شهيد بلا هوية لأغيد شيخو

شهيد بلا هوية

 

لعل عدد السكان المقيمين تحت الأرض يضاهي عددهم  فوقها بآلاف المرات، وهم مصنفون كلٌّ بحسب السبب الذي مات من أجله، وكل فصيلة منهم لها يوم استراحة يخرجون فيها إلى الأرض كل سنة ليروا ما فعلت بأهلهم الدنيا وليتفقدوا أحوال بلادهم، فللأنبياء يوم وللقتلة يوم وللأطفال والأمهات يوم أيضاً وكذلك هنالك يوم خاص بالشهداء..

في يوم الشهداء وبعد أمد طويل خرج الشهداء من مراقدهم وفي قلبهم شوق للقاء أهلهم وأصحابهم بعد كل هذا الفراق، فكان من بين الشهداء واحد قتل في أفغانستان من قبل قناص وآخر استشهد في إسرائيل وهو يحاول الدفاع عن وطنه وثالث تم ذبحه في مكان لا هو يعرفه ولا يعرف من قتله ولا أين رموه ورابع استشهد في قتال لم يكن له ذنب فيه سوى أن الحرب أتت صدفة أثناء تأديته لخدمة العلم، ولكنه لم يكترث للأمر، فهو في النهاية يدافع عن وطنه وعن أهله، فخرج جميعهم وتوجه كل منهم إلى دياره حيث ينتمون ليتفقدوا أحوال من ماتوا لأجلهم…

ذهب الجندي الأمريكي إلى بلاده وكله فخر واعتزاز بما حققه بنو جنسه من تقدّم في الأرض وعمار وازدهار، فأدرك أن موته لم يذهب هباءً وأنه قاتل من أجل شيء استحق القتال، وأيضاً توجه الاسرائيلي إلى بلاده التي أصبحت مركز الكون، فلا يبتّ بأمر قضية إلاّ بعد مشاورتها ولا تعلن حرب أو يعلن سلم إلاّ إن كان لها رأي أو موقف تجاهه، فأدرك أن الموت هو من يعطي للحياة قيمة أكثر وأنه مسرور لما وصلت إليه بلاده من زحف واستيطان وقوة، في حين كان الشهيد العربي يقترب من الحدود التي كلما اقترب منها أصبحت بعيدة أكثر، فأخذت خطواته تتسارع وتتسارع إلى أن تملّكه التعب وهدّه المسير، وعندما وصل إلى الحدود طالبه الأمن الحدودي بجواز سفره أو هويته أو أي شيء يثبت أنه شهيد هذا البلد ولعدم امتلاكه شيئاً من تلك الأوراق فقد اضطر للدخول بشكل غير قانوني بعد ما يأس من اقناع الحرس بأنه شهيد ولا يملك أوراق ثبوتية؛ لم يستطع التوغل كثيراً في الداخل نتيجة للقصف والغارات الجوية التي تعجب منها وشعر بالأسى حيال كل ما حوله من دمار وخراب، وعندما وصل إلى أول منزل في طريقه دخل إليه لعله يجد إنسياً يخبره بوضع البلاد والعباد وكيف آلت الأمور إلى هذا الحال ولماذا كل هذا الدمار والخراب، لكنه لم يجد في المنزل سوى بعض الأغطية المتناثرة هنا وهناك وبعض كؤوس الماء التي أصبح سمك الغبار عليها كسمك الزمن، حاول جاهداً العثور على أي شخص يبرد قلبه على وطنه لكنه لم يجد أحداً طوال توغله في الداخل إلى أن سمع فجأة صوتاً من أحد المنازل فأسرع إليه كالبرق وعيناه تزرفان دمعاً بحجم السنين التي قضاها بعيداً، بحجم الأسى الذي يراه أمامه، بحجم كل من قتل فداءً لوطنه، لكنه لم يجد في البيت شيئاً وإنما وجد فقط مذيعاً يقول: تعلن وزارة الداخلية وحرصاً على أمن وسلامة المواطنين عن منع استخدام الألعاب النارية أثناء العيد وكل عام وأنتم……بخير…


أغيد شيخو_ عالم نوح