزر والذرة المصري المسلوقة أو المشوية، وتتخلف هي في البيت تنهي أعمالها وتحادث الجدة الكبيرة أسوم.
***

- 22 -

بعد أن داهم الزغنون يحيى في منامه، بات يراه في الصحو أينما نقَّل عينيه، يراه في كأس الماء التي يشرب، وفي الطعام الذي يأكل، سد عليه المنافذ كلها، يغفو على أريكته فيراه مقبلاً نحوه، يفر من وجهه إلى السطح، ويختبئ بأوراق الدالية، فيتربع جالساً أمامه، يقفز إلى الستائر ويتجاوز الأسطحة قفزاً مثل بهلوان، فيلحق به، يعدو يحيى بقدميه الرخوتين أمامه ولا يلتفت، يسير في اتجاه آخر، ويعود فيراه أمامه كشيطان من شياطين السحر والرعب..
في وقت من الأوقات أصبح ديبو الزغنون هذا مؤرق ليل الحارة ونهارها، عكيد الحارة كما يسمونه، فيلم من الأفلام، لكن ليس كأي فيلم، هو فيلم طغيان ورعب، يعود آخر الليل كعادته في كل يوم، يعود من خمارته الليلية، فهذه جولة الليل، ولم يكن أحد حتى ذلك الحين قد استطاع أن يعرف ما لون عينيه، هل هي زرقاء حقّاً ؟ أم حمراء كما قد رآها البعض دون جزم أو يقين، فما رفع عينيه قط ينظر وبقيت عيون أخرى تنظر، عندما يلوح مقدمه عائداً من جولة النهار يهرع الصبية يصيحون : عباية.. عباية.. والكل يدخل في الخشية ويحسب العواقب، فيسرع الباعة في فضِّ الزبائن من أمامهم، تتعالى أصوات الغلق الخشبي والدرابات الحديدية، ويظل بعض الباعة داخل الحوانيت المغلقة يتعوذون : " اللهم اكفنيه بما شئت، إنك على كل شيء قدير "، ويهرع أحدهم يخبر جيرانه الأبعد بالآتي القريب.. أما الباعة المتجولون على الحمير فيخزون دوابهم ليبتعدوا سريعاً من طريق الزغنون.. بعد لحظات من إنذار الصبية يخلد السوق إلى حالة من الصمت، وكأنه سوق مهجور فلا بيع فيه ولا شراء..
غير مرة كان الزغنون قد اصطدم مع شوكت الحصرومي، لكنه لم يكن يتمادى في الشجار، بل يقف عند عبارة واحدة لا يتعداها، يقول مسدداً نظراته القاسية كالمسامير في وجه شوكت :
- على رأسي الحكومة من فوق..
لكن العبارة لم تكن تخفي ما كان الزغنون يلوح به من تهديد، أما شوكت فيستدير وينسحب من أمامه مؤثراً السلامة، ثم يقول لأول من يلاقيه :
- وسخة !. واحد وسخة، ماذا يمكن أن تفعل معه ؟!.
عندما يعود الزغنون من جولاته الغامضة في وسط النهار، يتقدم ببطء نحو الساحة، كأنما يسير على إيقاع الموت، مباعداً ما بين ساقيه، مباعداً يديه عن جانبين، يحمل قدماً وينزل أخرى، قامة قصيرة وشروال كحلي عريض فوقه زنار من الشال العجمي، وتحت الزنار على الجنب الخنجر المعقوف يبدو مقبضه المفضض، وفي مؤخرة الرأس قبعة سوداء صغيرة مخرمة وملونة شغل السجون، وأنا أبو أحمد ولاك.. شارب كثيف وخدود محمرة وعيون لا يدري أحد ما لونها.. ويخطر في باله مرة أن يقف أمام إحدى الدكاكين المفتوحة، ويسأل صاحبها الذي داهمه الويل فلم تعد هنالك من حيلة تنفع :
- لماذا بقيت أنت فاتحاً دكانك ؟ يعني اللذين سكروا خافوا وأنت بطل ولاك..
ولا ينتظر إجابة على سؤاله، بل ينقض مثل القضاء المستعجل، يسحب خنجره خطفاً ويضرب، يضرب ضربته الذكية، ضربة يعرفها أهل السوق ويسمونها ضربة معلم، ضربة تخلف على الوجه أو الرأس أو الساعد خطّاً من جرح خفيف سطحي، وعلى المصاب المبتلى أن يهرع أولاً إلى يديّ الزغنون يقبلهما ويقول :
- أمرك عمي أبو أحمد، أمرك.. مثل ما تريد..
فيتركه الزغنون يمسح دماءه بمنديل ويمشي وهو يزأر هذه المرة :
- سكروا عرصات، سكروا ولاك !..
وتسمع حينئذ الضحكات الخافتة المكتومة، ضحكات من خوف وهستيريا، مع أصوات الدرابيات تنغلق على ما فيها ومن فيها، ويمر الزغنون على الدكاكين مرور اللئام، حتى يصل بيته، فيدخل محملاً بالدعاء وباللعنات، متبوعاً بالكفريات والنقمة، وتعود أبواب الدكاكين تفتح، بعد أن يصيح الصغار : هوَّاية.. هوَّاية.. إيذاناً بانقضاء العباية، ويلتف الجميع حول المصاب يواسونه ويقولون :
- هذه المرة جاءت من نصيبك.. خذ حسبك الله ! ماذا نفعل هذه كتبته.


***



- 23 -

عاوده الحلم في ليلة تالية، في البداية وجد يحيى نفسه قد تسلل زاحفاً إلى القبو فوجده خالياً من كل شيء، ثم ظهرت له حفرة هائلة في جوف القبو الداخلي، رآها حفرة رهيبة تنطوي على ظلمة قاتلة وأسرار مهلكة، وعجب كيف أمكن لأبناء عمه أن يحفروا في أيام معدودة كل هذه الحفرة، وجد نفسه يقف أمامها ويهم بالنزول، لكنه يتهيب الخطوة، فيسمع صوتاً عميقاً يأتيه من أعماق الحفرة، صوتاً أشبه بقهقهة بعيدة، مط يحيى رقبته يبحث عن مصدر الصوت، تدلى في الحفرة وهمَّ بالسقوط، لكن يداً امتدت وقبضت على رقبته، فانفلت بقوة وتطلع مرعوباً إلى وجه الفاعل، فإذا بالصوت يأتيه قريباً :
- أنا الزغنون، أنا أبو أحمد، هل عرفتني ؟!..
نظر يحيى فيه بتفحص، لم يكن قد شاهده مطلقاً، وتذكر وصف شمس الدين له، فتأكد من لون عينيه بعد أن أدام فيهما النظر، وقد تحول الزغنون في تلك اللحظات إلى عيون تحملق، لم تكن حمراء ولا زرقاء كما سمع يحيى، لكنها كانت صفراء على وجه أسمر قاتم، وبدت في وجهه أسنانه صفراء أيضاً، وتحول لون الحفرة إلى الأصفر، وقطع الزغنون على يحيى أفكاره، وأمسك به من رقبته، وشد عليها بقوة، ثم اقتاده أمامه نحو الحفرة وقال بصوت حاد كالمنشار :
- انظر هنا !.
ودفع برأسه في الحفرة..
- هل ترى ذهباً أم زبلاً، أنا لا أرى إلا الزبل..
فقال يحيى موافقاً على كلماته :
- وأنا أرى الزبل عمي أبو أحمد، إنه الزبل حقاً ولا شيء غير الزبل..
ثم أفلت الزغنون رقبة يحيى وخرج من القبو فتبعه، في أرض الدار تلفت، وجد الجدة أسوم على كرسيها غافية فاقترب منها ورفعها بقبضته فوضعها على غصن الدالية فتدلت، بقيت نائمة، وارتفع شخيرها فامتعض وعاد إليها ثم هزها وأمرها أن تكف عن الشخير وإلا ذبحها، وخاف يحيى على جدته أسوم، فالتفت الزغنون إليه في تلك اللحظة وقال :
- واطلع أنت في الحال إلى السطح ونم أيضاً!.اطلع ولاك!..
ولما تلكأ يحيى بعجزه امتدت يد الزغنون وطوحت به ثم ألقته في فضاء الدار، فحط على المزراب الحجري، فاطمأن الزغنون إلى مكانه ومكانته، ثم اقتلع على عجل غصناً من الدالية ودقه على باب القبو بالمسامير، وخرج.
صار يحيى يهذي بحلمه في الصباح، فتح عينيه في العتمة وما عاد يستطيع أن ينام، فما معنى أن يقذف به الزغنون إلى المزراب الحجري بكل هذه المهانة !..
حدث عمتيه وجدته وشمس الدين بما رأى، اهتزت كلماته على شفتيه وارتجف، لم تعر جدته لكلامه اهتماماً، وظلت عمته فدوى صامتة، أما فوزية فقد أصغت إلى الحلم مكتئبة، واكتأب شمس الدين بدوره، واستعاد يحيى بعض أجزاء الحلم، ثم بدا قلقاً مغتاظاً فشتم الزغنون ولعن أبويه، ولاحظ شمس الدين أن ابن عمه قد بدأ يأخذ قصة القبو على سبيل الحقيقة، وهمَّ فعلاً بأن يدبر مكيدة للزغنون – على عجزه – يرديه فيها :
- آه لو أشرب من دمه هال ابن الحرام، فهو يستحق أكثر بكثير..
وحدث الجميع بنقمته على الزغنون، ويسأله عمه سعيد :
- وماذا فعل لك الزغنون ؟ أنت لم تره أبداً.
فيجيب بحدة :
- بل رأيته وأعرفه، هذا الحقير يرصد القبو ولا يريد أن يفك الرصد، تفو عليه وعلى جورة الهم التي جابته !..
ويستمر في شتمه ولعنه، بصورة جعلت كل من يسمع يعجب لهذا العداء الأسود الذي يكنه يحيى للزغنون. ويلتفت إلى عمته فوزية ويقول :
- عمتي حصتك أنا من يحصلها، أنت كوني مطمئنة، ويغرب بعينيه بعيداً..

***


- 24 -

فاجأ يحيى أغنامه ذات صباح بطلب غريب، لم يفكر فيه أحد من الصبية قط، وما خطر ببال أنه يمكن أن يحدث، كانوا حوله يتحدثون بقصة القبو، وكان يسب الزغنون ويتوعد، ثم قال بلا مقدمات :
- اسمعوا !. أريد أن أذهب إلى السينما !.
دهشوا لطلبه وقالوا :
- كيف يا يحيى !. هل هذا معقول ؟!
قال :
- أذهب معكم على الكرسي. ماذا بها ؟
قالوا :
- كيف ؟! العجلات قديمة ولا يمكن أن تسير على حجارة الزقاق.
قال :
- تحملوني على الساكت، ولا أحد يدري، أنتم تحملونني بالكرسي حتى الجادة، ثم تدفعون بي على الزفت ونتساعد !
قالوا :
- وإذا علم أعمامك !. مشكلة يا يحيى..
ولم يترك لأحد فرصة التفكير أو مناقشة الأمر، ساعدوه في تغيير ملابسه، ورمى سجادة صغيرة على قدميه المشلولتين، وقال:
- أنا جاهز ! توكلوا على الله..
حملوا الكرسي من الطرفين وركضوا في ساحة الدار، ورأتهم الجدة كوثر، وقبل أن تفوه بكلمة قال يحيى :
- والله يا جدتي طقت روحي، سأجلس على باب الزقاق قليلاً، أشم الهواء وأتسلى..
هزت الجدة رأسها دون أن تتكلم، وخرج الصبية من الدار، حملوا الكرسي بثقله وساروا يسرعون في الأزقة للوصول إلى الجادة، حتى يتسنى لهم إنزال الكرسي ودفعه على الإسفلت، ويحيى يتملى بدهشةٍ الحارات والناس، يسأل عن أسماء الأزقة والعطفات، يرفع رأسه وينظر إلى المشربيات والأكشاك، يلتفت إلى الوراء ويتابع المشاهد العابرة، يلاحقها بعينين زائغتين، والصبيان أبناء عمه دهشوا في حالته، ينظرون في عينيه فيبتسم بفرح، شاهدهم الناس في الحارات، وتابعوهم بنظرات متعجبة مستفهمة، لم يعبأ يحيى بالنظرات، ولم يلتفت إليها، كان في شغل شاغل، يكاد يطير بين أيديهم، لم يشعروا بحمله ثقيلاً، وما توقفوا للراحة، سريعاً قطعوا الأزقة الحجرية، ووصلوا إلى الجادة في بانقوسا، فأنزلوا الكرسي على الإسفلت، ودفعوا به باتجاه باب الحديد.. سأل شمس :
- يحيى أي فيلم تحب أن تشاهد ؟
ردًّ كمن أعد كل شيء :
- اليوم بدأ عرض فيلم ( جزيرة الكنز والشياطين السبعة )، هيا أسرعوا إلى سينما روكسي..
وأسرع الفتيان من ساحة باب الحديد نزولاً باتجاه باب النصر، دخلوا في جادة الخندق، ومشوا بمحاذاة سكة الترام ، أمام حوانيت الحديد الضخمة الشاهقة، وطرب يحيى لصوت جرس الترام يقترب منهم ويرن، يغادرهم وتغادرهم السيارات والدراجات، كلها تسابق كرسي يحيى، ويحيى يسابق بكرسيه الماشين على الأقدام، يجول بعينيه في كل شيء حوله ويضحك، يتلفت في كل اتجاه، يدفع الصبية إلى الإسراع أكثر، وينهض من كرسيه متكئاً على ساعديه، كمن يهم بالطيران، وهم يسرعون به ويدخلون في باب الفرج، ثم ينعطفون يساراً إلى ساحة الساعة، فيصبحون أمام الصالة، ويمد يحيى يده ويقول :
- خذوا هذه هي النقود ! هيَّا اقطعوا تذاكر !.
قطعوا تذاكر بنقود يحيى، وتوجهوا إلى باب الصالة، فأخذ الواقف على الباب التذاكر بدهشة، وأفسح طريقاً للكرسي، فدخل الجميع فجأة في طقس العتمة، لبثوا لحظات يتلمسون المكان، فاندفعت في التو حزمة ضوء في فضاء الصالة نحو الشاشة، واندلع في إثرها صخب موسيقى، وضعوا كرسي يحيى بجانب صف المقاعد، لكنه أصر أن يخرجوه من الكرسي فيجلس معهم على المقاعد، ففعلوا، اعتدل يحيى على مقعد الصالة، وتعلقت عيناه بالمناظر بذهول، لم يلتفت إلى إيضاحات الصبية الكثيرة، وبعد قليل طلب إليهم السكوت، فلا حاجة به إلى تعليقاتهم وتفسيراتهم :
- اسكتوا كرمى للنبي.. دعونا نتفرج !.
وانغمس بعدئذ في الفيلم، ووضعوا في كفه حفنة من بزر عين الشمس فردها، وظلت عيناه معلقتين بالشاشة الكبيرة..
- مبسوط يا يحيى ؟
يهز برأسه مبتسماً ولا يتكلم، أبناء أعمامه ينظرون في وجهه في العتمة أكثر مما ينظرون إلى الفيلم، ويحيى غائب عنهم، غائب عن دنياه، يتلون وجهه بضوء الشاشة وبالحماسة، يشتد انتباهه ويكاد يهتف، يتحرك في مقعده ويميل إلى أمام، ثم يرتد إلى الوراء فجأة، ويرفع يده ويهز بقبضته.. يقرؤون له الترجمة، ولا يبدو عابئاً بالمعاني، بل لقد أصبح بعد دخول الفيلم في أحداثه الحارة، أصبح يحيى جزءاً من الحدث وحركة الأبطال والصراع، يهاجم الأشرار بعنف، يساند البطل ويهتف معه، هم يشجعونه ويحرضونه، وهو يشتد في الهياج وفي الحماسة، يصفق بقوة ويطلب منهم أن يصفقوا، يصيح بكلمات مشجعاً، ثم يشتم بعنف، يلعن الأوغاد، أبناء الحرام، ويعدهم بمصير أسود، يشتد هياجه و يطلب إليه الصبية أن يهدأ، و " يا يحيى الناس أصبحوا يتفرجون علينا لا على الفيلم، يكفي ! هذا كله تمثيل في تمثيل " ولا يعبأ يحيى بكلامهم، ولا يسمع منه حرفاً واحداً، يكاد يقتلع نفسه من مقعده ويهاجم مع المهاجمين، التفت ناس من أمامهم، وتعالت رؤوس خلفهم، ويحيى لا يريد أن يهدأ..
حلت نهاية الفيلم، واشتعلت الإضاءة في الصالة، وفيما زحفت الستارة وانغلقت، نظر الصبية إلى ابن عمهم يحيى في الأضواء، فوجدوا في عينيه دموعاً على وجه يفيض بالبسمات، انتظروا أن يخف زحام الخروج فيحملونه إلى كرسيه، توجهت الأنظار إليهم وصوبت بفضول، لكن يحيى، على ما سببه لهم من حرج كان ينظر في وجوههم بثقة ويبتسم، يرد نظرات الآخرين الباهتة بابتسامات أيضاً، سأل شمس الدين عن اسم البطل وردده بفخامة مرات : " قاهر العصابة ستيفنسن.. " وطاب له البطل واسمه، والبطلة وجد فيها جمالاً كجمال الملكات، ثم شبه وجهها بوجه اللعبة لنعومة قسماتها، وسرعان ما أطلق عليها في طريق العودة إلى البيت لقب " السخلة الشقرا ".. حمله الصبية من مقعد الصالة إلى كرسيه، وأصبحوا في بهو السينما الخارجي، فاستوقفهم وتعلقت عيونه بصور إعلانات الأفلام القادمة، يتملاها ويسأل عن الأبطال والبطلات، وهم يشرحون له ويستفيضون، يتحركون ليمشوا، فيصر هو على التريث، وهذه الشقراء ما اسمها ؟ ولابس البرنيطة هذا من هو ؟ و " يا يحيى يكفي الآن يجب أن نعود!." وظلت عيون يحيى تتمسك بالصور والأضواء، إلى أن استطاعوا الخروج به مكرهاً، فعاد إلى إلحاحه، وسألهم برجاء أن يروه الصالات الأخرى في باب الفرج وشارع بارون.. قالوا :
- يا يحيى الوقت تأخر وبعد قليل يعود أعمامك إلى البيت.
قال ضاحكاً :
- في المرة القادمة سنأتي بالأعمام والعمات وجد الخالات.. أفلام روعة.. أحلى أفلام والله !. هل أنتم جائعون ؟ تعالوا نأكل الفلافل..
توقفوا أمام فلافل برج لبنان، التهموا الروائح واللفات الشهية، التوابل الحريفة، المخلل والنعنع، طلب يحيى لفة ثانية، حشا فمه ومضغ بتلذذ، وما لبث أن شتم طعام جدته كوثر وكل صحونها وطبيخها، فانفجر أبناء العم بالضحك، ودفعوا به في طريق العودة.
انطلقوا مسرعين على الإسفلت صعداً باتجاه بانقوسا، ليدخلوا ( جوانية ) في طلعة القشلة، فيتفادوا المرور في السوق ثانية، تناوبوا في دفعه، وتابعهم المارة بفضول رده يحيى غير مرة برمي السلام، سلام واثق، كأنه على معرفة بالناس. قبيل الوصول بدأ كرسيه يتخلع، وبات وشيك العطب، فعجلتاه تصدران صليلاً وتتمايلان، ومسنداه يهتزان وينحلان، دفعوه أكثر وهو في نشوة وانبساط، يتلمظ بطعم الفلافل، ويردد اسم البطل بقوة كما في الإعلانات السينمائية، ثم يعود فيسرد على مسامعهم مقاطع من الفيلم، يذكرهم بروعتها، ويطمئن إلى أنهم قد أدركوا ما تحمله من قوة وعظمة، كأن يحيى قد تبدل في ساعة، أصبح يحيى آخر، "اسكت يا يحيى الآن، سنتحدث في البيت !. " لكنه يستمر في الحكي، من أين جاءه كل هذا الحكي ؟! في الطريق أخذ يتحدث عن الفيلم على نحو جديد لم يعهده أحد في أحاديثه السابقة، كان فيما مضى يحدثهم من خلال إعادة أحاديثهم ذاتها، أو من خلال ما يسمعه ويشاهده في صور شوكت، الأحاديث والأخبار نفسها يكررها، لكنه يضفي عليها جاذبية ما، جاذبية وخيالاً، يصنعها على طريقته، ويضع لها من بهاراته، أما الآن فهو يحيى آخر، تبدلت كلماته وعباراته، حركاته وتعبيرات وجهه، أصبح مشهداً حيّاً أمام العيون، بالصوت والصورة، يشخص أحداثاً بعينها بالحركات الرشيقة، بالضربات والأصوات، ويبرع في تحويل كل هذا العنف إلى أصوات :
- بم.. بو.. طراق.. طراق.. بو.. دجججج.. دج.. ترررر..
كل حركة صوت، وكل صوت تعبير.. والناس تنظر إلى موكبهم، كأنهم باتوا في عراضة، أو كأنهم قد أصبحوا مشهداً في فيلم حقيقي، تلاحقهم عيون وتتسلمهم عيـــون..
وصلوا زقاق القشلة فباتوا كأنهم في منجاة، من كل هذه المهزلة، وانعطفوا سريعاً دون أن يحملوا الكرسي، ودفعوا به بقوة على أحجار الزقاق الناتئة، وتراقص الكرسي واختلج، واهتز يحيى وتكركر، كل واحد أمسك بطرف ودفع، ويحيى يضحك ويحثهم على الدفع أكثر، واعوجت العجلتان، وأخذتا تهبطان بالكرسي وتصعدان، ومع ضحكاتهم وضحكات يحيى، لم يشعروا إلا بالكرسي يتطوح وينقذف إلى أمام، وهوب !. مرة واحدة وقعوا جميعاً، هم ويحيى والكرسي، سقطوا فوق أحجار الزقاق، وانفصلت إحدى العجلتين في الحال وتدحرجت، فيما اصطكت العجلتان الصغيرتان واعوجتا إلى الداخل.. نهضوا من الضحكات والكدمات، نفضوا ألبستهم وأخرجوا يحيى من تحت الكرسي فسب آباءهم وهو يضحك، أجلسوه في الكرسي المائل فمال وتعلق باليدين، حمل أحدهم الدولاب المخلوع، وحمل آخرون الكرسي المعطوب من الجانبين وعليه يحيى، يتخضخض ويضحك، واندفعوا في الزقاق أكثر.. ولما كانوا قد أصبحوا قرب البيت واجههم بعض رجال الحي بالسؤال واللوم، وهددوهم بالشكوى إلى الكبار :
- كيف خرجتم به ؟ إلى أين ؟ ! هذا عاجز والله حرام !. كسرتم كرسيه.. أولاد شياطين والعياذ بالله !.. "
ودخلوا البيت، وطالعتهم الجدة ساخطة تصيح :
- أين ذهبتم به كل هذا الوقت ؟ أين كنتم يا يحيى ؟ !
وسارعوا يقولون :
- ذهبنا ندور في الأسواق قليلاً.. هناك لم نبتعد.. أراد يحيى أن يتفرج على الدنيا.. أريناه الترام يا جدتي !..
وبدا يحيى في كرسيه المائل على عجلة واحدة منشرحاً وغير عابئ، وذهلت الجدة عن كلماتهم، والصحيح أنها لم تسمع منها كلمة واحدة، تعلقت عيناها بالكرسي المعطوب، وبوجه يحيى الساهم، ووضعت يدها على رأسها كمن يستجير وصاحت :
- وكسرتم الكرسي أيضاً ؟
واستبد الصمت بيحيى، لا أحد يدري أين ذهبت ضحكاته وكلماته، انطفأ كل شيء في وجهه فجأة، والعمتان فدوى وفوزية تنظران ولا تصدقان، وخرجت زوجات الأعمام وبناتهن من غرفهن ينظرن بدهشة، فتوجهت الجدة إلى الأمهات وقالت :
- هذه تربية أولادكن ! كل واحدة تدخل غرفتها وتنام وتفلت أبناءها في الشوارع !. هذه حالة زفت، أنا لم أعد أطيق، ماذا سيقول أعمامهم الآن ؟!.
وفي لحظة صمت نطق يحيى بعبارة واحدة موجزة :
- ذهبنا إلى السينما !
فانتفضت الجدة كأنها لسعت، وضربت على رأسها وصاحت:
- هل جننت يا يحيى ؟ أنت كبيرهم.. لكن مثل الحمار، لا تفهم !. والله ما بقي في رأسك ذرة عقل !. كله من شوكت.. الله لا يوجه لك الخير يا شوكت!.. الله ينتقــــم منك !.. صور، وكلام بلا تربية، والنتيجة هذه..
لم يرد يحيى على صراخ الجدة، بل توجه إلى عمتيه فدوى وفوزية ونظر برجاء وقال :
- احملاني إلى الغرفة..
فاقتربتا منه وحملتاه بكرسيه المعطوب إلى كنبته في القاعة القبلية، فاستلقى وطلب منهما الخروج، دخلت الجدة تواسيه هذه المرة، فقد زعل.. حرام.. خطيّة.. كلها منكم يا ملاعين !. فتبعها الأولاد وتبعتها النسوة، واقتربت الجدة تلمس رأس يحيى وتقول:
- تقبرني، لماذا زعلت من كلام جدتك ؟
ورد يحيى بكلمة وكلمة أخرى، ولم يتبين أحد ما قال، وما تمالك نفسه وبكى.. وتوقف وسط شهقاته وقال :
- لماذا تقولين شوكت ؟ الرجل من شهور ما زارنا.. قطعتم رجله من البيت.. حرام !. حرام واحد يطلع يشوف الدنيا ؟!. لازم يعيش في سجن حتى تنبسطي حضرتك ؟ الصباح مثل المساء! اليوم مثل البارحة ! وماذا فيها ؟! ذهبت إلى السينما يا ستي! وسأذهب كل يوم، هل هذا يعجبك ؟! والكرسي يجب أن يصلح، لا !. بل اشتروا لي كرسي جديد بدواسات يدوية..
ونادى الصبية وقال :
- خذوا هذا الكرسي وألقوا به في الخربة ! والله لن أجلس فيه بعد اليوم ! أقسم بالعظيم !
وأقسمت الجدة أيضاً بأن الكرسي لا يمكن أن يلقى :
- ما فيه شيء ! يحتاج إلى تصليح ولحام..
وصاح يحيى بالواقفين ينظرون، صاح بكل من في الغرفة، يأمرهم بالخروج، فخرجوا، وخرج الصبيان بذنب لا يدرون ما سيأتي به على رؤوسهم حين مقدم الأعمام.

***

- 25 -

أول القادمين كان العم سعيد، دخل البيت وطارت عيناه..
- أين يحيى ؟ أين هو ؟
يقول للجدة..
- والله ليس في وجهه ذرة حياء..
والجدة تقول :
- خير.. خير ! اصبر ونحن نحكي لك !.
فصاح سعيد :
- تصوري يا أمي ! هؤلاء الشياطين أقنعوه.. هل يريد أن يجلب لنا العار، أن يوطي رؤوسنا ؟! هذا واحد عقله طار، لا أخلاق ولا عزة نفس، والعياذ بالله !..
ورفع صوته يسمِّع يحيى في غرفته :
- نقود ونعطيك.. فلماذا الشحاذة يا كلب !..
وشخصت الجدة بعيونها، وضربت النسوة على الصدور..
- كيف ؟! الشحاذة ! من كان يشحذ !. يحيى ؟!..
- أبناؤنا يدفعونه على الكرسي يا أمي، وهو يستعطي فلان وعلان ؟!.. يا حقير.. يا واطي !.
فصاح الأبناء جميعاً :
- يا عم ! والله ما كان أحد يشحذ ! من قال هذا ؟ !.
وردت الجدة :
- ذهبوا إلى السينما يا ابني ! هذا كل ما جرى، من أين تأتي أنت بالأخبار ؟ !
أحدٌ ما أقنع سعيداً أن الأولاد كانوا يشحذون على يحيى، وأنهم ذهبوا به إلى الجامع الكبير، وقد رأوهم مع العميان، وهو اقتنع ولا يريد أن يفهم غير هذا الكلام :
- لا.. الذي أخبرني لا مصلحة له في الكذب، هذا ما جرى حقّاً يا أمي !..
واندفع سعيد إلى القاعة وهو يسب ويلعن، ولحقت به الجدة مع الصبية والبنات وراءها.. كان يحيى مطرقاً، لم يرفع بصره لينظر في وجه عمه، فبادره سعيد بقوله :
- لست تستطيع أن تنظر في عيني، أليس كذلك ؟! من يفعل فعلتك يخجل حقّاً..
فرفع يحيى رأسه وقذف شتيمة أذهلت الجميع، فهجم سعيد في الحال بالحزام الجلدي، سحبه من خصره، ووقفت في وجهه الجدة والعمتان، وأقسمت عليه الجدة بالعظيم ألا يضرب، وصاح يحيى بعمه سعيد :
- اخرج من هنا !. اخرج من هنا وإلا سممت نفسي.. يا عمتي فدوى، أعطني سمّاً وخلصيني من هذه الحياة الزفت ! والله العظيم سأشرب الكاز وأستريح !..
خرج سعيد من القاعة تدفعه الأيدي، خرج يلعن ويتوعد، وبصق على هذه التربية وهذا الجيل ثم قال :
- يخرب بيتك يا لئيم، أرأيتم هذا الجبر ؟!. كل صاحب عاهة جبار !. السينما !. عدنا إلى السينما والكفر، كل هذا من بلية شوكت..
ثم استنزل اللعنات على شوكت الزفت، فهو سبب كل هذا البلاء، واختفى الصبيان من أمام عينيه الغاضبتين، فاندفع خارج البيت مهرولاً، حتى وصل بيت شوكت، وطرق الباب عنيفاً بالسقاطة النحاسية، ولم ينتظر ردًّا بل بدأ بالشتائم تلو الشتائم..
- يا شوكت يا واطي.. كله منك ومن صورك الكافرة، الله ينتقم منك..
من يدري إن كان شوكت في بيته أو خارجه، لم يرد أحد، أطل بعض الجيران من الأبواب، خرج بعضهم يهدئه ويسأل عن القصة، وعاد سعيد إلى البيت يرتجف، يهدد ويتوعد والزبد يخرج من فمه..
قبيل المغرب حضر الأعمام، عادوا تباعاً، كانوا قد علموا في طريق العودة خبر خروج الأولاد بيحيى وحكاية الشحاذة.. يدخل أحدهم البيت وفي فمه كلام، لكن الجدة تزم ما بين عينيها وتضع سبابتها على فمها وتطلب الصمت.. وبعد قليل تهمس بكلمات في أذنه، فيهز رأسه ويصمت أو يطلق : لا حول ولا قوة إلا بالله ! وينظر في سهوم..
تفرق الجميع بعد طعام بلا شهية نحو الغرف، وأوصت الجدة :
- انتهينا أقفلوا هذه السيرة !
وبات يحيى ليلته دون أن يغمض له جفن، وكانت سيرة أخرى قد فتحت..

***

- 26 -

أقفلت السيرة فعلاً، ولم يعد أحد يسأل عن حقيقة ما حدث في ذلك اليوم، في اليوم التالي أُرسل الكرسي إلى العجلاتي فأصلحه، جلَّس إطار الدواليب وقواها بالأسياخ، ودعم الأرضية والمسند بصفائح حديدية جديدة لحمها مع القديمة، وأصبح الكرسي ثقيلاً يصعب تحريكه، ورفض يحيى أن يجلس فيه، وأصر على رفضه، لم يطالب بالجديد، وأبدى تذمره من الموضوع كله، وتقدمت منه الجدة ولاطفته، ربتت على كتفه وباست رأسه، ويحيى نظر إليها بحزن ثم غرَّب بعينيه المحتقنتين بعيداً، لم يتكلم، حملته العمتان إلى الكرسي بعد قليل فما رفض، عادت جدته تواسيه وتقول له :
- أمير يا يحيى والله أمير، وما تريده يصير..
وباست رأسه ثانية، وظل صامتاً، لا ينظر إليها ولا إلى أحد، حملت العمتان كرسيه خارج الغرفة، ودفعتا به إلى ما تحت الكبادة، كما أمرت الجدة، ولم يبد أن الأمر يعنيه، وفركت الجدة كفاً بكف وهمست لنفسها :
- عيوني الصبي انقهر ! حقه والله ! يا حسرتي حظاته قليلة من هذه الدنيا !..
في الأيام التالية أعادت الجدة المياه إلى مجاريها، وعملت ليحيى حلاوة الصلح، حبوب بالحليب وجوز الهند، وامتدت يدها فرشت في صحنه فحسب الفستق المجروش، و " الدلال كله ليحيى " : قال أبو شمس الدين .. وانبسطت أسارير يحيى قليلاً، عاد إليه بعض مزاجه، لكنه أصبح يبدو أكثر الأحيان شارداً مهموماً، ينهر من يكلمه، وعاد يسأل شمس الدين بصوت منخفض كلما التقيا، عن أفلام الأسبوع، ويكون ذلك مقدمة لسؤال أهم، عن القبو وما يراه شمس من منامات جديدة :
- وهل ترى الزغنون ؟
- أحياناً يا يحيى.. لماذا تسأل ؟
ويرد بهمس :
- أنا البارحة رأيته.. الزغنون رأس الحية، ومتى قطعت الرأس انتهى كل شيء، هو من يقف لنا في الطريق، ابن الحرام عامل رصد للقبو، أما رأيت في المرة الماضية عندما أغلق القبو و..
- هذا في المنام يا يحيى ما علاقة الزغنون ؟! أعمامك سدوا القبو وانتهينا من هذه الحكاية..
لكن يحيى لم ينته، في كل يوم يتجدد الموضوع لديه، يضيف إليه صوراً وخواطر أخرى، وشمس الدين حائر ضائع، كلما أراد أن يلقي بالموضوع في بحر النسيان عاد يحيى يذكره بقوة، بإصرار لا يعرف اللين. أبناء العم كانوا قد نسوا، لا يريدون أن يفتحوا السيرة، أما هو فعاد أمام إصرار يحيى، كلما اقتنص خلوة، طار بخياله إلى حلمه إياه، وهناك تأخذه أحلام أخرى، أو ينسلُّ نازلاً إلى القبو كلما وجد الفرصة سانحة، فيسعى إلى الركن الإسمنتي، ينظر في الرقعة السوداء ثم يرجع يائساً، بعد أن يدرك أن كل شيء قد انتهى حقّاً.
أصبح يحيى يعود من حيث أتى، يعود إلى أحاديث بائتة تهرأت على الألسن، صار الجميع يأنفون سماعه، ونفضوا أيديهم من أحاديثه وتسلياته، و " يا يحيى فهمنا هذه السيرة والله، أما عندك سيرة أخرى ؟ " : يقول شمس الدين .
ويهز يحيى برأسه، ويصر على أن أعمامه ما كان يجب أن يسدوا الحفرة في القبو هكذا، دون أن يتأكدوا من وجود أي شيء!.
تبدل يحيى وفقد كل مرحه في أيام، أثاره القبو وحكايته أيما إثارة، وأصبح محور أحاديثه في أوقات صحوه وهذياناته في المنام، تنهض الجدة مذعورة في الليل على أصواته، وقد أصبحت تساكنه في غرفة القعدة، ونقلت فراشها إلى جانب أريكته بعد موت الجد، في كل ليلة تنهض على أصواته المرعبة يتحدث في منامه، يلوح بقبضته ويضرب الوسادة، يسب ويتوعد، يشتم الزغنون بكلام فاحش مقذع..
في الصباح الباكر يهجر نومه بعيون محمرة، وعندما يرى شمس الدين يبادر إلى سؤاله بعينيه قبل لسانه عما رآه في حلم الليلة، ووجد شمس الدين نفسه يلفق له كلاماً من تداعيات اللحظة لعله يرضيه، أو يخفف بعض دقات روحه على قلبه وخاطره، بات يتلقط أي أخبار من أحلام شمس الدين أو أكاذيبه ويفسرها على هواه، نسي قواعد ابن سيرين، وأصبح يفسر ما يراه هو ويراه شمس الدين بطريقة تجعل من الحلم حقيقة لا يعوزها البرهان ولا الدليل، لم يعد يلتفت إلى أحاديث الأفلام، وما عاد أحد ينقل إليه قصصها، وأصبح الجميع يستمعون إليه يحدثهم بهذا اليقين طويلاً، يحدثهم بثقة كبيرة عما كان يمكن أن يجدوه بعد الحفر - لو أنه استمر - من ذهب وفضة وقناطير مقنطرة، وما يمكن أن يصنعوا بها، يلتفون حوله ويسألونه :
- يحيى أنت ماذا ستفعل بحصتك ؟
وتنفرج أساريره ويبدو كمن دبت فيه حياة جديدة، فيقول :
- والله لا أعرف ماذا أقول الآن !. لا تقل فول حتى يصير في المكيول.
ولكن يا عين يحيى يقول الأولون :
- الدراهم مراهم، ضعها على الجرح يبرا..
وتتدخل العمة فوزية وتقول :
- لكن أنا أعرف أنهم يقولون أيضاً :
- درهم مال يلزمه قنطار عقل، وأنت.. سبحان الذي أخلاك من الاثنين ! والله يثبت علينا العقل والدين أحسن شيء..
أما هو فيهز برأسه كمن لا يريد أن يكترث بكلامها، أو كمن يعد لحظات السعادة تلك أثمن من أن تبددها كلمات خائبة تنفثها فوزية وتريد أن تسلي نفسها..

***

- 27 -

بعد حلم القبو وموت الجد، أو ربما بعد يوم فيلم روكسي، لا يستطيع أحد أن يجزم بالتحديد، تغيرت أحوال يحيى وباتت تسير من سيئ إلى أسوأ، كان قد هجر ركنه تحت الدالية، وأصبح يمضي معظم أوقات يقظته أمام كوة القبو، ينظر في ظلمتها، يتفحص، كأنما يبحث عن شيء. من الصباح تحمل العمتان كرسيه نحو ركنه الجديد أمام الكوة، تضعانه وتنفضان يديهما منه طوال النهار، أما هو فيقبع هنالك طويلاً بالبيجاما الرمادية التي لا تفارق جسده، ساكناً، محني الظهر، لا يطلب طعاماً ولا شراباً، عندما يقترب أحد منه يسمعه يغمغم بحروف خافتة، لا ينظر في وجه أحد، ولا يعبأ بمن ينظر إليه أو بما يجري حوله، فجأة تراه يقرب فمه من حديد الكوة المشبك كمن يفضي في أذن بسر، ويهمس بكلمات غامضة، ثم يصيح بحبور :
- هو.. هو.. هو..
وعندما يسألونه من كان يكلم، وهل رأيت شيئاً يا يحيى ؟ يبدأ وجهه يظلم ويسب الزغنون ويكفر بدينه وسماواته..
الآن ضاق يحيى بالقبو وبالأشباح التي يراها، بالأمس ضاق بأفلام الصبيان وأحلامهم، ببوح النسوة وشجارهن، بدلع بنات العم، والآن بالقبو وسيرته، ثم هجر الكوة، ترك شرفته الدامسة والتفت إليهم، إلى أوغاد لا يراهم أحد، وبدأ ينهر كل من تقع عليه عينه، يشتم ويدفع بيده مؤذياً من يمر بجانب كرسيه، أو يطوح بصحن طعام في يده، يلقيه بما فيه ويصيح بغضب على أحد في وهمه، لا يسمع أو لا يريد أن ينفذ أوامره :
- قلت ألف مرة.. تقف أمامي هنا !.. هنا.. مثل الحمار.. يا حمار !. وتدلي أذنيك !.
ورفض الصغار الاقتراب منه، أما هو فما عاد يحس بوجودهم، تجاهل الصغار والكبار، الأعمام والعمات، الصبيان والبنات، رفض مواساة الجدة وتوسلات عمته فدوى التي كأمه، ثم قذف بكل ما يقدم إليه من طعام أو شراب، وصار يجأر من الصباح إلى المساء بالشتائم المقذعة، يطلقها على أسماع النسوة وبنات العم بلا خجل، شتائم غريبة طرقت أسماع البنات، وبدا للجميع غريباً مشاكساً كأشواك سامة. وصاح عمه سعيد مظهراً غضبه :
- يا أمي، هذا واحد كذاب، هاوي تمثيل، كل ما ترينه منه.. كل هذه الفظائع تمثيل، يخرب بيته.. أنا أعرف ما يريد.. الآن إذا سمحت له أن يذهب إلى السينما على هواه، ويقابل بيت سره شوكت.. يشفى من كل علة، هذا دواه، الرذيلة وقلة الحياء، هذه آخرتها في تربية النسوان، لكن دواه عندي.. كف واحد يا أمي على سحنته، يجعله يصحو، يعرف أن الله حق..
ويرفع يده يهم بضربه، وتهجم الحاجة كوثر وتدفعه نحو الباب وهي تصيح :
-دخيلك..الذي فيه يكفيه،لا تكسب خطيته يا ابني،حرام.
ويخرج سعيد وهو يتوعد :
- انتظري !. انتظري يا أمي، حتى أنجِّر له عصا تليق بجنبيه..
***

- 28 -

في ذلك الصباح الحار صحا شمس الدين من حلم ساخن ألهب رأسه وأغرق ما تحت فراشه بعرق سخي، ومع صوت شوكت يتردد في أنحاء الدار، وفي تلك اللحظات فحسب شعر أنه فقد يحيى حقًّا، إلى ذلك الحين كان ما زال يقول : لابد أن يعود يحيى إلينا، لا يمكن أن يتركنا لأفلامنا وأحلامنا وينفض يده من كل شيء، سينسى القبو وقصته المسمومة، سينسى الزغنون وعيونه الصفر، لكن الحلم إياه قضى على كل أمل، كان أشبه بكابوس، بدأ أول الأمر حلماً عذباً ينتشي باللهو والفرح لكنه انتهى بفجيعة، فنهض من ظلماته بعيون رطبة، صعقه صوت شوكت، قذف به في الصحو المرير، ولما استردت ذاكرته ما حصل في الحين، عاد يبكي هذه المرة، بكى في فراشه بدموع كالقهر نضحت جدولاً لا يريد النفاذ، كان ما أحس به فدفعه إلى البكاء حزناً عميقاً لا يعرف من أين ينبع ثم يندفع ليستوطن في القلب.. حزناً طاغياً كشلال أسود، غاص يحيى في قعره الرطب الساكن وطاب له القعود هنالك.
حاول شمس الدين أن يجره نحوه لكن يديه عجزتا عن الحركة، وحدها رجله كانت أشد من القوة، ركلت ركلة واحدة فانتهى كل شيء، لم يكن في حسبان أحد أول الخروج إلى الجبل أن اللعبة ستكون جديدة، وما دامت كذلك فهي قاتلة، لكن الإغراء دفعهم، كانوا قد ملوا ألعابهم القديمة بعد أن تهرأت، فجمعوها حينها وألقوا بها فتدحرجت على الجبل إلى أسفل الوادي، وصاحوا في إثرها : خذ ألعابنا أيها الوادي فاقبرها في أحضانك للأبد، ستكون لنا ألعابنا الجديدة، سنحيا كما نشتهي وتشتهي الأحلام.. وتابعوا طريقهم الصاعدة على جبل الغزَّالات، هتف يحيى بهم :
- أسرعوا فالغزالات الآن نائمات، خرجن من تعب بدأ في الفجر وانتهى وقت الظهيرة، وهذا هو الجبل لنا، نحتله بكهوفه ومغائره، بسروه وصنوبره.
وصلوا السفح ولم يصدقوا ما رأوا، فغمت أنوفهم السكينة ورائحة الصنوبر، فدارت رؤوسهم وعانقوا الأشجار، صاحوا بأصوات رناتها كالسواقي، فارتدت إليهم، وطابت لهم لعبة الصدى، يلقون بالكلمات فتغيب لحظات ثم تعود إليهم.. طابت لهم اللعبة حقاً فصدحوا طويلاً، بعد ذلك وقف يحيى على صخرة خضراء مكسوة بالطحلب وصاح بهم، تجمعوا حوله أسفل الصخرة، افترشوا الأرض المكسوة بإبر الصنوبر، قال يحيى :
- سأقرأ لكل واحد فيكم بخته..
قالوا :
- ولكن أين فناجين القهوة ؟!.
فرد يحيى بثقة :
- لا يهم، انظروا إلى السماء !. ليختر كل منكم غيمتة وأنا سأقرؤها له.
ورفعوا رؤوسهم ينظرون في السماء، كان ثمة غيوم شفافة متناثرة ترفل في الزرقة المترامية، شرع يحيى يقسم الغيوم بينهم، وبدأ يشير بإصبعه إلى تفاصيل الغيوم، ثم دهشوا وهم يرون في أعلى الجبل فريق التصوير السينمائي يلتقط لهم الصور من أعلى، سألوهم ماذا يفعلون هناك، فأجابوا : جئنا نصور فيلماً.. ممثلات جميلات تناثرن تحت شجر الصنوبر بالأردية الفاضحة الملونة، سحابات من حرائر مدت على العشب، خضراء وصفراء وحمراء، أشعلت نيران وتصاعدت أدخنة ملونة.. تك.. تك.. فلاش الكاميرا يومض، رقصة في باب الكهف الأرجواني بدأت، تلوت الراقصات وتلوى الحرير، صدحت موسيقى عذبة كأشربة ملائكة.. اقترب الرفاق أكثر من بقعة التصوير، وفاجأهم يحيى بطلب غريب، توجه إلى المخرج وأمره في الحال أن يترك المكان، لم يبد على المخرج أنه سمع كلام يحيى، أو أنه سمع ولم يكترث بحرف مما سمع، فسدد إليه يحيى في الحال لكمة شديدة طرحته في حفرة، وصفقت الممثلات وضحكن، أخذ يحيى يكيل اللكمات لفريق التصوير، وغرقت الممثلات في الضحك وانقلبن على العشب، تاه يحيى بفتوته ونظر إليهن بخيلاء.. انهزم المصورون ومساعدوهم، وجمع يحيى صحبه حوله ودعاهم ليصوروا فيلماً.. سماه فيلمه الأول، أجلس الممثلات عن يمينه وعن شماله، نهضت إحداهن إلى الرقص وتثنت أمامه، حتى صارت أفعى ذات أجراس.. وجاءهم خدم بأطباق فاكهة وحلوى، ثمة مصور انهمك بأخذ اللقطات، ويحيى هو البطل والمخرج معاً، أبعدهم جانباً وأنبأهم بأن دورهم في التصوير سيأتي بعد قليل، فجلسوا على مقربة من اللهفة ينتظرون، قام من مقامه فحضَّر آخر مشهد يخصه كبطل، تقدم وتأخر، قام بحركات سرقت منهم الذهول، الممثلات شبه العاريات نظرن في وجهه بشغف لم يخفينه، وتهامسن باسمات، قام يحيى بحركات كتلك التي يقوم بها الرياضيون كتحمية قبل المباراة، ثم أنبأ الجميع كي لا يصابوا بدهشة أكبر، بأن هذا ضروري قبل الدخول في التمثيل، والآن سترون..
أوقف يحيى التصوير ثم توجه إلى رفاقه وقال :
- يلزمني أحدكم يمثل دور المشنوق !.
تبادلوا بينهم نظرات حيرة، ولما لم يبادر أحد بتلبية ندائه، تقدم هو وقال بفروسية :
- هذا دوري أنا.. هذا دوري لا دور الممثلين الناشئين أمثالكم.. لا يمكن أن يصلح له أحد سواي.
وفي الحال مضى من أمامهم مسرعاً إلى حيث لا يدرون، ثم عاد يلبس كيساً من خيش، وقال على عجل :
- هل أعددتم الخشبة ؟
فقالوا يجيبونه :
- كيف ! ما هذا الدور يا يحيى ؟ أهكذا ستتعلق من رقبتك وتموت ؟!.
- لا.. هي لحظات، يصورني فيها المصور وأنا أتأرجح، ثم تعيدون البرميل إلى تحت قدمي، فأعود وأقف.. وينتهي كل شيء.. أريدها لقطة فنية باهرة، أين المصور ؟.. اسمع ! أريد أن تصور كيف تتأرجح قدماي معلقتين في الهواء، وستكون رأسي مائلة على كتفي، ويداي معقودتين خلف ظهري.
التفتوا آنئذ ينظرون إلى سرب من الفاتنات يخرجن من الكهوف ويقبلن نحوهم، إنهن الغزالات ساكنات الجبل، ولا أحد يدري إن كن قد أفقن على همس الغروب أم على أصواتهم والصدى، وأدركوا بعد قليل أنهم كانوا واهمين، فقد صحت الغزالات لليل والسمر، وهذا موعدهن اليومي مع العصافير، لم يطردنهم كما خشوا، بل وقفن يتفرجن ويتسلين بأكل البذر..
نشط الصبيان بإمرة يحيى إلى العمل فدقوا أخشاب المنصة، ثم ثبتوا العارضة الثخينة في وسطها، الحبل كالعادة وكما في الأفلام حقيقة، مدلى وفي وسطه أنشوطته تلوح، البرميل في مكانه تحت الأنشوطة، صعد يحيى وداسه بقدميه السليمتين وجرب، ثم عاد ونزل بقفزة على الأرض، وتحلق خلق كثير على سفح الجبل يلاحقون المشهد بفضول كبير، اختلط الصبيان بالزحام وبالفضول، جرب المصور الفلاش وركب للكاميرا فيلماً جديداً، بدأ فريق الكومبارس يؤدي هتاف الغضب ويشتم المحكوم بالإعدام الذي هو يحي، يحيى الذي سحبه جلادون واقتادوه إلى المنصة، ودارت عيونه، فنخب رفاقه من بين الحشود ثم عاد فأوصاهم :
- أنتم من سيعيد البرميل إلى ما تحت قدمي.. لا تفكروا بأي شيء !. هذه مهمتكم فحسب.. بمجرد تأرجح الرجلين تدفعون أنتم بالبرميل تضعونه تحت قدميَّ.. وينتهي كل شيء.
بعد هتافات الغضب ساد صمت.. حركت نسمات حبل المشنقة، تضوع عبق الصنوبر، وغنت الغزالات أغنية حزينة، تصاعدت اللهفة من أعماق المغاور المضاءة في الجبل، ووقف يحيى على المنصة وحيداً كمارد، بدا لهم بطلاً حقيقياً.. لم يكن جلاده قد صعد بعد، دارت عيون يحيى من جديد، ولما وقعتا على شمس الدين توقفتا، نظر في وجهه بتفرس ثم ناداه :
- أنت يا شمس الدين ستضع الحلقة في عنقي !.
في تلك اللحظات ارتفع أذان المغرب، وحطت طيور على الشجر.. فاحت من جديد رائحة الصنوبر، وبدأ التغريد يتكاثر.. الطيور تبحث عن أعشاشها بين الأغصان، وجنت الأصوات فانطلقت في نشيد عاصف حتى غدت صفيراً واحداً طويلاً تيم آذانهم، ثم عاد وهدأ قليلاً قليلاً وانطفأ مرة واحدة.. وحلت العتمة أو بدأت تسود، فيما أضاء وجه يحيى بابتسامة مزهوة، قفز بخفة قط على سطح البرميل ووقف، عاد يرفع صوته قبل بدء التصوير يفهم كل فريق دوره..
للممثلات المترفات بالألوان قال :
- أنتن ترتدين السواد وتبدأن بالعويل.. أريد دموعاً في العيون..
وللغزالات الفاتنات قال :
- أنتن تحكن غزلكن وتبكين بصمت..
ولخرفانه قال :
- لا تنسوا أن تعيدوا البرميل بالسرعة القصوى.. الحكاية كلها تمثيل في تمثيل..
ولفريق التصوير قال :
- استعدوا للقطة.. المسألة مسألة لحظات.. أريدها لقطة نادرة، فهي عصب الفيلم كلـه..
ولشمس الدين أخيراً توجه وقال :
- إليك هذا الحبل فأوثق يديَّ خلف ظهري، وخذ هذا المنديل فاربطه على عينيَّ، والآن هات يدك واصعد لتضع حبلك في رقبتي..
فعل شمس الدين ما أمره به يحيى، ووجده بعدئذ يلتف بخيشه وربطة عينيه وحبائله، فقفز من البرميل إلى الأرض ومكث يتأمله، وصاح يحيى من فمه الطليق :
- ابدؤوا !.
فبدأ العد التنازلي.. خمسة، أربعة، ثلاثة.. فتح المصور كاميرته وأضاء الفلاش وبدأ التصوير.. واقترب الفتيان في تلك اللحظات من البرميل لسحبه من تحت قدمي يحيى، لكن شمس الدين أبعدهم جميعاً وقال :
- دعوا الأمر لي، ما هكذا تكون اللقطة العظيمة !.
فابتعدوا عن البرميل كما أمر، ورفع عندها قدمه ودفعها بركلة واحدة أطاحت بالبرميل، فتعلق يحيى...
جلس شمس الدين بعدئذ يريد أن يرتاح وقد بدا أن مهمته قد انتهت، كان البرميل قد تدحرج بعيداً، خفَّ إليه الصبيان فدفعوه باتجاه يحيى المعلق، دحرجوا البرميل إلى ما تحت قدميه، عندما وضعوه في مكانه اكتشفوا واكتشف الجميع للتو أن يحيى بلا ساقين، كان نصف قامة معلقة في الفراغ تلوح، كان كُما البنطال مرفوعين إلى أعلى، فارغين ومدسوسين في الزنار، وبدا أسفله كبقجة ملفوفة، تذكروا حينئذ في لمح البصر أن يحيى عاجز مشلول الوسط والأسفل، وتأسفوا لأنه مثل دوراً لم يكن دوره أساساً، هو البطل حقًّا لكن هذا الدور لا يصلح له.. و " يا يحيى توقف !. كفى تمثيلاً !. سنعود فنوزع الأدوار من جديد.. " لكن يحيى غاب عنهم وراء عصابة عينيه وفي كيس الخيش وفي شرك الحبال.. فذهلوا عن كل ما حولهم.. عندما التقطوا أنفاسهم بعد حين رأوا الشرطة تطوق جبل الغزالات من جميع جهاته، وتتقدم نحوهم بالمسدسات والهراوات السوداء، وسمعوا مكبر الصوت يدعوهم ليسلموا أنفسهم فهم محاصرون.. تحرك الجميع بكل اتجاه في محاولة للهرب، وانطلق شمس الدين بدوره نحو السفح، ثم توقف ونظر خلفه ثانية فامحى فجأة كل شيء، أصبح الجبل الآن خالياً إلا من يحيى ومنه، عاد شمس إلى يحيى، ومسحت عيناه المنحدر الصامت، سكون مطبق يتنفس، يحيى معلق مائل الرأس مختفي الساقين، وهو بجانبه على الخشبة يداوره، ثم يجد القوة ليقفز إلى البرميل فيمسك بالأنشوطة محاولاً حلها عن رقبته، ونظر إلى أسفل ففوجئ بشوكت يقف قربه بلباسه العسكري ويأمره بالنزول، فنزل شمس الدين على عجل، وهرع إلى الكاميرا المرمية على التراب، وأمسك بها وكسرها على صخرة، تدحرج الفيلم بعبوته بعيداً، لمحه شرطي فجرى وراءه، وصاح شوكت :
- هاتوا الفيلم فهو دليل الإدانة الوحيد بين أيدينا..
ثم التفت إلى شمس الدين وقال بحقد :
- ستعلق مكانه عما قريب..
وجره من ياقة قميصه إلى أسفل، متناسياً أنه عمه بالرضاعة، أو أنه يعرفه.. فهبط شمس معه وهو يبكي ويجر ياقته من يده، وتركا يحيى وراءهما معلقاً ينام ليلته الأولى بين الطيور.
وضع شوكت يده في ظهر شمس، ثم تهيأ ليدفع به إلى أسفل الوادي، فأخذ الآخر يصيح، لكن صياح شوكت كان أعلى من صوته، صياح ملأ دار عبد المجيد في الصباح الباكر ففتح شمس عينيه وهو يرتجف بين يديه ويبكي.
مر الشريط سريعاً في رأسه الذي تعرق، وانتشل نفسه من يديه ومن الفراش ومن دموعه، ونهض فتحرك إلى السياج في أعلى الدرج، ومن هناك شهد شوكت يتقدم في وسط الدار وهو يصيح، ووجده أمام عينيه كحلم جديد، كأنه هو، كهيئته منذ لحظات..
***

- 29 -

كان شوكت قد دفع الباب كعادته ودخل.. توجه إلى غرفة الحاجة كوثر، أيقظ كل من في البيت بأصواته، كان يهدد ويتوعد، يعاتب بغضب أفقده صوابه :
- إذا كان ابن أخي قد جن، فهل أنا المسؤول ؟ !. أنا صحيح آتيه ببعض الصور.. قلت أسليه.. أخفف عنه ما فيه من بلاء.. لكن لست أنا المسؤول عن عقله الذي طار.. يا أمي !. كل من في الحارة ليس لهم سيرة إلا قصتي مع يحيى..
وخرجت الحاجة كوثر من نومها أيضاً، جلست في الفراش بشعرها المنفوش المحنى، صلت على النبي واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم.. وظلت تنظـــر صامتة مذهولة في وجه شوكت..
- يا أمي، ردي عليًّ.. هل أنا الملوم ؟!. وبعد هذا وذاك فيحيى صاحبي يا أمي.. صاحبي.. فهل أريد له الأذى ؟!.
ومدت يدها إلى قشطة رأسها في الجانب، سوت شعرها إلى الوراء وشدته بالقشطة، ثم قالت :
- آه يا ابني !. لو كنت عدوه أنفع منك وأنت صاحبه !. أنت تمشي في الدحلة وتجَحِّر، يعلم الله إلى أين، وهو يمشي معك، تجرجره وراءك في الرذائل، حتى طيرت عقله، والخط الأعوج، قالوا من الثور الكبير..
ويستوقفها شوكت متأثراً فيقول :
- أصبحت ثوراً في نظرك يا أمي !.
وترد هي متابعة حديثها :
- هدئ حالك يا ابني.. أنا ما عدت أحتملك، كانت باطلة ومحولة تلك الساعة التي أرضعتك فيها.. في البداية علقنا مع أبيك، وبعد ذلك معك..
وهزت رأسها بأسف..
- لم تجد أمك غيري ترضعك ؟!.
فنزل إليها شوكت على الفراش، وهو يبتسم بابتسامة أقرب إلى البكاء، اختنق وجهه بالحمرة وشد يدها بقوة يريد أن يقبلها، قبلها مرات ومررها على وجهه ثم عاد وقبلها، وانتهى إلى أن عانقها وهو يضحك بانفعال ويقول :
- يا أمي قولي ما تشائين، ليست المشكلة في الحليب الذي أرضعتني.. سآتيك بتنكة حليب كاملة وأبرئ ذمتي، أنت أمي شئت أم أبيت.. والله لا أبدلك بكل أمهات الدنيا، لي أمهات كثر في الحارة، وأنت تعلمين، بعضهن متن وبعضهن عائشات - الله يمد لنا في حياتك يا حاجة كوثر – أنا لا أزورهن إلا من العيد للعيد وفي الفرح الشديد، أمهاتي بالاسم، أما أنت يا حاجة كوثر.. فلا أدري، روحي ترفرف على بابك، وقلبي كله تحت أقدامك، أبوس التراب الذي تمشين عليه، وإذا شئت أن أصلي على أذيالك صليت..
وتنهض الحاجة كوثر صامتة من فراشها، تركت شوكت يتكلم، ومشت تريد أن تخرج من الغرفة لتغسل وجهها، فيسارع إليها ويحتجزها فيما ينزع الورق عن صفت الحلوى الذي معه، يمد يده بقطعة من الهريسة اللوزية، ويحلف عليها بالعظيم أن تأكل قبل أن تعمل أي شيء، يدفع اللقمة إلى فمها بيده، وهي ترد رأسها إلى الوراء وتمتنع، ثم تأكل وتقول له راضية :
- شاطر بالبلف.. أعرفك..
ويضحك شوكت ويقدم للصبيان والبنات الذين ملؤوا الغرفة قطع الهريسة بفرح بدا منتشراً في أساريره، يحمل الصبيان إلى يحيى قطعة هريسة في غرفته، فيرفض أن ينظر في عيونهم، فيقولون له :
- هذه من شوكت وقد جاء يصالح جدتك..
فيظل معتصماً بصمته.. يدخل شوكت القاعة القبلية وراءهم، فيصرخ يحيى فجأة في وجوههم ويطردهم جميعاً، يتراجع شوكت مذهولاً وهو يتمتم، وتهرع العمة فدوى وتخرجهم من الغرفة دفعاً، تسد الباب وراءهم وتعود إلى يحيى تطفئ ما اشتعل، ويجلس شوكت على كرسي في أرض الدار حزيناً يردد ( لا حول ولا قوة إلا بالله ).. لكنها لحظات تمضي ويخرج العم سعيد من مربعه شاتماً وآثار النوم في عينيه، ويندفع على الدرج باتجاه شوكت، ويهرع أعمام يحيى الآخرون، وتقف الحاجة كوثر أم الجميع تحول دون العراك، تهدد بالغضب عليهم جميعاً وتصرخ.. نهض شوكت، وارتجفت شفته السفلى، لم يرد على الشتائم، نظر في وجه أمه لحظات ثم أدار ظهره وغادر بصمت، وبدت عيناه محمرتين قد احتقنتا بالدموع.

***

- 30 -

ازداد صياح يحيى واشتد أذاه، لم يعد يصمت، يتكلم في كل شيء، وبلا رابط، يخلط الأحاديث العابرة بالشتائم، المزاح بالنكد، كلمات مخجلة يقذفها في وجوه النساء من عماته وزوجات أعمامه.. ولم يستطع أحد أن يعلم من أين التقط كل هذا الفجور؟! دارت عيونه في الجميع بعدوانية وفحش، نزع قميصه الداخلي، وهمَّ بنزع سرواله..
عصر ذلك اليوم المشهود هدده عمه عزو بالشرطة إذا بقي على هذه الحال، واندفع نحو الباب وهمَّ بالخروج متظاهراً بالذهاب إلى المخفر، فصاح يحيى مستعطفاً :
- يا عمي أبوس يدك..
فاجأ الجميع بسلوكه الغريب، فقد سكن في الحال كمن تبدل، ونظر في عيني عمه طويلاً، ثم هز رأسه وابتسم ابتسامة مستعطفة، وأردف بصوت مرتجف متقطع :
- لا.. الشرطة لا.
أتت كلمات عزو بمفعول سحري، فكف يحيى عن أي حركة أو غضب، لا صياح ولا شتائم، لا همس ولا حديث مع الأشباح، عاد هادئاً كطفل، يتناول بتسليم تام ما يقدم إليه من طعام أو شراب، ولو كان من يد أصغر الصبية، لا يكلم أحداً ولا يصغي إلى قول أحد، فقد مزاحه وضحكاته، تداعى منهاراً خلف أيامه العاثرة، فغدا مبعثر الشعر بعيون غائرة عدائية، أصبح يحيى آخر، وقد رجا عمته فدوى ثانية - بعد أن تصالح مع أصحابه كما حدثها - أن تعيده إلى كوة القبو وتبقيه كل اليوم بجانبها، ففعلت بتسليم كما لو أنها تؤدي عبادة، وأما الصبيان فبدؤوا يكيدون له، انطلقت شياطينهم في إثره، وسماه الحلي الفيلم الجديد.
يقترب أحدهم ويهمس في أذنه :
- يحيى ! هل ننادي الشرطة ؟
وتدمع عيناه كطفل ويهم بالبكاء، ويرجو من يهدده بضراعة، يستحلفه بالقرآن وبالأنبياء ألا يفعل، ويقدم ما بجيبه بسخاء، عن طيب خاطر.. قطعة من قمر الدين، أو حفنة من القضامة بالسكر.. الصبيان يستمرون في لعبة الابتزاز التي يمارسونها بصمت معه، ويحيى لا يرفض ولا يشكو، بات همه الأوحد أن يطلب من أعمامه مأكولات الأطفال، تلك التي يحبونها، لا يأكل منها حبة، بل يوزعها جميعاً عليهم، يشتري بها صمتهم، هم يطلبون المزيد، وهو يعطي كل ما تصل إليه يده.
نظر شمس الدين إلى سكونه ذات مرة، تشجع وأراد أن يقص عليه حلم الجبل، أن يستعيد معه سيرة انطوت أيامها، لكن يحيى واجهه بشرود جعله يحس بالفقد، وأن الأيام الوردية المترعة بالمسرات الصغيرة قد ولت ولن تعود، وغير مرة انتشل نفسه من أمامه، ومضى فنزل وحيداً إلى عتمة القبو، وجلس يتأمل في الرقعة الإسمنتية حتى يجد نفسه في أتون الغياب، ينصهر لحظات ثم يطفو بنقائه على سطح الأيام الآتية تعد بوعود بعدها وعود.

***

- 31 -

دخل الصبيان الكتاب في الصباح، لكن الشيخ صبري على غير عادته لم يكن في مجلسه على الدكة الخشبية المرتفعة، احتل العرفاء مكانه وأخذوا يرفعون أصواتهم فتضيع وسط الصراخ والفوضى، أغمض شمس الدين عينيه وغاص في جلبة عالية سيقدر لها أن تخفت ذلك اليوم ثم تختفي من حياته وإلى الأبد. أين الشيخ ؟!. سألوا عنه مرات فردت زوجته الخوجة علية أنه سيخرج بعد قليل، ولما طال اختفاؤه، أمر العرفاءُ الصبيانَ بالقراءة والحفظ، فاختلطت الأصوات بالتلاوة وباللعب والشغب.. وقبيل الظهر دخل الشيخ صبري المكتب بوجه مكفهر، أخذ مكانه على الدكة وجلس في زحمة الأصوات، بدا ساكناً ممتعضاً، عيناه تشخصان في الفراغ، أمضى لحظات صامتاً ضائعاً، ثم أخذ شربة ماء من الخابية قربه، شرب وصب الباقي في كفه ورشق وجهه، ثم أطلق زفرة طويلة، وأشار لهم بيده إشارة التوقف عن القراءة، رافعاً صوته بعبارة ( صدق الله العظيم ) فصمتوا يستمعون ما يقول.
بدت على وجهه علامات القلق وسرح بعينيه قليلاً ثم قال :
- أغلقوا المصاحف يا ابني !. الآن تنصرفون.. وسنرى متى تعودون.. إن شاء الله يحصل خير.. أما سمعتم ؟!.. قامت الحرب !..
لم يكونوا قد سمعوا شيئاً، فخلَّف وقع الخبر بينهم صمتاً دام لحظات، ثم بدأ التململ وارتفعت الأصوات، فأصدر الشيخ أمره بالانصراف، كأنما ليتخلص من هذا الذي بات يصدع الرأس، ورغم تحذيراته وطلب الهدوء والدعاء والابتهال إلى الله، انفلت الصبية من عقاله وخرجوا كالمجانين يركضون في الأزقة ويصيحون:
- يهودي يا أسود وجْ، شيل حالك امش وهجْ..
ساروا في عراضة، طافوا في الحارات فلحقت بهم جحافل من الصبيان، ثم خرجوا إلى الأسواق والشوارع، الدكاكين أكثرها مغلق، بعض الجنود هبطوا من القشلة القريبة ببنادقهم وبالطاسات الحربية على رؤوسهم، وتناثروا في ساحة بانقوسا، عربة مدفع جثمت على تلة قرب حمام سوق الصغير، الشوارع شبه خالية من الناس، نظر الجنود إلى عراضة الصبية بغير اكتراث، وعندما اشتد لهيب الظهيرة بدأ اللهاث يتصاعد مع صرخات الحناجر، وبعد قليل بدأ عقدهم ينفرط، تشتت جموعهم في ساحة باب الحديد، بعد أن خلفوا وراءهم دولاباً يشتعل كانوا قد دحرجوه من سوق العريان.. بعض رجال تجمعوا أمام دكان حول مذياع، التفتوا قليلاً ثم نهضوا يتابعون بدهشة جموع الصبية ولسان النار المتصاعد وعمود الدخان الأسود يشق الفضاء، وكأنهم اطمأنوا إلى ما رأوا من حماسة تشتعل، فأسندوا أكفهم على خصورهم أو عقدوها أمام صدورهم، وأنسوا لحظات باللفح الحارق وزفرات الغضب، ثم عادوا إلى قرفصتهم وأمالوا رؤوسهم يتسمعون آخر الأخبار.. رواد المقهى القلائل هجروا طاولة الزهر في ذلك الصباح، وصارت تسليتهم الوحيدة تناقل الأخبار والشائعات، وظلت النراجيل عامرة، ومع الدخان الواهن للسحبات الأولى، يبدأ الهمس وتتقارب الرؤوس، ثم يشيع الحديث وتدخل أطراف من الأخبار بحكايا طويلة منسوجة من البطولة والكرامات، جنود تنزل من علياء القدرة وتضرب، طائرات إسرائيلية تحترق في السماء وتسقط، والأعداء الكفرة يموتون متخشبين والسلاح في أيديهم.. نهاية الأوغاد اقتربت..
يتوقف الصوت المجلجل للمذياع في مقهى جب الزعتري، وتنطلق أغنية " الآن الآن وليس غداً أجراس العودة فلتقرع.. " وتدب الحماسة في النفوس، يتطاول بائع الفحم المصبوغ بالشحار، ويصيح في وسط ساحة المشاطية على اليهود، كما لو كانوا مختبئين كفئران في الحارات الخلفية :
- موتوا يا أنذال.. هي ساعتكم، موتوا في جحركم..
وتظل أغنية فيروز ترن في المسامع.. يظل الناس يرددونها طوال الأيام التالية، كل محطة تبث الأغنية ذاتها، وتلتف القامات المشدودة حول المذياع بعيون مذهولة، متعطشة لمزيد من الأخبار، ثمة أخبار جديدة ما سمعوا بها !. ينصت الرجال ويتبادلون النظرات، وتبدأ نشوة الفرح تسري في الوجوه، طائرات بالعشرات تسقط، في كل نشرة عدد جديد، عدد يرتفع، يضيفونه إلى العدد السابق :
- صاروا مائة وسبع عشرة طائرة، صاروا مائة وستين.. فرطوا.. فرطوا ياهووو !. ما عادت تقوم لهم قائمة..
غنوا المواويل من فرط الغبطة، تعانقوا ورقصوا.. أطلقوا الشدِّيات والله أكبر، وعادوا يتسمعون آخر الأخبار ويرددون الأغاني ويعمرون النراجيل..
وقف شمس الدين وسط الصبية في العراضة التي انفضت، وقف يتملى الوجوه المقاتلة، بدت له صلبة ناقمة لا تعرف التردد، ثم مشى بصحبة رفاقه في طريق العودة، والآن بدأ يستعرض أحداث اليوم، " هذا يوم لن أنساه " قال في نفسه، لقد ترك سودُ الوجوه بلادَه، وهاهو المذياع يعلن عن المزيد من طائراتهم المتساقطة، وفلسطين عادت لأهلها، والقدس عروسها، والآن الآن وليس غداً.. بدأ يعد ما يمكن أن يقوله ليحيى الغارق في حمى هواجسه، كل ما شاهده هذا الصباح يدير الرأس بالنشوة، نشوة طاغية يغرق فيها مع الجموع التي زحفت وملأت الشوارع والساحات ، فمن أعماقه يتصاعد فرح خفي، يفيض ويتدفق، فرح يراه يتراقص في وجوه الناس من حوله، لكنه أيضاً فرح ممزوج بكآبة وحزن، فلم يستطع أن يفسر هذا الوجوم الذي بدا على وجه الشيخ صبري وهو يخبرهم بنبأ الحرب هذا الصباح، لقد بدا الشيخ يائساً محطماً، لا يريد حتى أن يتحدث كعادته عندما يكون هنالك أمر يستوجب الحديث.. بعض كلمات قالها وصرف الصبية، وأمام عيونهم عاد ودخل غرفته وأقفل الباب وراءه، حتى قبل أن يخرجوا، لو أن الشيخ شاهد ما شاهده لدخل الفرح إلى أعماقه، وهتف مع الهاتفين.
أخبار أخرى عادت تصل شفاهاً في الأيام التالية، تناقلها الناس همساً مثل وباء يخشون أن يشيع، واحتقنت العيون بالدموع مع كل نبأ جديد، لم يدار أحد دموعه، و " يا ناس اليهود أخذوا كل فلسطين.. أخذوا غزة وسيناء والضفة، واقتربوا من سورية.. احتلوا الحمّة والجولان والقنيطرة.. يا ناس، يا أهل النخوة والمروة!.. القدس تناديكم.. يا خلق الله.. إلى الجهاد !.. " ورفع رجال ظهورهم المحنية وتفرقوا إلى بيوتهم، وآخرون ظلت عيونهم شاخصة إلى المذياع، ينتظرون آخر الأخبار التي لم يعد لها آخر، ويرتفع صوت المذيع أحمد سعيد بـ : " جاءنا الآن ما يلي "، وتحملق العيون وتتعلق الأسماع.. " ولا تزال معارك تدور بضراوة بين جنودنا البواسل وعناصر من جيش الدفاع الإسرائيلي حتى ساعة إعداد هذا البيان.. ".
كفَّ الناس عن البيع والشراء، وجلسوا في الطرقات يتسقطون الأخبار ويقتاتون الهواجس والشائعات، تعلقوا بخيوط أمل.. اكتشفوا ولعاً خاصاً لم يعرفوه من قبل، ولعاً يدفع الواحد لأن يقف فيحشر أذنه دون استئذان وسط اثنين ليسمع أخباراً ما، أو يدخل إلى دكان ويجلس مع الجالسين فيشرب الشاي كواحد منهم، ثم ينهض فيمضي ليقف تحت نافذة في الحارة يتردد من داخلها صوت المذياع الذي لا يتوقف. شد المذياع الناس إلى موجزه ونشراته المفصلة وتحليلات الأخبار وآخر الأنباء، وبعد تنصت وانتباه، يترك أحد ما الحلقة، ينفلت من وسط جماعة وينفض يده من كل هذا الولع وهو يقول بتسليم :
- أخي ما باليد حيلة، المسألة مسألة قوة وضعف، خلص.. انتهينا !..
بعد أيام ظهر الشيخ السفراني عميد المقابر بعمامته الخضراء، ومشى يجول في الأسواق، خرج من ركنه في أعلى مقبرة العرابي وسار يدعو إلى الجهاد. ترك الأزاميل وحفر الشواهد والقبور لأبنائه، فمهمته الآن أصبحت هناك، وكل من عنده نخوة ودين وعرض وجب أن يلحق به، " فمما يجلب الذل والعار طلب الإحسان من عدوك، من يهود النحس هؤلاء الذين آويناهم بيننا.. " خلع جبته وألقاها على كتفه، فبدا مشط من الرصاص يزنر خصره، و آخر مضروباً على صدره، حمل بيده بندقية وطلب من الرجال - من كل بالغ راشد - الذهاب إلى لجنة الدفاع المدني.. وخفّ كثيرون يلبون أوامره.. بعضهم عاد بأسلحة وذخيرة، وآخرون حملوا الطلاء الأزرق والريشة وطافوا في الشوارع وعلى الأحياء.. دهنوا كل زجاج المنازل بالأزرق، وأضواء السيارات والدراجات ومصابيح الشوارع والحارات.. انطلقت صافرات الإنذار واختفى الناس في ملاجئ أعدت على عجل في أقبية البيوت أو الخانات التجارية.. مزقت الأسماع طائرات تحلق على ارتفاع منخفض.. وقال الجميع ستبدأ الحرب الحقيقية، حرب الطائرات.. ثم جاء مـن يقول :
- انتهت الحرب منذ أيام.. انتهى كل شيء.. من قال إن الحرب ستبدأ ؟ !.. إسرائيل أخذت ما تريد وانتهى الأمر !.
وظهر الشيخ السفراني في الأسواق من جديد، ارتفع صوته وتجمع حوله الناس.. كل خلق الله التفوا حوله واستمعوا إلى كلماته الحاسمة :
- يا ناس، يا عباد الله، أنا سأذهب إلى الجهاد !. وهذا أوان الشد فاشتدي !. والله ينصرنا.. إلى الجهاد يا ناس.. الجهاد فريضة عييين.. اللهم فاشهد أني بلغت !..
ومشى، وارتفعت وراءه أصوات ( الله أكبر ! ) سار خلفه بعض الشبان وكثير من الصبيان، تجمعوا من كل الحارات.. وتعاظم الموكب.. من لم يجد بندقية حمل عصا وسار، غادروا بانقوسا كجيش جرار نحو قاضي عسكر.. ثم توجه الشيخ بهم قدماً باتجاه باب النيرب.. وما استطاع صبيان عبد المجيد بعد اللحاق بالموكب.. عاد الأخوة وأبناء الأعمام بعد أن اختفت الجحافل عن عيونهم وابتلعتها المسافة والغبار.
حكى شمس الدين لوالده عن الشيخ السفراني وموكبه، فقال الوالد بيقين :
- هذا من أولياء الله، وإذا قال فعل، فهو من الجنود المجندة..

***

- 32 -

جلس شمس الدين وحده في الليل يبكي ويندم لماذا لم يستمر في السير خلف الشيخ السفراني حتى آخر الدنيا. وقضى ليلته يحدق في العتمة ويفكر، في آخر الأرق تسلل ضوء القمر فرسم خيالاته الطويلة على الجدران، وظل السقف الخشبي مظلماً، يجثم فوق صدره، وتقلب في فراشه طويلاً، وصورة الشيخ السفراني لا تفارق رأسه، أراد أن يغمض عينيه ويغفو، ولو ساعة من زمن، من أجل ذلك أخذ يدندن بلحن قديم، لكن الأغنية إياها عادت وتسللت لتطفو على شفتيه، ترنم بصوت خافت بأغنية فيروز التي ما فتئت الإذاعات ترددها " الآن الآن وليس غداً أجراس العودة فلتقرع.. " وخيل إليه بعد قليل أن سحراً ما قد بدأ يطوف في أرجاء الغرفة، سحراً من ثورة يضج في دمائه، فاسترسل مع الأغنية الشجية، وسمع أجراساً حقيقية تقرع، في تلك الآونة نهض صوت المؤذن من نعاس متكسر، رفع صوته رويداً رويداً كأنما يستفيق، كان يدعو للسلام الأول، بصوته الدافئ الأليف
"يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، يا مالك الملك، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله.. " فاستسلم شمس الدين للصوت، واستلقى في بحره، فعام على دثار أزرق رطب، ثم وجد نفسه يرسو أمام مئذنة الحي، وهنالك وقف يرفع بصره إلى جلالها، ثم تقدم من المسجد وهمَّ بالدخول، اخلع نعليك، فخلع.
دخل قاعة كبيرة، قاعة عظيمة، جليلة بحجم المهابة .. تصفح السقوف والجدران، السجاجيد والأخشاب، الأعمدة والأقواس، المنبر الخشبي المعشق، وقف أمام مقام الولي المشتعل بالأخضر، سهمت عيناه في أطلسه ونحاسه، في آياته المشغولة بالإبرة والخيط، وبالخشية والرجاء.. في قنديل الزيت المعلق، الضريح في الوسط عليه الأثواب الخضر المشعة، تعلوه في جهة الرأس دمباكية هائلة، كان كأنه يسير، كزورق يسير.. وتعلقت يدا شمس الدين بالنحاس المشبك، وعيناه بجلال الحضرة، وهتف من قلب مكلوم : وأنا يا ولي الله تعذبت في البحث عنهم، أين الشيخ السفراني ؟ لماذا غاب عن عيني، لا بد أن يأتي في وقت الصلاة مع كل صحبه.. والآن الآن وليس غداً، إذن أنتظر، أصلي وأنتظر..
وصلى شمس الدين وصلى، وبات بعد لا يعلم إن كان يصلي أم ينتظر، بات بعدُ لا يفكر.. لا يسأل ولا يجيب.. وهاتف قال له يكفيك فانهض، فنهض ومشى.. تجول في رده واسعة وأبهاء طويلة.. قاده منفذ ما إلى حديقة المسجد المسورة بالأشجار، مشى في الممر المشجر، انتبه إلى أنه حافي القدمين، قال في نفسه : أعود فأجلب حذائي.. ولم يعد يعرف من أين دخل ولا من أين يعود، كان ثمة أبواب كثيرة، عالية، جليلة، ودار رأسه، ما عاد يعلم إن كان يبحث عن جحافل الصبية، أم عن الشيخ السفراني، أم عن حذائه الذي ضاع !.. وما اليوم، وما الساعة.. هل هو غبش الصبح أم عتمة المساء ؟!.. هل طاف في خاطره صحو فرأى ما رأى، أجل !.. هذا غلام يهرع نحوه، وحيداً يركض، فزعاً يصرخ :
- ضربوني.. ضربوني..
تلقاه شمس الدين بين يديه، فتهالك الصبي عليهما، أحس بثقله، أجلسه أرضاً.. قال يسأله :
- من ؟!.. من ضربك يا حبيبي ؟!..
رد الصبي النازف :
- هناك.. في المسجد ضربوني..
واختلط صراخه بعويله، وتقطع قلب شمس..
- من ضربك ؟
- على الوجه ضربوني وعلى العين..
قال في نفسه لعلهم أخوته، أخوة يوسف، فالولد بهي كوجه القمر.. وانتشله الصبي النازف من سهومه وقال له :
- ما بك !.. أما تراهم !..هاهم يلطمون وجهي أكثر وأكثر، صدهم عني، قل لهم إنني شقيقك، قل لهم إنني من صحبتك، أما تبحث عن صحبة بالله عليك، أرحني ومد يدك.. وشمس الدين يتألم، لا يرى أحداً، ولا يريد أن يرى، قال له :
- ابتعد من هنا، انج بنفسك يا روحي، لماذا لا تهرب ؟!.
نظر الصبي إليه من خلال الدموع أو دماء عينيه.. تسلل من أحضانه، سحب منه يديه الاثنتين، قال شمس في نفسه أين أنا من الدموع والدماء !.. ومضى الصبي أمامه يهرول، يبكي ويصيح، وأما هو فقد شعر بمزيد من الهلع، شعر بوهن، قال على حين فزع هاهم جاؤوا يضربون وجهي أنا الآخر، وجهي وعينيَّ، وأنا وحدي ولا صحبة لدي، فعدا، على وهنه عدا، التفت خلفه، هاهو أنف الغلام ينزف، فيزداد هلعه ويزيغ بصره، أحس أنه قد يقع في غيبوبة هذا الرعب، حدق في الأرض خلفه، قبل أن يستأنف الركض، كان ثمة بقع حمراء صغيرة بدأت تصبغ الأرض، تتكاثر وتتسع، تتصل دوائرها فتسيل، نظر إلى وجه الغلام، كان الدفق مجنوناً، ركض يبتعد، لكن النقاط الحمراء المجنونة كانت تسقط خلف قدميه المسرعتين، تماماً خلف قدميه، ذهل.. أخذ يعدو أكثر.. تقطعت أنفاسه، وازدادت طرقات قلبه، عدا كثيراً، ولم يعد ينظر وراءه، وبعد زمن خاله كافياً، قال أقف وألتقط أنفاسي، لكنه فوجئ وهو يلتفت، بالمسافة التي خلفه، وقد اكتظت بالنقاط الحمراء الغزيرة.
نهض من غفوته فزعاً وجلس في الفراش، جلس ينظر في السكون الأسود، كان ضوء القمر قد انسحب، ويد ما أخذت تمسح عرق وجهه، ثم امتدت بكأس ماء.. وكأنما شرب، وكأنما لاح له وجه جده أكرم.. ثم فتح عينيه أكثر يحاول أن يبصر على ضوء لمبة الكاز الزرقاء، وما عاد يرى أحداً..

***

- 33 -

في الأيام التالية لحرب الأيام الستة انخرط الناس في حزن مقيم، كانوا قد غادروا منازلهم إلى البساتين القريبة تحسباً من غارات محتملة، ارتسمت خيباتهم على الكلمات وفي العيون، وغاصوا في جب ماله قرار، " هذا جب بلا دواسات يا ابني، بدأنا نهوي في قاعه إلى ما شاء الله !. " : حدث الشيخ صبري الصبيان في باحة المسجد، وقد سألوه متى يعودون إلى الكتاب، بعد أن أشاح بيده وغمغم : " حتى يكشف الله هذه الغمة.. ".
لم يسمع شمس الدين قبل ذلك هذه النبرة المنكسرة في صوت الشيخ، في أيام قليلة بعيد الحرب انطفأ كل هذا البريق في قامته ووجهه، اختفت هيبته السابقة أو ضاعت، أصبح شارداً ملولاً يمضي الساعات جالساً في صحن الدار يغفو، وقد ترك الصبية في غرفة المكتب يلهون، كان قد سمح لهم بالعودة إلى الكتّاب، عاد بعضهم إلى مقاعده الخشبية ولم يعودوا في حقيقة الأمر إلى شيخهم الذي عرفوه، فقد الشيخ كل حماسته السابقة، فلم يعد يعنيه أي شأن، فإن لم يكن غافياً في مكان ما، فهو قاعد على دكته أمام الصبية، وقد أوكل أمرهم إلى العرفاء، فاختلط الحابل بالنابل، يخرج من يخرج ويدخل من يدخل، دون أن يبدو على الشيخ أنه يعبأ بما يجري حوله وأمامه، فيظل ساهماً ينظر في المدى الفارغ، ثم ينتبه من شروده فجأة فيعود إلى الضجيج والدكات الخشبية التي انقلبت وتكسرت، فيحرك عصاه وينقر بها مرات على اللوح الخشبي بجانبه، ويهم بالنطق لكنه يعود ويصمت، أو ينهض فيترك المكتب ويختفي في غرفته ولا يظهر إلا وقت صلاة الظهر التي يحين بعدها الانصراف.
في صبيحة ذلك اليوم التف الصبية حول شيخهم الجالس حافياً في الحارة أمام باب المكتب، بدا لهم شيخاً آخر لم يعرفوه من قبل أو من بعد، كان يرتدي قنباز نومه المقلم، وقد خلع عمامته فظهر رأسه صغيراً أصلع تحيط به شعرات بيض تتناثر بفوضى على الجانبين، شخصت عيونه الغائرة، وتهدلت يده المشلولة إلى جانبه، فبدت لهم معلقة بلا اكتراث، وفي غمرة عجبهم خرجت الخوجة علية من البيت تبكي وتنوح، حاولت أن تجره إلى الداخل، لكنه ظل يدفعها ويتخلص من يدها ثم يعود ويتخشب في مكانه، لا يريد أن يتحرك، تلاطفه وتحدثه كطفل، وهو ينهرها ويرفع كتفيه ثم يواري وجهه بكمه، بعد قليل هب واقفاً ودفع بالصبيان يبعدهم من أمامه، وامتلأ الحي بالصغار والكبار، واقتربت النسوة ينظرن من خلف البراقع إلى شيخ أبنائهن وقد طار عقله. تقول الواحدة :
- يا أختي، هذا شيخ صبري أصبح يرى ما لا نرى، ويسمع ما لا نسمع.. آه !.. بعد هذه الأيام السود، هل من بقي عقله على حاله ؟!.
وتجيبها الأخرى :
- يا أختي.. صاحوا عليه، صاحوا عليه.. ولازم يلحقهم !.
في تلك اللحظات، ووسط الجموع المتزاحمة، فتح الشيخ ذراعيه، القصيرة على امتداد الطويلة، ثم لوح بهما ودار على نفسه كمن يضرب بالمقلاع " خوووود... خود " وانكفأ على الأرض يغمغم بكلمات، حاول بعض رجال أن ينهضوه، لكنه اعتدل فجأة ونهض دون مساعدة من أحد، وسار يهرول، وتبعه الصبية.. جرَّت الخوجة قدميها وراءه وضربت على وجهها بكفيها وصاحت :
- وين رحت يا شيخ.. يا شيخ لمن تركتني ؟!.
وهناك في الساحة أجلسوه أمام فرن الغضب، فزاغت عيونه وتهدل فمه اللاهث، دفع إليه الخباز برغيف ساخن، فأخذه الشيخ ووضع يده فوقه وأغمض عينيه وبدأ يحرك شفتيه، ثم انتهى من القراءة الخافتة، فقبل الرغيف وصار يفته في حضنه لقيمات صغيرة وهو يتمتم ويبتسم، وأخذ يوزع على الصبية والمارة دون أن يفوه بكلمة.
- "خذوا من بركات الشيخ.. مدوا أيديكم !." صاح أحدهم.
بعد أيام حفظ الناس سيرة الشيخ :
- هذا الشيخ صبري، من يوم الحرب انجذب، هكذا أصبح، خبزته بركة وشفاء من كل داء.
ردد الناس السيرة فيما بينهم، وصار صاحب الحاجة يتبعه من مكان إلى آخر، ويلتمس من يده خبزة البركة، يخرجها الشيخ من جيبه أو كمه، أو يدل عليها في شق من شقوق الجدران، أصبح يشاهد في الطرقات يطوف حافي القدمين، وينقب بعينيه على كسرات الخبز الملقاة في القمامة وفي الزوايا، يلتقطها وينفخ عنها الغبار ثم يمسحها بلطف وينقلها ثلاث مرات ما بين فمه ورأسه، ويمضي بها إلى شق في الجدار فيضعها ويدفع بها بإصبعه، ثم يبتسم ويسير، تبعه الصبية وأصبحوا يلقون في طريقه فتات الخبز، وهو ينحني ويلتقطها بتسليم، يقبلها ويودعها في الجدران، ويعود فيستخرجها وقت يشاء، ثم أصبح الناس يتابعون بدهشة كرامته الذائعة، وهو يمد يده إلى مكان ما بين أحجار الجدار في كل حارات المدينة، ويستخرج منها قطع الخبز الطرية، يقدمها ببسمة، ويطلب من السائل الاستغفار. وصار مألوفاً رؤية الشيخ صبري يهرول في الأزقة والأحياء والساحات، والصبيان يتبعونه ويرددون : أبو خبزة.. أبو خبزة.. والخوجة علية تتبعه أيضاً، تبعد الصبية وتمسح على ظهره وهي تحاول أن تعيده إلى البيت..

***

- 34 -

أصبحت أيام السينما خواطر بعيدة، وبدا للصبية أنها ذكرى من الماضي ليس بينها وبين هذه الأيام أي خيط، استكان يحيى لصمت وذهول، كان قد سمع بأنباء الحرب، وأنصت طويلاً لشمس الدين يحدثه عن مسيرة الشيخ السفراني، وقفز من كرسيه وتبع الشيخ، ارتحل وراءه تحت شمس حارقة، ونام على الطرقات، أكل من خبز الشيخ صبري، وحملته الكرامة في مقلاعه وطوحت به، وصار يقول في سره مغمض العينين :
- خذوا !. جسدي قذيفة.. قذيفة بمقلاع الشيخ صبري، ردوها إن استطعتم..
كما صار يسأل شمس الدين، عن أخبار الشيخ وأين يراه، يبعث بالصبية يتسقطون أخباره، يوصي على خبزة منه، يأخذها بلهفة ثم يقبلها ويقول لجدته :
- هي ساخنة يا جدتي،طرية مثل الخسة،بحق الله شوفي!.
والحاجة كوثر تمر بيدها على رأسه وتهمس :
- كل يا عيني كل، على نية الشفاء ورفع البلاء، هذا خبز البركة والأسرار !. " ويحيى يأكل، ثم يقول إنه شبع، ولا يعود يتناول طعاماً آخر، في أيام ضوى جسده، نبت شعر لحيته وطال، وأغمض عينيه وسرح مع ورده الطويل الذي يقول إن الشيخ صبري قد كلفه به بعد أن حضره في المنام..
اليوم فحسب تجددت أيام السينما، خرج شمس الدين وصحبته باتجاه شارع بارون، بعد أن اهتدوا ثانية إلى خيطهم المقطوع، حشروا أنفسهم وسط أكداس الزحام في بهو سينما أمبير، ليحضروا العرض الأول لفيلم ( فداك يا فلسطين ).
أدهشهم الإعلان ودفعهم دفعاً للدخول، الكوفية الفلسطينية بالأبيض والأسود، عليها بندقية تتعامد مع خارطة فلسطين، وعبارة " فداك يا فلسطين " بالأحمر العريض، ونقاط دماء تتقاطر من الحروف.. وكان العرض قصيراً لكنه أشعل ثورة، قلب البطل الفدائي عربة الخضار بعد أن أخرج رشاشاً أسنده إليها وفتح نيرانه على دورية إسرائيلية.. في تلك اللحظات انفجرت الأصوات في الصالة، وقفز كثيرون من كراسيهم بعد أن مزقوها بالسكاكين الشبرية، ونثروا قطنها.. ثم تدافعوا نحو الأبواب يهتفون.. مشوا في عراضة غضب في الشوارع يرعدون بأصواتهم، وأغلقت دكاكين وهرع ناس، ضربوا بالأحجار واجهات المحلات الزجاجية، ووصلت دوريات الشرطة وانقضت على الجموع المحتشدة بالهراوات، تفرقت الجموع، وتعلق صبيان عبد المجيد بالترام وعادوا إلى البيت، في الطريق شاهدوا الشيخ صبري يمد يده إليهم بقطع الخبز الساخنة، التفوا حوله يقبلون يده ويأخذون الخبز، تلك اليد التي كانت تهوي بالعصي، قبلها شمس الدين وأخذ منها خبزة طرية، وفوجئ قبيل الوصول إلى البيت بالشيخ السفراني يجلس مقرفصاً أمام البقال ويملأ كيساً بالخضار، نظر إلى ظهره المحني وأحس بخيبة كبيرة، لم يجد على كتفه بندقية ولا على خصره مشط رصاص، نظر ملياً في قسمات وجهه المتهدلة، ولم يقرأ فيها إلا العجز، وجده شيخاً مهدماً خاملاً لا يقوى على النهوض، فنفض يده منه ومن غباره الذي تطاير بالأمس، والتفت إلى صحبه الذين طاروا إلى البيت ووصلوا إلى يحيى المتلهف لسماع أحاديثهم.. فتذكروا حماسه الأول.. أطعموه من خبزة الشيخ صبري، ثم حكوا له قصة الفيلم مرات، حدثوه عن الشوارع والناس والشرطة، وكاد يهتف مع الهاتفين..

- 35 -

في الصباح الباكر قُرع الباب، طرق سريع ملحاح جعل يحيى يهب من غفوة واتته آخر الصبح، أفاق على القرع وارتعد، نهضت الحاجة كوثر والعمتان، وسبق شمس الدين إلى الباب وفتحه، رأى أمامه شرطياً مسمراً يحمل بيده مصنفاً وأوراقاً ويسأل:
- هنا بيت عبد المجيد عمو ؟
رد شمس الدين بخشية :
- نعم !
قال الشرطي :
- هل يوجد أحد كبير في الداخل ؟
وظهر عزو يمسح عينيه من النوم ويسأل :
- خير عند الصبح ؟!.
فبادره الشرطي على الفور :
- وقع هنا إذا سمحت !
- ما هذا ؟ قال عزو.
فرد الشرطي :
- تبليغ خدمة علم يا سيد ! باسم المدعو يحيى بن عبد الرحيم عبد المجيد.
وبهت عزو في وجه الشرطي، وقال :
- يا أخي يحيى وحيد أبويه أولاً، وعاجز على كرسي أيضاً، تفضل إذا شئت لتشاهده بعينيك !
- ولكن لا بد من حضوره شخصياً، وضعه يحتاج إلى معاملة وحيد وتعهد وبصمات، أخي وقع لي على التبليغ، ولا تشغلني أكثر..
حاول العم أن يدخل الشرطي إلى البيت، ويريه يحيى بعينيه، ليبلغ بعد شعبة التجنيد أن المدعو غير قادر على المثول شخصياً.. لكن الشرطي امتنع عن قبول أي عذر، ولم يعبأ بكلام عزو، كما لو أنه لم يسمع، بل قدم له قلماً وقال :
- وقع هنا! أرجوك يا أخي! أنا لا شأن لي بكل ما تقول..
ووقع عزو التبليغ، ثم عاد ليكلم الشرطي الذي استدار على عجل ومضى في داخل الحارة يدق باباً آخر.
تجمع الصبيان حول عمهم، واستمعوا إلى قراءته المتقطعة لحروف التبليغ، ثم ركضوا إلى يحيى وأخبروه بمقدم الشرطي وسؤاله عنه، فامتقع وجهه وهو يقول مرتعشاً :
- إذن أخبرتم الشرطة، أليس كذلك ؟
قالوا له :
- لا ما أحد حكى ! يريدونك لخدمة العلم يا أجدب !
ودخل وراءهم عمه عزو يداعبه بصوت أراده أن يكون عالياً مرحاً :
- ستلبس عسكري يا يحيى! ستصبح شرطياً يا عين عمك..
ونقل يحيى نظراته بين عمه والصبية غير مصدق، ونشر عزو الورقة أمام عينيه :
- شوف.. اقرأ !.
سحب يحيى الورقة بيد ترتجف، ونظر فيها بعيون عاجزة، اقترب منه شمس الدين يساعده في القراءة، وأمام دهشة الجميع انفجر صوت نشيج، اختلج يحيى واهتز جسده جميعاً، أبعد الورقة ودفن وجهه بيديه، راح يبكى بحرقة ودموع كثيرة، ودخلت عمته فدوى فحضنته وبكت، ثم أبعدت الصبيان وشتمتهم جميعاً، وشتمت العمر وعذاب الأيام وصاحت :
- هذا ابني، أنا لم يرزقني الله ابناً وهذا ابني ! افهموها كلكم، والذي يؤذي يحيى يؤذيني، اذهب إلى القشلة الله يرضى عليك يا أخي وقل لهم، يحيى عاجز ولا يستطيع أن يتحرك خطوة واحدة.. إذا ما كانوا مصدقين ليأتوا ويروا بعيونهم، يبليهم الله بقلعها، يبعثوا شرطي يشوف !.
ويحيى يبكي ثم يقول من بين زفراته المتقطعة :
- بل سأذهب يا عمتي، سأذهب إليهم.. خذني إلى القشلة دخيل الله يا عمي..
وبكت الجدة كوثر وطردت الصغار الذين ملؤوا القاعة :
- وحق ربي كثرتكم نقمة لا نعمة.. بكرة بتكبروا وبتكبر الهموم..
ثم التفتت فجأة إلى أبنائها ونظرت في وجوههم كأنما تذكرت شيئاً وقالت :
- أنا سأذهب إلى شوكت وأصالحه، هو من يحل المشكلة..
وصاح الأبناء في وجهها لاعنين أيام شوكت وسيرة شوكت، وأخذ عزو الأمر على عاتقه، وقال لأمه :
- أريحي نفسك يا أمي ! أنا سأحل الأمر غداً..
في اليوم التالي نشطت العمة فدوى منذ الصباح، ألبست يحيى ألبسة جديدة، عطرته بماء الزهر وسرحت له شعره، فيما خرج أخوها عزو من البيت وغاب قليلاً ثم عاد بالحمار، ربط الحمال حماره إلى حلقة قرب الباب ودخل إلى حيث يحيى في وسط أرض الدار ينتظر مقوساً على كرسيه، بعيون زائغة ووجه مصفر، فاقترب منه وبسمل، ثم حضنه كمتاع وحمله أمامه على صدره، فبدا لعيني النسوة الراصدات من خلف الشبابيك صغيراً " مثل الطفل يا حرام ! " فبكين يندبن الأيام والحظوظ.
مضى الحمال بحمله وركزه على ظهر الحمار، لكن يحيى لم يستطع أن يوازن نفسه فأسنده عمه بيده، فيما أشار الحمال بأن يوضع في الخرج، فذلك أسلم كما قال، ووضع يحيى في الخرج فمال الخرج إلى الأرض فصاح عزو بابنه الكزبري وأمره أن يركب في الخرج الآخر، وثب الكزبري بخفة قط في داخل الخرج من الجهة الثانية فاعتدل الميزان، قفز الحمال على الظهر وسار الحمار، سار الحمار وتبعه الصبيان، وانضم إليهم آخرون أعجبتهم الفرجة واهتزاز الخرجين وظهور الرأسين منهما، زجرهم عزو وصاح الحمال بالشتائم.. و " يا أخوات الحفيانة، عملتوها فرجة، عاجز، الله قدر عليه !.. " فقصروا خطواتهم بما يسمح لهم بمتابعة الرحلة إلى القشلة، فوق الأحجار الناتئة التي ترصف الأزقة، سار الحمار صعوداً باتجاه القشلة يتأرجح بحمله، دخل في أزقة ضيقة طويلة متعرجة، وكان يتعرج معها فيميل بخطوه نحو أحد الحائطين في الزقاق، فيضرب بيحيى أو بالكزبري في الجدار، ويبعده عزو من الخلف متحاشياً رفساته..
اقترب موكبهم من باب القشلة الكبير ووقف، نظروا إلى حجارتها الكبيرة وشبابيكها المطلية بالأزرق، بدت لهم وقد امتلأت بالعسكر، هناك خلف الجدران الشاهقة، يستعدون للزحف الأكبر، تململ في مكانه داخل المحرس عسكري يعلق على كتفه بندقية، وسأل العم عزو ماذا يريدون، ولماذا أتوا بكل خلق الله معهم، فأخرج عزو في الحال تبليغة الجندية، واقترب من العسكري ووضعها أمام عينيه، لم يبد على الآخر أنه قرأ فيها شيئاً، إذ أشار بيده اليمنى يسمح لهم بالدخول، عندما هم الصبيان باللحاق بيحيى والكزبري منعهم العسكري، فبقوا في الخارج ينتظرون، بعد قليل خرج الحمار بخرجيه، لحق الصبيان بعمهم يسألونه، فأجاب بكلمة مقتضبة واحدة :
- سرحوه !
طار الصبيان بالكلمة إلى النسوة في البيت، فأطلقت على الفور الزغاريد، ولم يعرف الصبية ما حصل ولماذا الزغاريد.
في البيت حكى العم عزو ما جرى في القشلة، قال :
- دخلنا على الضابط المساعد، شاهد التبليغة، وقال منزعجاً:
- أين المدعو يحيى ؟
فأشرت إلى الحمار في الخارج، لكن العكروت أبى أن يخرج بنفسه ليرى، أو حتى يكلف نفسه فيرفع عينيه، فحملنا يحيى إليه، وضعناه أمام مكتبه على الأرض فتكوم المسكين، فنظر إليه من فوق منخريه وقال :
- هذا لماذا أتيتم به إلى هنا ؟ خذوه زوجوه أحسن !
وكان يحيى خلال ذلك مطرقاً، وظل مطرقاً ينتظر، فقال له المساعد :
- ارفع رأسك يا ابني، ما اسمك أنت ؟
فأجابه يحيى :
- اسمي يحيى عبد الرحيم عبد المجيد.
فقال المساعد ضاحكاً ! يريد أن يتسلى معنا :
- والله هذا شيء جميل ! إذن أنت تعرف تتكلم، خذوه أخي خذوه ! هذا تسريح. وتوجه للحمال وقال :
- احمل بضاعتك ومع السلامة أنت !
ثم استبقاني قليلاً ووقع كتاب التبليغ، ووقع في سجل فتحه أمامه ثم قال :
- أخي هذا روتين لا بد منه، حضرتك تعــلم، اضحك في عبك واحمد ربك أنه ليس بحاجة إلى لجنة وسفر وتقارير طبية.. شيء يعل القلب.. ما يخدمنا في ذلك أنه وحيد، هذه أوراق، تجهزها له، لا بد، يلزمه معاملة وحيد.. تجهزها وتأتيني بها، وتستطيع أن تعتبر كل شيء منته.
قلنا له :
- كثر الله خيرك يا سيدي وخرجنا، الحمد لله انحلت.

***

- 36 -

صمت يحيى بعد عودته من القشلة ودخل في حالة من الذهول، حاول أعمامه مؤانسته وترطيب خاطره لكنهم أخفقوا جميعاً، لم يكلم أحداً ولم ينظر في عين أحد، بُعيد أيام أتي بالشيخ صبري فقرأ له، دخل به عزو في الصباح واقتاده كأعمى إلى يحيى على أريكته، أوقفه أمامه وأمسك بيده فوضعها على رأسه:
- اقرأ له شيخي اقرأ !.
وتحركت شفتا الشيخ صبري بحروف متقطعة، ثم دس يده في عبه وأخرج قطعة خبز لفها بمزقة شاش ووضعها كحجاب تحت مخدته.. الحاجة كوثر اختنقت بدموعها وهي تقول :
- كسروا بخاطره، الله يكسر بخاطرهم، من يوم القشلة ضاع الصبي..
وسحبت له سبعة قواديس ماء من جب البدوي قبيل تسميع الجمعة، أشعلت شموعاً وصبت زيتاً في أضرحة الأولياء، نذرت عند شفائه مولدين، أحدهما في الجامع الأموي عند سيدنا زكريا والآخر عند الشيخ يوسف، أطعمته كل يوم من خبز الشيخ صبري، وما كلم يحيى أحداً، لم تنفع معه حيلة ولا رجاء، امتنع في الأيام الأولى عن الطعام والشراب، اكتفى بخبزة البركة، وهزل فوق هزاله، أصبح جسده في يومين كعود محني، وجمد نظره، لكنه بعد حين استعاد بعض صحته، والتمعت عيناه بنظرة تنطوي على أسرار، أصبح يتناول النزر اليسير من الطعام، بعض لقيمات أقل مما يأكله طفل يحبو، وبعد أسابيع لم يعد يجلس على كرسيه، بل فضل أن يبقى على الأريكة مستلقياً عل حشيته ينظر إلى أخشاب السقف بعيون غائرة كعجوز، طلب أن يحضر الشيخ صبري إليه ليراه ويكلمه، والشيخ صبري هائم في الطرقات، لم يفلح عزو في العثور عليه واقتياده كما في المرة السابقة، ظل عصفوراً يطير ويلقي على الناس بخبز البركة.
يصيح يحيى آمراً بعد أن يئس من حضورالشيخ :
- قولوا له يأتني في المنام إذا لم يكن في الأقضى !.
وترد الجدة :
- سيأتيك يا عيني، قلنا له، سيأتيك، هو لا يمكن أن ينساك..
ودخل الجيران يعودون يحيى، وزاره الأقرباء وتحسروا، عاد العم سعيد مساء يوم وجاء بالطبيب، دخل الطبيب بيت القعدة، ونظر إليه يحيى بحذر واستياء، فلاطفه الطبيب بكلمات مرحة، ثم فحصه فحصاً شاملاً وصمت وقتاً يتأمله، فيما اقترب العم عزو منه يتساءل، فهمس الطبيب في أذنه :
- أخي هذا مصاب بحالة كآبة، المسألة مسألة وقت ! ربما يتخلص منها..
في المساء التالي جاء العم حازم بفرقة النوبة، " فأولياء الله لهم نصيب في الثواب، وكل الأجر عند الله.. " دخلوا الدار بعماماتهم الخضر وبالمزاهر والصنجات بأيديهم، وبدؤوا بالصلاة على النبي والتواشيح، ثم أطفئت الأنوار ونهضوا إلى الذكر، حلقة كبيرة على اتساع القاعة، حلقة مفتوحة الجانب على يحيى ممدداً فوق أريكته بجلد مصفر، وشيخ الحضرة في الوسط، وأمام الأريكة اصطفت زجاجات الماء لتغنم البركة ويشرب منها يحيى وأهل البيت..
اشتد الذكر وتصاعدت أصوات المزاهر والصنج، فغطت على أصوات النسوة والجارات وقد ملأن صحن الدار، متلفعات بالشاشات البيضاء، حتى هتفن مع الذكر وهمن، أما الصبية فدسوا رؤوسهم بين الرجال، وانطلقوا يهزون الأكتاف، ثم يقفزون مستهدين بالحركة المتصاعدة، قرعت أصوات الذاكرين قرعاً، ووصلت إلى أقصاها، فأشار شيخ الحضرة من وسط الحلقة كمن يقود جوقة عازفين، فهدأ الرجال معاً وهبطوا بالصوت مرة واحدة، ثم دخلوا في فصل ثان من الذكر، تخلله إنشاد وحسرات، فبكت النساء، وعادت أصوات الرجال فاشتدت بالذكر شيئاً فشيئاً، وانطلقت بين الحين والآخر أصوات مفردة زاعقة، فهذا هو الحال، بدأ من الشيخ واتصل بإخوانه، واندفعت الأجسام تختلج على إيقاع الصوت، راحت محمولة على الرعود تصيح، وانتهى الذكر بتسبيح هدأت معه الأصوات واستكانت، فأضيئت الأنوار وجهدت العيون في التفتح، أحدهم دار يرش ماء الزهر من قمقم على الأيدي، توقف أمام يحيى ورش على رأسه بكثرة، فتح يحيى عينيه وارتعش، ثم جلس الجميع يتناولون الشاي السيلاني الفكه، ورفع الشيخ كأسه ونظر في لون الشاي على الضوء وتعجب، فزعق أحد إخوانه : ( الله !. ) وابتسم الشيخ بحنو، ثم وضع يده على جبين يحيى وقرأ شيئاً، ثم قرأ الدعاء واختتمه بالفاتحة على نية الشفاء ورفع البلاء والنصر على الأعداء. وبكى يحيى كما لم يبك في أي يوم، نضح وجهه بعرق اختلط بدموعه، وهجر أريكته في تلك الليلة، ونام بجانب جدته الحاجة كوثر في فراش على أرضية القاعة القبلية، في الصباح عاد فحدثهم عن الأشباح، أشباح جدد، أقسم أنه جلس إليهم وكلمهم، واستشهد جدته على رؤاه، وهي هزت رأسها وقالت :
- نعم صحيح، لقد جاؤوا..
ثم التفتت إلى أبنائها والدموع في عينيها وهمست بتسليم :
- يا حسرتي وعاء وانكسر، صعب الجبر !..
ظل يحيى في الأيام التالية يحدث مخلوقات لا يراها أحد، بعضها يأتينه في النهار بوجود من في الغرفة معه، فيعرف عليها ويسميها لهم ويصف ما يرى، بل لقد بدأ بإطلاق ألقابه على هذه المخلوقات العجيبة، ومنها من يأتي في الليل فيتصل الهمس وربما الصياح وأصوات العراك، إلى درجة أخافت الصغار والكبار، فأعلنت زوجة سعيد أنها أصبحت تشاهد الكوابيس في مناماتها، وأنها من اليوم لن تعيش إلا في بيت مستقل، رأسها ورأس زوجها، فقد كان ينقصها أن تسكن مــــع مجانين، " وإذا شفت حل لهذه العيشة الزفت ابعث علي !. " قالت لزوجها وحزمت أمتعتها وطفليها، ثم صفقت الباب الخشبي وراءها مثل شتيمة، واندفعت مهرولة إلى بيت أهلها في أول الحارة.
ظهر يوم دعا السّلال الصبية وقال :
- تعالوا معي إلى القاعة عند يحيى، لتروا هذا الفيلم الجديد.
وجرهم الفضول وراءه، فدخلوا على يحيى الذي نظر إليهم بتوجس، فبادره السّلال بنصف رغيف من الخبز، ادعى أن الشيخ صبري بعثه به خصيصاً إليه، ثم أخرج من جيبه ورقة اقتطعت من روزنامة، نظر فيها وقال فيما كان يحيى يمضغ اللقمة الأولى بصمت :
- هذا القول والله ينطبق عليك يا يحيى، كأنه كتب لك.
وقرأ بتمهل : " قيل لبزرجمهر : أي الأشياء خير للمرء ؟ قال : عقل يعيش به، قيل : فإن لم يكن ؟ قال : فإخوان يسترون عليه، قيل : فإن لم يكونوا ؟ قال : فمال يتحبب به إلى الناس، قيل : فإن لم يكن له مال ؟ قال : فأدب يتحلى به، قيل : فإن لم يكن ؟ قال : فصمت يسلم به، قيل : فإن لم يكن؟ قال : فموت يريح منه العباد والبلاد ".
أنهى السّلال قراءة الورقة ثم انفجر في الضحك فضحك الآخرون، ودفع بالورقة إلى يحيى ليعلقها وراءه على الجدار، لكن يحيى نظر بقسمات كالأسى، ترك قطعة الخبز من يده، وتأمل سحنة السّلال وظل يديم النظر فيه، فانسحب السّلال وانسحب الصبية وراءه، خرج يقسم أنه لم يكن يعلم أن يحيى قد بقي فيه عقل أصلاً ليزعل أو يرضى.


***

- 37 -

خرجت النسوة بعيد الظهر إلى حمام السوق، أعددن العدة كما في كل أسبوع وخرجن تباعاً، أما الصبية فقد عادوا من ألعاب المقبرة والتهموا سريعاً ما تُرك لهم من زوادة الحمام، قطع من عفيسة الخبز بالسمن، كبة نيئة ومخلل، جزر وبرتقال، تسابقوا في التهام اللقيمات، ويحيى يسدد نحوهم عيوناً ذابلة ويرمقهم بصمت، ثم خرجوا ثانية إلى مقبرة العرابي يلاحقون الكلاب إلى داخل الحفر في أطراف القبور الخربة.
ظل يحيى في البيت حتى وقت العصر وحيداً مع القط الكموني يستلقي عند أقدام الجدة الكبيرة أسوم، وحيداً استكان على كرسيه مطرقاً، رفع رأسه ومسح بعينيه الدار المسورة بالقرميد الأحمر، راقب العصافير وهي تنسرب بخفة في الشقوق العالية، تطلع إلى البركة الساكنة تكللها الشجيرات وعرائش الورد، إلى الجب في ركنه المظلم، تحرك القط وماء، زرق عصفور يتشيطن فوق الدالية على رأس الجدة الكبيرة، وسمع يحيى آنئذ أصوات لعب أولاد تأتي من عند الجيران، تسلى قليلاً واستأنس بأصواتهم، فقد طردت وحشته كما حدث فيما بعد، لأنه في ذلك اليوم لم يأته أحد من طرفهم، وفهموا ما يعني.. وبعد قليل فاجأه شيء أسود يسقط في حضنه من أعلى، فانتفض صائحاً وانتفضت الجدة الكبيرة، فارتمى أمامه على الأرض جرذ ميت، وصعد أولاد الجيران ونظروا من الستارة القرميدية، تضاحكوا ثم هربوا..
في المقبرة وجد الصبية من حدثهم بما جرى ليحيى، هرعوا إلى البيت فوجدوا يحيى يبكي بصوت عريض، كان مقهوراً، مرعوباً ومقهوراً، ووجدوا بجانبه الجرذ القذر، دفعوه بالمكنسة إلى الزقاق، وأتوا إلى يحيى يؤانسونه، فقال بصوت مرتجف :
- الله يوفقكم يا أولاد عمي اخلعوا عني البيجاما، لا أطيق لبسها، هنا في حضني رموا الجرذ.
فساعدوه في خلع ملابسه، وأتوا له بأخرى نظيفة، فلبسها، وحملوه بكرسيه إلى كنبته، فاستلقى عليها وسقط في الحمى.
في الليل سهرت على فراشه عمته فدوى، رفض أن يرى غيرها، حتى جدته طردها شر طردة، سبها ولعن أجداد أجدادها.. أخذت العمة فدوى تهدئ من ثورته، حاولت أن تطفئ غليان رأسه كما قالت، أمضى الليل بطوله يهذي بكلام غريب، يسأل عن أمور ويذكر أسماء..
في الصباح أحضروا له قالب بوظ كامل من مثلجة تراب الغرباء، صارت عمته فدوى تكسر قطع البوظ وتلفها بالشاش وتضعها على جبينه وبطنه، وهو يغمض عينيه ويتلوى، يهذي بكلام غريب، وينطق بأسماء لا يعرفها أحد.. ينادي أحداً ما بصوت محزون ممطوط، كما لو كان الذي يناديه بعيداً.. فجأة يشتم شوكت، ويأمره أن يخرج من القاعة في الحال، ويتلفت من يراه حوله ويقول له :
- يا يحيى !.. أين شوكت ؟ شوكت غير موجود !.
وهو يرد بضحكة هستيرية :
- بل هو هنا.. انظروا.. انظروا إليه.. اخرج من هنا.. اخرج ولاك.. لا ترني وجهك..
في لحظات صحوه القليلة، يفتح عينيه ويأمر كل من في القاعة بالخروج، يستبقي إلى جانبه عمته فدوى، يشد على يدها ولا يريد أن يفلتها، ويزعق في وجوه الآخرين فيصابون بالفزع ويخرجون كأنما يفرون من وجهه، أعدت له الجدة طاسة الرعبة، أخذ من يد عمته شربة واثنتين ثم قذف الماء من فمه على ملابسه، ورمى بالطاسة بعيداً، وعمته أمسكت بيديه ونظرت إليه بأسى، ثم رفعت صوتها تزجره، فاستكان ونظر إليها بتسليم، ثم رجاها بصوت ناحل منكسر أن تبعد الصبيان جميعاً عن النوافذ وتسدها.. وأعاد :
- الكل يذهب عني.. لا أريد أن أرى وجه أحد.. وأنت ظلي إلى جانبي يا عمتي !. ودخلت إليه جدته تسند أم قدري وتقودها نحو أريكته، وقفت المرأة أمامه تلهث، عبأت بيدها حفنة من ماء الورد ثم مرغتها على وجهه فرمح وصرخ ثم هدأ، فبسملت وجلست تدعك وجهه المصفر وتقرأ له على أبو صفار، "هذه عمتك مأذونة يا روحي، قراءتها شفا.. " قالت الجدة، وعاد يحيى بعد هدأة فقذف المرأتين بشتيمة فخرجتا على التو بعيون دامعة، وقالت الحاجة كوثر بحزن :
- حتى أنا لا يريد أن يراني !. حالته صارت بالويل..


***

- 38 -

استمرت حالة يحيى تسوء، تقلب طيلة أيام على جمرات، غاص في عرق كالماء يغلي ثم خرج إلى صقيع.. أصبحت الجدة كوثر في أشد حالاتها عصبية وكرهاً للحياة، تخرج من القاعة حيث يحيى بين أنياب العذاب، وتقول ضارعة :
- الله لا يثقِّل فينا أرض ولا يكرِّه فينا عبد !.
ثم تدور في أنحاء الدار حائرة.. في ذلك العصر صاحت بيأس على ابنها عزو، انتظرته على الباب إلى حين عودته، وبادرته منذ وضع قدمه في أرض الدار، مسحت بكفيها كمن فقد شيئاً إلى الأبد، تحدثت بعينيها قبل أن تنطق بحرف، ثم سألت مع دمعة نفرت في الحال :
- يا ابني، يا عزو !. هل حكيت في شأن القبر ؟
- حكيت يا أمي حكيت.. وغداً سأذهب وأتفق مع الرجل..
- الآن يا ابني الآن !. لا يمكن.. حالته ما منها رجا.. لن ننزله على قبر أبيه أو جده.. هناك قبر للحاجة أسوم.. هي لا تريد أن يدفن فيه أحد.. دعوه لها !. هذه هي.. انظر إليها !. حالتها مصبحة ممسية.. ويوجد قبر لي.. يا ابني الله يرضى عليك.. هذا اشتريته أنا من سنوات.. كلكم تعرفون !. بجانب قبر أبي وأمي وعمتي عديلة، على حائط مزار الشيخ يوسف، جنب بجنب.. هذا أمانة برقبتكم، لا تدفنوا فيه أحد..
- يا أمي نعرف، نعرف !. سمعناها مائة مرة.. بعد عمر طويل..
كانت الحاجة كوثر قد اشترت قبراً منذ سنوات، حلت في ذات صباح عقدة نقودها بأسنانها، ودفعت بما فيها من وريقات إلى الحاج أكرم، وأوصته على قبر لها، تشتريه على حياة عينها، فهذا أضمن، ولا أحد يعرف ما هو مقدر عليه.. تململ الحاج ثم مد يده وهو يقول :
- لم نجد أحداً مات ولم يجدوا له قبراً.. لكن أحسن.. هاتي !.
وأخذ المبلغ منها، فقالت توافقه :
- سوا يا حجي !. بني آدم.. لا يعرف المكتوب عليه !. هذا أضمن لي.. حتى أضع رأسي على مخدتي وأنام مرتاحة البال. الله يوفقك يا حجي.. من بكرة، شف لي قبر في منطقتنا.. حاول لا تبعد، بجنب أبي وأعمامي يكون أحسن.. قرب مزار الشيخ.. حاول لا تبعد.
وعاد الحاج أكرم في المساء، وبشرها بشراء قبر لها :
- قبر تحفة، مثل بطن القط، رأيته محفوراً أمامي يا أم عبدو، كأنني كنت أوصيت عليه، قلت للشيخ السفراني : هل هذا القبر تواصي ؟ قال : لا، هذا لعباد الله.. قلت هذا الذي نريده، سبحان الله كأني معه على موعد، ولية أنت والله يا حاجة، نيتك صافية !. وبجانبه يا حاجة حفرت واحداً لي، قلت صارت وصارت.. اطمئني لن أفارقك، لا في الحياة ولا في الممات.. والحكاية كلها قسمة ونصيب.
وبكت الحاجة كوثر من التأثر، فمسح الحاج على كتفها، ثم قربها إليه وقبل رأسها قائلاً :
- والله أنت طيبة بنت طيبين.. والله لن يضيمك.
والآن عندما بصرت بحالة يحيى أحست بخطر يتهددها، بعد أن كانت قد طوت الحكاية في قلب الأمان، فقالت لبناتها :
- والله أنا خايفة يفعلوها، بدا الفار يلعب في عبي !.. افرضن مات الصبي، ولم يجدوا له قبراً، فأين يدفنوه في غير قبري ؟ هذا ما حسبت حسابه !..
فوافقنها متأسيات حزينات، واشتهت العمة فوزية أن يكون لها قبر هي الأخرى، وقالت بأنها تفكر في هذا الأمر منذ حين.. ولكن الجيب خال، والعين بصيرة واليد قصيرة.. والقبر اليوم يكلف.. ليس مثل أيام زمان، وزوجي المرحوم يوم ما مات احتاروا في أمره، ولولا الطيبين أهل الخير.. لا ندري كيف كان سيدفن..
وترد عليها أمها :
- أنت ما زلت يا بنتي في أول عمرك.. في عز صباك، اقفلي هذه السيرة الآن، اليوم طويل والرب كريم، بكير بنتي، بكير على هذا الحكي !. أما أنا.. هه يا حسرتي.. صارت شمسي على الجدار.. الله يجعلها على الإيمان بس، الدنيا فانية، وأنا لا أريد شيء من هذه الدنيا.. وأرجو الله أن لا يعيد سيرة أيام زمان..

***

- 39 -

أيام زمان كانت الواقعة قد وقعت عندما دفن الحاج أكرم وأخوته والدهم في قبر موصى به لأخيه الأكبر، في يوم الدفن فوجئ أبناؤه بالجنازة تسير نحو قبر أبيهم الذي ما زال حيًّا يرزق، ذلك القبر الذي كان قبر جدهما.. وقد فتح الآن وأنزل النعش على ترابه المرتفع بجانبه، فدار لغط لم يجدِ وقتها أي نفع، ولم يصل إلى طائل، فالناس المشيعون يملؤون المقبرة، ولم يعد مجال للقيل والقال، فانسحبوا من المقبرة تباعـــــاً " فضًّا للمشكلة " ولم ينتظموا في حبل " عظَّم الله أجركم " مما عُدَّ في حينها " غبرة " بين أبناء العم، ثم سأل الناس وعرفوا قصة النزاع على القبر المفتوح، الذي استُلب من أبيهم الحي في غير وجه حق، لأنه الابن الأكبر ومن حقه أن يدفن في قبر أبيه، ثم إنها وصية الجد، لم يراعها الأبناء، بل عمدوا إلى هتكها في وقت سلب أبناء العم القدرة على التدخل والدفاع والمطالبة بالحق، فلا عتب بعد الموت.. ودخل أناس وسطاء، وحاولوا فض النزاع، لكن الأبناء ومن خلفهم أبوهم الشيخ المقعد الذي خف سمعه، أصروا على تعنتهم، وقطع حبل الصلة بأبناء عمهم، وتأثر الشيخ العجوز، وتندم أشد الندم لأنه لم يسجل القبر في الطابو ضماناً لحقه، ورد الأبناء على أبيهم بكلمات أشبه بالصراخ : من كان يعلم يا أبي ؟ فنحن أهل وبيننا ثقة.. فاسكتهم يومها بقولته :
- " إن كان الغدر في الناس طبعاً، فالثقة بكل أحد عجز!."
فقاطعوا في الحال مجلس العزاء وقراءة الختمة على المقبرة في صباح ثالث أيام الدفن، ولم ينفع فيما بعد شراء قبر جديد لهم، حفر طخ، رفضوه ولم تفض السيرة، فهل هذا قبر وذاك الذي استلب منهم قبر ؟ !. رفضوا القبر الجديد النائي على الحائط البعيد للمقبرة، وسادت جفوة سوداء بين أبناء العم منذ ذلك الحين، وبات كل من يسمع بالقصة من جديد يفاجئك بأنه يعرف أولها وآخرها، فيقول منهياً سيرة لا نفع في فتحها ثانية :
- لكن الحق حق، ولا أحد يزعل منه، أبناء المرحوم أخطؤوا، والله لا يضيـع حقًّا.

***
- 40 -

مضى العم عزو إلى المقبرة، وسبقه الصبيان إليها، دقوا الباب في طرف القبور على ابن الشيخ السفراني فخرج، نفض يديه وثيابه من غبار حفر الشواهد وسلم على عزو ثم سحبه من يده كمن يستأنف عملاً كان قد توقف، ومشى بين القبور وصار يشرح له عن مواقعها وأسماء العائلات وأمكنتها هنا وهناك :
- هذا مكان يمكن أن تحفر فيه، وهنا لا يجوز.. أملاك بلدية..
رفع قدماً وحط أخرى، مشى في اتجاه واحد ثم انعطف، صار على مقربة من الجهة المفتوحة قرب الطريق، وأشار بيده إلى أرض نثرت عليها بعض شواهد.. قال العم بإحساس من تورط ببضاعة مغشوشة :
- هنا لا !.هكذا صرنا خارج الجبانة.. لا أخي لا.. الله يسترك.. بجانب الطريق لا يمكن !. نحن تعودنا أن تكون قبورنا هناك في الداخل..
وأشار إلى ضريح الشيخ يوسف الرابض في سكينته وسط المقبرة.. فرد التربي كمن أصيب بدهشة :
- يا حاج عزو الله يهدينا ويهديك، هنا الثواب يا أخي، وحد ربك يا رجل، اسأل إذا كنت لا تعرف، دعني أخدمك أبوس شواربك !. هنا كما تفضلت طريق، إذن كل من يمر يقرأ له الفاتحة.. أنت لا تعلم، أنت الكسبان.. اضحك في عبك.. لا تقل إني سأرفع الثمن.. لكن والله هنا أغلى من الداخل وأقرب.. لا تؤاخذني، غير مسألة الثواب، فشخة واحدة صرت عند المرحوم، وما لك بكل هذه الدخلة، خذ في الداخل إذا شئت.. أعطيك.. عندي قبور هناك.. والله لا أحد يسأل فيها.. أخي الله وكيلك أنا لا أغشك.. أنت خذ هنا الآن وشاور عقلك، ومتى رأيت حالك مغبون قل لي يا أخي هذا القبر ما أعجبني !.. وكان قد وقف عند قبر حفر في طريق المشاة الترابية فأخذ جزءاً منها، حرك أحجاراً عريضة وأجلسها ثم تركها ترتمي على جنب، نظر الصبيان في عمق القبر، وتمعن عزو في أنحائه، ثم قال لابن السفراني :
- أخي أرجع الطوابق.. أرجعها !. ودعنا نتفق على الثمن أولاً.
في اليوم التالي عاد الصبيان إلى المقبرة، وذهبوا ليطلوا على قبر يحيى، أو ذلك الذي سيصبح قبره، فوجدوه بحلته الجديدة المجلوة، وقد ردم فوقه تراب رطب، وفي رأسه نصف شاهدة مغروزة، كتب عليها بالأسود العريض كيفما اتفق : ( هذا مرقد السيد يحيى عبد المجيد ) وأصبحت العبارة كما هي علامة على أن القبر مباع.. أما القبور الأخرى غير المباعة فهذه ربما تكون كثيرة متناثرة في كل بقعة، لا يعرفها إلا الشيخ السفراني نفسه، أبو المقابر وعميدها في جميع الأحياء، والمرجع الأوحد في سلالات العائلات، انفتح له في هذه المقبرة تبر كما يقولون، قبور كثيرة ما عاد يُعرف أصحابها ولا ذووها، وهو يعاين القبر سنوات، ثم يضع يده عليه، وفي يوم وليلة يضعه في رسم البيع، بعد أن يزيل معالمه السابقة، أو يزيل كل أثر له يدل عليه.
بعد سنوات ستضيق المقبرة بألعاب الصبية، بعد أن تكتظ بالقبور وبالساكنين الجدد، سوف تختفي الساحات والطرقات والشعاب بين القبور، سيصبح ثمة طريق واحدة تقسم المقبرة إلى نصفين، طريق تبقت لمرور الجنازات فحسب، وما سوى ذلك لن يعود ثمة موقع لقبر ولا لقدم.

***
- 41 -

بات قبر يحيى ليلتين ينتظر ساكنه الجديد، في الليلة الثالثة كان قد أزف الترحل، ففي آخرها أصبح جسده كالجحيم، يكب سطول ماء يغلي، وارتفع أذان الفجر فأنصت يحيى وابتسم، وابيض وجهه حتى أصبح كالشاش، هكذا قالت العمة فدوى.. وأضافت : " ثم رأيته يغمض عينيه فقلت إذن لقد نام، تركته للسكينة وخرجت آخذ رقدة في غرفتي.. " وصلت الجدة صلاة الصبح ثم دخلت إلى القاعة القبلية فوجدت ".. يا حسرتي !. كل شيء قد انتهى.. "
مات يحيى في الفجر، حدثت الجدة مراراً بما حدث، بالعبارات ذاتها.. فقد نهضت من فراشها لصلاة الصبح، صلت ودخلت إلى يحيى، لم تره صاحياً كعادته في كل صبح ، عندما لمست حرارته فاحصة الحمى، لمست بيدها برودة، ومالت على فمه تتحسس أنفاسه فلمست البرودة ذاتها في شفتيه وخده وجبينه، وكان الصبح قد تنفس فصاحت :
- رحت يا يحيى ! يا حيف عليك !..
وأيقظت ببكائها كل من في البيت.. وظلت تصيح يوم الدفن:
- رحت يا شيخ أكرم وأخذت يحيى معك، أخ يا يحيى أخ! طير كان جانبي وطار.
وجاءت فرقة النوبة لتشارك في الجنازة، ووقفت الجدة في وسط الدار بين الرجال تندب، فنهاها الشيخ السفراني، ثم اقترب منها مواسياً ومال على أذنها وقال :
- يا حاجة !. لا تبكوا على من جاز حد البكاء، وليكن بكاؤكم على ذنوبكم !. يحيى هذا يا حاجة ولي من أولياء الله، وسره كبير..
وهزت الحاجة كوثر رأسها شاردة، وأمنت على كلمات الشيخ ثم عادت تندب وتقول له :
- طير كان جانبي وطار يا شيخي والله !..
ورد هو :
- طير.. يطير الآن هناك، في البرزخ، يطير بجناحاته لعند الحبيب..
فأغمضت الحاجة كوثر عينيها على الدموع ولم تقدر على احتباسها، فحركت رأسها بالتياع، وقبضت راحتيها ثم بسطتهما، وضربت بحرقة على ركبتيها ثم نهضت تطوف في أنحاء الدار، تحدث نفسها بعبارات الندب، وتستند إلى الجدار كأنها تستمد منه العون على تحمل مصيبة وقعت وكانت تعلم أنها ستقع، ورفضت أن تدخل إلى حيث يجب أن تكون بين النساء.

***

- 42 -

في ثالث أيام العزاء غصَّ البيت في الظهيرة بالنسوة، تجمعن من الأقارب والجيران، وجلست الحاجة كوثر وابنتاها بالثياب الرمادية، وقد أصررن على لبس الحزن، فيما اكتفت صفية الابنة الصغرى والكنات وبناتهن بارتداء الملابس الباهتة دون الرمادية، فهن صغيرات على الحزن، لكنهن أطلقن العنان للدموع التي رطبت الخدود وصبغت الأنوف بالحمرة والزكام.. وكأي مجلس عزاء تدور السيرة حول المتوفى وما كان له من طيب الذكر وجميل الفعل.. والآن في عزاء يحيى فاض كل كيل..
الحاجة كوثر بدأت السيرة، ضربت بكفها على صدرها، ثم التفتت إلى جارتها وحركت رأسها يميناً ويساراً بحسرة وقالت :
- روحه خفيفة، الله يرحم عظامه، ما كان يتحمل الجور، يحب الضحك، اللعب، المزاح.. الله خلقه هكذا.. عينك تراه يسمع الغناء، أو يتنادم مع صبوح هذه، أو مع عماته، ما كان.. ما كان يحب أن يصمت..
وانهمرت دموعها وتجددت، وعادت تستأنف :
- إذا ما كان هو يتحدث فالراديو، ومرات هو والراديو معاً.. هذا القميص الذي على جسده، هل كان يرضاه وسخاً ؟ هذا الشعر الأسود على رأسه، هل كان يرضاه غير مسرح ؟ حتى هذه الصور خلفه على الجدار، هل كان يرضى أحداً غيره يقصها ويلزقها ويصفها..؟ السينما يا ابنة الحلال.. متى عرفنا نحن السينما إلا على أيامه ؟ كان يحب الفن، أعطه الوقت للكيف والقصف، وهو في أحسن حال..
وترد الأخرى :
- والله أعرف !. شبعان ذوق ولطف، ما كان يرضى بالزاحلة.. صاحب أصول.. الواجب واجب..
وتقول أم قدري :
- يا بنات اطلبن له الرحمة من رب الرحمة، الموت حق يا جماعة، هذا يومه، والله راح واستراح، يعني عيشته كانت عيشة، وعيشة الناس عيشة ؟
وتمتعض العمة فدوى، تخرج من صمتها وتقول :
- وما لها عيشته ؟ والله ما كان ينقصه شيء، ونحن ما قصرنا، مستورة والحمد لله، إذا كان الله قدر عليه، ماذا نفعل نحن ؟ هل كان يطلب شيئاً لا يصل إليه ؟ اسألي.. اسألي كل الموجودات..
وترد أم قدري :
- لا أقصد يا بنتي، سوا، أنتم ما قصرتم، وربي عليم، لكن أحكي أنا يا عيني عن عجزه، هو ينظر إلى الناس حوله يتحركون ويسيرون إلى أشغالهم وأعمالهم، وهو يا عيني مربَّط على ها لكرسي مثل الحجرة.. والله مهما يكن شيء يقصف العمر.. والله ما عنده آخر كل شيء إلا الحكمة، هو أعطى وهو أخذ أمانته، أبوه قبله راح، أبوه قبله شاب مثل الجمل، أعرفه في صباي، يدخل في هذا الباب يسده، أيام قليلة مرت وانتهى، انمحق أثره، انطفأ مثل الشمعة بنفخة هوا.. ماذا تقولين ؟! الآخر.. الكل يحكون ويقفون على شبابه.. هذه هي حكمته.. العائلة انتهت، انمسحت من الوجود.. تقولين لي أمه ؟ أمه راحت، من عشرين سنة ما أحد عرف أخبارها، تركت البلاد ولحقت زوجها.. الله وحده يعلم أين أراضيها..
وتعرج الحاجة كوثر على سيرته الأخرى، سيرة الصحبة القاتلة التي عجلت بأجله.. فشوكت من طرف، وجماعة " الأرضي " دستور من هنا، من طرف ثان.. والولد ماذا يصير !.. تشوش عقله.. عفاريت في الليل وعفاريت في النهار.. هذه الصور والفضائح بهدلت الصبي، انزلقت رجله وراح، هل تصدقون !.. أصبحت أسمع في الليل دائماً ملاغفته معهم، هم يريدون إجباره على أمر وهو يصد، يعالج فيهم ويعالج دون فائدة، هم كثرة وهو واحد، وحتى الصباح يكون تنهنه.. والله كان قلبي معه، حاولت أن أخلصه منهم، أمنع أذاهم، لأنني أعرف، أوقعوا كثيرين قبله.. لكنه أمر الله، في الآخر ما صار إلا طار عقله، خطفوه، والجيران من طرف وأولاد عمه الشياطين من طرف.. طول النهار خذ صد وأعط رد.. والله من يوم راح الحاج أكرم قلت بيني وبين حالي : والله سيسحب أحداً وراءه، وهذا ما حصل.
وترد فوزية :
- وحدي الله يا أمي !. الأعمار بيد الله.. خلص عمره، الله أخذ أمانته.
لكن الأم تصر على اعتقادها، وتزيد قائلة :
- يا بنتي ! أما تذكرين البومة التي حطت على ستارة القرميد فوق غرفة يحيى ؟ ماذا قلت لك يومها ؟ تذكري !..
- أذكر يا أمي أذكر.. وتعوذنا بالله من الشيطان يومها وانتهينا..
- لا.. ما انتهينا.. قلبي مقبوض من يومها.. لا تغمض لي عين في ليل ولا نهار، قلت الله يسترنا ويحمينا يومها.. يا جماعة!.. كانت بومة سوداء مثل الليل.. نافشة ريشها، وواقفة تنظر.. نظرت إلى عينيها وما عادت ركبتاي تحملاني، لم أتملك النظر ثانية، شيء مخيف، يضع قلبك في الأرض بين رجليك.. عيون مدورة تتطلع إليك كأنها المسامير المدقوقة في خلقتك... بعدها بأيام.. أيام قليلة، رأيتم كيف وقعت الحرب، وطلبوا يحيى على العسكرية.. ومن يومها ما عادت تقوم له قائمة.. من يومها الولد صار في غير حال..
وترد فوزية :
- يا أمي كل ما تقولينه صحيح، لكن الذي جنن يحيى قصة القبو.. لو تركتم الأولاد يحفرون ما الذي كان حصل ؟ شمس الدين حكى وأقسم على ما رأى، وأنتم.. لا.. هذا كلام صبيان.. لا.. ولد شخاخ.. يحيى يا أمي في آخر أيامه وضع كل أمله في القبو.. أنتم لا تعلمون، والله يا أمي كان يقول لي.. وما أحد ساعده.. وأنت تقولين الآن بومة وسخام أسود وعفاريت.. يا أمي حياته صارت قبر قبل أن يموت.. نسيتم يوم السينما يا أمي !. خليها على الله.. هو راح وارتاح، ونحن بقينا بعده للشقاء والتعتير..
وبكت بحرقة، وشاركتها النسوة، فاستمدت منهن قوة وقالت :
- نحن جميعنا موتى في الحياة !. لماذا ننتظر أن نموت، إذا كنا موتى من الآن.. أنا قضيت عمري أنطر الزوج حتى أمر الله وجاء.. وصل هو الآخر ميتاً، شبحاً، أنا تزوجت شبحاً، الله يرحمه ما له حيل، أعطه دفشة يطب ساكت، يعني يوم أخذته ما كان فيه رمق، ما بقي فيه نفس يتردد، أبو عيال شباب وصبايا، رضينا، كبير بالعمر عايف التكنة، قبلنا.. وربك ما أمر.. سنتان وكسور، ما طبقت الثلاثة، وأخذ الله أمانته.. وهذه أختي فدوى.. والله يا أختي ظلي بعزك طول عمرك، بنت، ولا تقبلي بالذل.. أحسن لك من هكذا عيشة، لا تندمي على شيء، والله أنت كسبت نفسك، أنا والله أشتهي أن تكون أيامي التي عشتها معه شريطاً أسحبه من حياتي هكذا وأقصه ثم أرميه ورائي في الزبالة.. لأنها أيام ليست من العمر، عيشة قرف ونظاظ، يجب عليك أن ترضي الصغير والكبير والمقمط في السرير، وفي النهاية، مهما تفعلي، لا ترضي أحداً، الكل حاقد وناقم عليك، كأني سرقت منهم أعز ما في الوجود، الكل عابس ينظر إليَّ من فوق منخريه، كأني أصبحت لحمة منتنة، والله يا أختي ماذا أحكي!.. الشوف ليس كمثل الحكي، الموت.. الموت نفسه أهون ألف مرة من عيشة الكفر التي كنت أعيشها.. وسكتنا وقبلنا، بلعنا الموس على الحدين، رضينا بالهم والهم ما رضي بنا.. والله ثمن دواء ما كان يدفع لي.. كان يقول : أنا أنصحك، لا تمرضي.. وإذا مكنت رأسك ومرضت الأحسن لك أن تذهبي إلى بيت أهلك.. أبوك وأخوتك أولى بك، جحا أولى بلحم ثوره.. بكل عين إنجكارية، هكذا كان يقول.. وأنا من طرفي أقول له : لماذا تزوجتك يا ابن الحلال !.. ألكي تنعم عليَّ بهذه اللقمة.. وهو يقول : نعم !.. احمدي ربك أنك تجدين خبزة تأكلينها في هذا البيت.. أما يكفي ذلك !.. وإلا في ظنك لماذا زوجك أهلك ؟!.. أنا رجل كبير، ماذا عندي أنا !.. روحي اضحكي على عقلك يا مبضولة.. وأحسن من كل هذا الرغي.. احمدي ربك واشكريه ألف مرة كل يوم.. آخ !. والله يا أختي الموت فرج.. فرج كبير.. حكمة من رب العالمين.. يوم مات حزنت.. أقول الصدق.. أنا فعلاً حزنت.. يعني الواحدة عشرة كم سنة.. ألفة.. حرام.. الواحدة إذا ربت قطة وماتت هذه القطة تحزن عليها.. لكن في الوقت نفسه، أحسست أنها فرجت، كأن ثقلاً مثل الجبال كان على صدري وانزاح.. حمدت ربي وشكرته عندها ألف مرة.. قلت هذه قسمتك يا رب، ولا اعتراض على حكمك.. أنت شئت أن يقترن هذا الرجل بي، وأنا رضيت.. وبيني وبينكم.. الله يبلي ويعين.. قد علم ما بي، هذه كأسي قد أصبحت فارغة، وكل شيء اسودَّ في وجهي، أولاده وبناته وكل من يلوذ به، الجدران سوداء والأرض والسماء، وما عاد للماء التي أشربها طعم.. في أخر أيامه صرت أجلس معهم على السفرة فيتخاطفون كل شيء، حتى الخبزة التي حكى عنها لم تعد يدي تطالها، يسحبون من أمامي اللقمة وعيونهم لا ترف، ممن تطلبين، وعلى من تعتبين !.. كل كنة من الكنات همها أن تحشو الطعام في أفواه أولادها.. صرت أنظر من وجه إلى وجه، ولا أحد يسترضي أن ينظر إليّ.. الكل مشغولون عني، وعندما أنظر أمامي في الطعام، لا أرى طعاماً ولا ما يحزنون.. تكون الصحون قد أصبحت فارغة.. ممسوحة.. والخبز انتفض.. فأنسحب إلى الوراء، بلقمة أو لقمتين على الأكثر، ثم أنهض إلى المطبخ.. فأقف على الجلي، في الوقت الذي تدير فيه كل واحدة ظهرها فتدخل إلى بيتها وأولادها، وتترك الحبل على الغارب.. وهذه نفسها بعد ذلك سيرة كل فطور وغداء وعشاء.. سيرة كل يوم.. أما ترين أن الموت بعد ذلك فرج !.. والله فرج ما بعده فرج.. هو مات من هنا، وأنا حملت حالي وقلت أذهب إلى بيت أهلي، وأخوتي قالوا لا.. يجب أن تمضي عدتك في بيت زوجك.. وخذي بعدها.. أنا طار عقلي، ما الذي يبقيني بين هؤلاء الأوادم.. لا وألف نبي، حتى فرجها الله وأفتى الشيخ بأن أمضي عدتي في بيت أهلي، فعدت غير مصدقة، وخلصت من كل هذا البلاء.. بيت الأهل أشرف للبنت مائة مرة، إلا إذا كانت كرامتها لا تهمها، فهذه مسألة أخرى.. أنا تعجبني أختي فدوى، أقول لكن في وجهها، جاءها خطاب من بني وبني، منذ أن أصبحت في الرابعة عشرة.. وهي تنظر ولا يعجبها العجب، ما أحد ملأ عينها، تنظر وتنهض كتفيها، كلهم زيوان، شوالات زيوان محملة بجلابيات وبناطيل، جاءها كبار وجاءها صغار، أغنياء ودراويش، صدت عن الكل.. ما فيهم أحد يشفي القلب، تقدم القهوة، وتنظر في الواحد من فوق، ثم تدير ظهرها وتخرج.. قولوا له ليس له عندنا نصيب.. وبعد ذلك ما عادت تستقبل أحداً، لم تعد تظهر أمام أحد من الخطَّاب، وهذه هي أمامك، كسبت نفسها.. لا يشغل بالها شاغل.. ما لها ولزواج القهر !.. عمر بني آدم لحظة كرامة، عندما تضيع، تصبح الحياة كلها لا معنى لها ولا فائدة.. عندما تضيع من الواحدة منا لن تجدها بعد ذلك، حتى لو عاشت عمرها أضعافاً.. يا أختي لماذا التفريط !.. إما أن أعيش حياتي إنسانة مثل ما أمر الله، أو ليكن ما يكون.. حتى أختي صفية، هذه المسعدة، حرق الدم شغال طول عمرها.. أصبحت الآن أم شباب وصبايا، وهذا هو جسمها على عود.. ربت وتعبت وما نالها شيء من الحظ، ظلت إلى الآن خدامة في بيتها للصادي والغادي، كأن أمر زوجها وأهله ومن يلوذ بهم أصبح موكلاً إليها.. هي خلفتهم وهي المسؤولة عنهم.. العزيمة في ظهر العزيمة، ويا الله لحِّقي يا صفية !.. كل طنجرة أكل مثل الحلة، وكل عزيمة عشرة أشكال، هكذا هم !. يحبون الأكل والشرب يا أختي.. أصبحت أجسادهم مثل الدرافيل.. كلهم هكذا.. سلالة.. أعطهم يأكلون ويشربون فقط.. وهي صارت لهم خدامة ببلاش.. قلنا ارتاحت عندما انعزلت، صار لها ولزوجها وأولادها بيت يأويهم، وما عادوا تحت رحمة أحد.. لكن غرق المركب بعدها.. أصبحت كل مناسبة يجب أن تكون عندها، فبيتها هو الأوسع، وهي صاحبة الفن والذوق، وأكلها له طعم آخر، وسفرتها غير سفرة.. مرة بعد مرة أصبحوا يقعدون عندها ويفرشون وينامون.. وزوجها رضي وطاب له العيش، أمه وأخوته حواليه، جيرانه وأصحابه في السوق.. في كل مناسبة وعيد انشطي يا صفية وادخلي المطبخ ولا تخرجي !.. نعم !. مثل ما أقول لكن.. هؤلاء ضيوف والواجب واجب.. صحيح أن يد زوجها ميسورة، ولا ينقص عليهم شيئاً، لكن الله ما أكملها معها.. جعلها في حسرة الهدأة وراحة البال.. وتقولون الآن الموت.. الموت والله راحة لبني آدم.
وترد إحدى الجارات :
- راحة يا أختي راحة !. لكن أين هو !.. هل يريد الإنسان الموت في كل حين فيجده ؟! الموت أهون من العذاب، أنا معك، أهون من حكم الظالم، والله ينتقم من كل ظالم مستبد.. في يا أختي رجال استبداد ما بعده استبداد.. والعياذ بالله كفر.. عقل مثل الحجر.. لا يرعون كرامة لامرأة ولا لمخلوق.. لذلك أقول معك حق، مثلما قلتِ، فدوى كسبتها.. كسبت نفسها وما وقعت تحت رحمتهم.. تفو على هكذا عيشة..
وظلت فدوى في جلستها تستمع ساكنة، كأن الكلام لا يخصها، ظلت تحرك شفتيها بقراءة خفيفة على روح يحيى، وبدا وجهها هادئ القسمات في الهالة البيضاء لملفح الشاش، تنظر بحياد إلى من حولها، كأن ما يجري لم يحرك في داخلها حفيظة ما، أو يدفعها للمشاركة، ولكن، ومن خلف ملامحها الساكنة ارتسمت في لحظات معاني الحسرة والألم، أصبح وجهها ينضح بالكلمات، وقرأت شكرية ذلك في ملامحها فالتفتت إليها تحادثها:
- مالك يا فدوى ؟!..
ولم تكمل شكرية ما كانت تريد أن تقول، فسرعان ما شاهدت عيني فدوى تفيضان بدمع غزير، انسكبت الدموع من عينيها فجأة، نقاطاً مستديرة سريعة متلاحقة، انسدلت كجدول على خديها، وانقلبت عيناها محجرين حمراوين، وسكنت النسوة ينظرن إلى دموعها، فشهقت مرات وتوقف الدفق المجنون بعينيها، وأرسلت آهة طويلة، وما لبثت النساء أن بكين كبكائها، واشتد النحيب، فطلبت أم قدري منهن الصبر والصلاة على النبي، فهذا كله لا يجوز، وعادت بعد قليل أطراف الأحاديث تلتئم من جديد.

***

- 43 -

في الأيام التالية لموت يحيى صارت الحاجة كوثر تحس بضيق في صدرها، فتقول لأم قدري التي تأتي لزيارتها والترحم على يحيى:
- شيء يطبق على روحي يا أختي.. كأني في سجن !.
وتخفف عنها أم قدري فتقول :
- يا حاجة كوثر اصبري !. أنت مؤمنة موحدة، الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر..
فتهز الحاجة كوثر رأسها، تصادق على كلام أم قدري، لكنها تقول بحرقة :
- راح يا أم قدري راح.. ما بقي شيء من أثر عبد الرحيم، هذه هي الدنيا ! الساعة التي أنت فيها !..
وظلت تخرج إلى المقبرة عصر كل يوم، وتخرج معها فدوى، لأول مرة منذ سنوات، بعد زيارتها الليلية لمقام الشيخ يوسف، تبكي وتقول :
- أنا لم أخرج إلى قبر أبي،لكن يحيى هذا ابني.. ابني أنا..
تنهضان كل عصر، هي وأمها كأنهما على موعد، ما تلبث فوزية أن تنضم إليهما، ثم تتبعهن بعض الكنات والبنات، ويمضي الصبية خلفهن إلى المقبرة، يدخلونها موكباً من نساء وصبيان..
في كل عصر تنتشر نسوة من الأحياء المجاورة في المقبرة بالملاءات السوداء للنزهة، وأخريات يجئن لسكب الدموع والدعوات على عزيز رحل، تجتمع على القبور التسليات والحسرات.. البعض يجلسن على مصاطب القبور، يتسلين بفصفصة البذر وبالأحاديث، وأخريات يقفن متزاحمات حول مزار الشيخ يوسف، ينفثن الآهات الثكلى ممسكات بقضبان الحديد، أو يقرأن بصمت على القبور ويدعين وينتحبن، والشيوخ العميان يرفعون الأصوات بالقرآن والموالد في آن معاً، وتختلط الأصوات والنغمات، إحداهن تدس نصف ليرة في يد الشيخ فستق، فيحرك رقبته في محورها ويبدأ بقراءة (ياسين)،ويختم بالدعاء للمتوفى،أو بتحقيق مراد القلب إذا كان الذي تلاه مولداً، نــذراً أو قربى..
في كل عصر أصبح الصبية يتبعون جدتهم وعمتهم فدوى،
أو إحداهما إلى المقبرة، تمضيان معاً أو تتناوبان في الخروج.. بعد أيام باتت كل واحدة تخرج إلى المقبرة بمفردها، لم تعد تصاحبها أي من النسوة، تصل فدوى إلى القبر وتخرج المصحف فتقبله وتفتح على مكان فيه، ثم تتابع قراءة الختمة، تصل إلى نهاية التلاوة فتغص بدموعها وتتوقف عن القراءة، تنهض وتلمس شاهدة القبر كأنها روح تحس، تمر بيدها عليها بحنو، ثم تميل فتقبلها وتمضي.. أما الجدة فكانت تقف أمام قبر يحيى، تضع عليه عرقاً أخضر وتبدأ دموعها تنسكب، كأنه مات الساعة، ثم تتحرك بطيئة، فتمشي خطوات باتجاه الداخل، إلى قبر زوجها، وتقف قليلاً تقرأ الفاتحة وقصار السور، وتعود أدراجها إلى البيت، لا تعبأ إن كان الصبية من أحفادها يتبعونها أم لا، ويأتي الصبية بالماء ويسقون قبر ابن عمهم، حتى نبتت حشائشه في أيام، يعتلون أشجار المقبرة ويقصفون الأغصان المورقة يزينون بها قبر يحيى، أما شمس الدين فيجلس أمام القبر وتطالع عيناه ما خطه التربي ابن الشيخ السفراني بإزميله، بعض أبيات من الشعر على صفحتي القبر، اليمنى واليسرى، تقول إحداهما :

يا ناظراً في الوجود بعدي
مجتنياً من ثمـار وشهــدِ
بـي افتقـار إلـى دعاء
تهديـه لي في ظلام لحدي

وتقول الأخرى :

جزى الله عنا الموت خير جزائه
أبرّ بنا من كل بـر وأرأف
يعجل تخليص النفوس من الأذى
ويدني من الدار التي هي أشرف

***
- 44 -

يهيم شمس الدين أياماً في التذكر والحسرة، يطوف في الطرقات والأزقة، وتنتهي به قدماه إلى المقبرة، يجلس صافناً مغموراً بحزن يفيض، كان قد أحس برحيل يحيى كأن شيئاً ما قد انفصل عن جسده، كأن شيئاً ما بات ينقصه، وعندما يخنقه اليأس بعد الحزن يعود أدراجه إلى البيت، ليقبع في ليالي الصمت والعتمة والأحلام التي تطبق على روحه، وهذه المرة يجد نفسه في المقبرة وحيداً، أخذ يطوف ضائعاً بين الشواهد الكثيرة، ثم يهتدي بعد جهد إلى قبر يحيى، فيجلس على مصطبة أمامه يردد أبيات الشعر المخطوطة على جنبيه، ثم يهيم في الذكرى فيحس بغصة تكاد تخنقه، فينادي كمن يلوذ بخـيط نجاة :
- يحيى يا يحيى !.. أين أنت يا يحيى ؟ اسمعني ولو مرة واحدة !.
وينظر برجاء في شمس المغيب وقد تشظت خلف الأشجار، ثم ينهض ليغادر المقبرة فيراه أمامه يسد باب الخروج، يرى الزغنون فيصيح بفزع، يخرج الصوت من قحف رأسه، يتراجع ويفر من وجهه، يختفي خلف شاهدة يراقبه، ويجده يطوف بين القبور ويبحث، يتلمس الأرض بعصا في يده، ثم يقف على التلة وسط المقبرة، يهمُّ إليه السوَّاس بطربوشه الأحمر ويصعد التلة.. يقف أمامه وينحني بقربته الفضية، فيخرج الزغنون حفنة نقود ويرميها في كأسه فترن، وصار السواس يصيح على السوس، دبت فيه الحماسة فنزل كالمجنون من التلـة :
- سبيل يا ناس.. سبيل يا عالم.. سبيل ياهووو..
هرع إليه الصبيان بالطاسات الكبيرة وبالأباريق، ملأها، شربوا، عبوا من السوس كثيراً، حملوا أباريق إلى البيوت وعادوا..
- سبيل ياهووو.. سبيل !..
يصب ويشربون، تعلو الرغوة الشقراء فوق الكؤوس، يعود ويصب لهم، صب للزغنون كأساً طويلة فأمسك بها الزغنون ورشقها على الناس، تجمع رجال وأولاد أمام السواس وقربته، يناولهم الطاسات الصفر فيشربون، ينقر طاسات النحاس ببعضها ويصب، هام الناس وتجمعوا من كل طرف، وطرب السواس وهو يصيح، فأمال طربوشه على رأسه وسلطن، ثم أطلق نافورة سوس على خلق الله وسط الصياح والضحكات، وسبيل يا عالم.. وأسرع الصبية بعدما ارتووا يحملون الطاسات إلى النسوة المتجمعات حول مزار الشيخ يوسف، ترفع الواحدة طرف نقابها الأسود ثم تخرج طاسة السوس فارغة..
- أوف تبل القلب.. هات كأس أخرى ولك ابني !..
بعدئذ رفع الزغنون الذي كان قد نسيه الناس إلى ذلك الحين.. رفع أمام العيون المشدودة كيساً رفيعاً كالجورب، ومد يده فيه وأخرجها بحفنة من النقود الصفر.. نثرها على الرؤوس، فوق الجموع المحتشدة من الرجال والنساء والصبيان، وضاع صواب الناس، فحفن حفنة ثانية ورماها، ثم ثالثة.. والتمعت النقود الصفر على الأرض كالعيون، أشبه ما تكون بعيون الزغنون، وهجم الكبار والصغار يجمعون، جن جنونهم، واختلطت الأصوات باللكمات بالغبار.. وعاد الزغنون ونثر حفنات أخرى، وأصبح الآن على رأس التلة وحيداً والناس تجمع ما يلقي من نقود حتى تعبأت الجيوب وخشخشت ثـم تدلت بأحمالها، وجلس السواس يبكي ويقول :
- أنا لم ينلني من كل ذلك سوى بضعة قروش، انظروا !..
وتعلقت عيون الناظرين ببضعة القروش في قعر الكأس النحاسي، ثم التفتوا إلى الزغنون فوجدوه يقود أعمى، يسير به بين القبور، يسير ويسأل الناس بسؤال لا يلقى رداً عليه.. اقترب شمس الدين منه وطالعته في التو العيون الصفر ذاتها.. فزع وتذكر حلم القبو الذي حكاه يحيى، بدا له حلماً ناصل اللون نحيلاً مثل بقايا عجوز، فزع منه ومن العيون أمامه، لكن الزغنون تنبه فجأة إلى وجوده، نظر إليه بعيون كالمسامير، وأمره بالاقتراب فاقترب، أشار بسبابته وصوب نحوه عينيه الصفراوين وقال :
- تعال أنت !. إذا عرفت سأعطيك كيس النقود كله..
رد شمس الدين بثبات :
- ماذا تريد؟!.
فاقترب وهمس في أذنه بصوت أشبه بالفحيح :
- دلني على قبر يحيى !
قال شمس :
- قبره لا يضيع السائل، عليه أغصان خضر وهو بحجم شجرة.
قال الزغنون :
- أي شجرة تقصد ؟
قال شمس مشيراً :
- هذه !
ومد يده إلى شجرة وارفة خضراء.. وقف الزغنون تحتها ثم أجلس الشيخ القارئ وقال يأمره :
- هيا اقرأ على روح يحيى ثلاث مرات ياسين..
ثم دسًّ في عبه المفتوح كيس نقود، فانبرى الشيخ يقرأ بحماس، ومالت الأغصان فظللتهم جميعاً بظلها، وتجمعت النسوة يستمعن ويذرفن الدموع، وهبت نسائم فحركت أوراق الشجر فطار الزغنون كالوطواط ساعة الغروب، تعلقت به العيون، خفت إليه وطاويط أخرى، حط على شجرة فوق التلة فحطت معه، اختفى الجميع في زحمة الأغصان وفي العتمة.. وما عاد هنالك شيخ يقرأ أو نسوة أو رجال أو صبية.. اختفى فجأة مزار الشيخ يوسف، وباتت المقبرة خاوية من الأشجار والبشر، شواهد تتناثر بصمت، لها ظلال طويلة.. وفوجئ شمس الدين بعدئذ بيحيى يستند إلى إحداها.. قال يبتسم :
- تعال يا ابن عمي.. اجلس بجانبي !. ستحـكي لي الآن عن أحلامك.. عن كل أحلامك..
فقال شمس الدين :
- أصبحت أنام في الظلام يا يحيى، لم أعد أرى أية أحلام!. صار ليلي كالطلاسم، فحم أسود..
فقال يحيى :
- إذن احك لي عن آخر فيلم رأيته.. هيا !. أنا أستمع..
قال شمس :
- هو فيلم رائع يا يحيى، اسمــــه ( الكنز المفقود )..
فوضع يحيى سبابته على فم شمس، ثم شده من يده وقال كمن عزم على أمر في الحال :
- بل اصمت !.. أنا لم أعد أطيق سماع شيء.. لا تضع عليَّ بهجة الفيلم، أحب أن أراه يا شمس، تعال لنراه معاً..
فخرجا سريعاً من المقبرة، ومضيا باتجاه باب الفرج ركضاً، يسابقان الترام والسيارات والبشر.

دبي 2001

****

أمين الهيئة الإستشارية
د . منذر عياشي

الهيئة الاستشارية
د. حسن حنفي
د . عبد الملك مرتاض
د. صلاح فضل
د. عبد الله الغذامي
د. عبد النبي اصطيف
د. عبد الرزاق عيد
فارس السواح
محمود منقذ الهاشمي

المدير المسؤول :
نادر السباعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حلب – سورية – ص.ب 6333 – BP. 6333 Alep RIA
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هاتف : 2257565 (21) – فاكس 4468875 (21) 963 +




Share |









أدخل النص المبين في الصورة أعلاه في هذا الحقل:




معارضي
زيارة مع دليل
مدن
أفلام عالم نوح
Odeco
كتبنا
عالميات
اللوحة الكبيرة تنتظرني عصام طنطاوي
الفنان التشكيلي الأردني عصام طنطاوي 2006 - 244 x 122 cm مع أن اللوحة الكبيرة تنتظرني في غرفة الرسم .. وكنت بدأت بها منذ ثلاثة أيام ، أصعب مرحلة في اللوحة اجتياز حاجز البداية وقد تجاوزتها ، ولكن بدأت إشكاليات جديدة .. كيف أٌكملها ؟ أجلس أمامها طويلاً ، أرسم تفاصيلها بعينيّ ، قبل أن أتجرأ على لمسها .. أضعها مقابل سريري ويظل الجدل البصريّ محتدماً بيننا ، أغفو وهي في خاطري وأحلامي .. صحيح أنني اتفقت مع الفندق على سعر معين قبضت نصفه قبل أن أبدأ بها .. ولكنها ليست وظيفة أذهب اليها في مواعيد معينة ، أو حرفة أتقنها ، هي أولاً وأخيراً لوحة جديدة ستحمل اسمي ، أريد أن أفرح بها ، أن أشعر بالدهشة في اكتشاف لون جديد .. منطقة جديدة مختلفة لم أدخلها من قبل ، لا أفكر أبداً بالسعر ولا بأي شي آخر ..لاجديد في الفن بالمعنى المطلق ، اللعبة في التفاصيل وتونات الألوان .. والتكوين هي حالة قلق لذيذة يعي المزيد

بحث

بحث في العناوين فقط

الإعلانات