لقاء ممتع آخر مع المترجم نزار خليلي، يحدثنا فيه عن إصداراته الحديثة والنتاج الأدبي الأرمني و يقول: إن الأدب هو مرآة للواقع، ولكل زمان أدب يعكس الظروف المرحلية التي يمر بها الشارع, ومن هذا المنطلق لا يمكننا المقارنة بين أدب الماضي وأدب الحاضر

قامة أدبية كبيرة اشتهرت بمزاولتها للترجمة عن اللغة الأرمنية منذ العديد من السنوات. وفي هذا اللقاء نتعرف على جديده متمثلاً بكتاب سيرته الذاتية "عينان على حارة الريش" ثم "زنوبيا". يحدّثنا عن بعض ذكرياته وآرائه الأدب الحديث.


ما هي قصة غلاف حارة الريش؟


عندما بدأت كتابة سيرة حياتي ساعدتني فتاة تدعى عُلا حيث كنت أملي عليها وهي تكتب وعند الانتهاء من الكتابة راودتني فكرة وضع صورتها على الغلاف كعربون شكر وامتنان لها فعرضت عليها الفكرة فوافقت.

 
لماذا حارة الريش؟


حارة الريش هي حارة صغيرة تصل بين ثكنة هنانو و أحد الأحياء القديمة لمدينة حلب وهو حي "أقيل" وكان الجنود الأتراك ينزلون عن طريقها من الثكنة إلى السوق, وكان لجدي منزلاً في ناصية الحارة حيث نشأت وترعرعت هناك في عام 1925 م.

 
المقربون منك يعرفون أنك كنت قد لعبت دور "المرسال" للأديب عمر أبو ريشة …. تحدثنا عن ذلك؟


نعم، لقد كنت قاطناً جانب جامع القرطاسية في حي الفرافرة و عمر أبو ريشة كان يقطن على بعد ثلاث منازل من منزلي و كان أمام منزله بيت الحاج فاتح مرعشي والذي كان أحد الأعمدة الهامة في الثورة السورية؛ هذا الكلام عندما كان عمري 11 عاماً وكان عمر أبو ريشة فيما يقارب ال25 عاماً من عمره، و بحكم أنني جارٌ له قام باستخدامي كمرسال عندما هرب من الجيش الفرنسي بعد صدور قرار باعتقاله إلى منزل بهجت الشهبندر حيث كان في منطقة بارون حالياً (حارة الصفية قديماً) فكان أهله في الفرافرة يعطونني (السفرطاس) لأوصله له في كل يوم وكانت تتضمن رسائل عن الأحداث الأخيرة وأخبار الثورة وهو يبعث إليه بقصائد يقومون بنشرها في الصحف اليومية وأنا لم أكن على علم بمحتوى (السفرطاس) حيث كنت أعتقد أنني أحمل وجبات الطعام له ولم أكتشف ذلك إلا بعد حين.


عندما يقف أحد الأدباء الشباب أمام قامة أدبية عريقة وذاكرة تمتد لثلاث أرباع قرن كذاكرة حضرتك يراوده السؤال , هل اختلف النتاج الأدبي بين الماضي والحاضر؟ , وفي زمن المطابع هل نجد الكم الأدبي على حساب النوع؟


إن الأدب هو مرآة للواقع، ولكل زمان أدب يعكس الظروف المرحلية التي يمر بها الشارع, ومن هذا المنطلق لا يمكننا المقارنة بين أدب الماضي وأدب الحاضر لأن كل منهما يختلف عن الآخر, حيث كان قديماً الأدب ينصب في طلب الحرية والاستقلال لأن البلد كانت تخضع للاحتلال العثماني ومن ثم الفرنسي و قليلاً منهم من كانوا يكتبون القصص القصيرة وحتى إن كتب فكانت ذات مضمون وطني, أما الآن فالأدب يخضع للتخصص والتفرغ ولكل لونه وبصمته في الكتابة واتجاهه في الأدب ولكن بشكل عام يغلب الاتجاه الواقعي على أدباء اليوم, بالنسبة للشعر في تلك الفترة كان يخط قومياً فمثلاً عمر أبو ريشة وهو أشهر شعراء تلك الفترة كان ينظم الشعر القومي ولا تخلو كتاباته من الرومانسية والغزل بالإضافة إلى أنه كتب العديد من المسرحيات الشعرية وأذكر منها مسرحية "ذي قار" والتي تتحدث عن الحرب المشهورة بين الفرس والعرب, ومسرحية "الطوفان" التي مثّلتُ فيها , وأذكر منها بيتاً شعرياً يقول:


الأرض للطوفان محتاجةٌ ………. لعلّها من كلّ درن تغسل


والدرن يشير بها إلى المنافقين في الثورة وما أكثرهم في تلك الأيام 1925, كما أذكر بيتاً آخر يقول:


رحمة الله على أمة ……. فيها مثل جميل المردم


و جميل المردم كان رئيس الوزارة في سوريا وعمر أبو ريشة كان ضد إتباع أفكاره وآرائه …. وهكذا الأمثلة كثيرة.


هناك الكثير من الترجمات من اللغات العالمية إلى اللغة العربية ولكن الترجمة من العربية إلى العالمية فهي ثلّة قليلة, هل يمكننا القول بأن الأدب العربي لم يتطرق للعالمية؟


على العكس تماماً، إن الأدب العربي هو أدب غني ومتنوع ولكن علماء اللغة في العالم العربي لا يملكون الطلاقة الكافية في اللغات التي ينقلون لها؛ أو على الأقل فإن عددهم قليل جداً, فمثلاً أنا أستطيع أن أترجم من اللغات الفرنسية والتركية والإنكليزية …الخ , ولكنني لا أمتلك قوة الإنشاء اللغوية والتعبيرية لهذه اللغات لكي أترجم إليها، أما العربية فهي لغتي الأم أتقن إنشاءها بشكل جميل, هذا الكلام بالنسبة إلي.. ومثال الذين يمتلكون هذه القوة، أي قوة اللغة للترجمة من العربية إلى لغات أخرى… الأساتذة الذين ترجموا كتابات طه حسين للفرنسية, بينما من ترجم "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، للأسف هم مستشرقون.. وهم وباء .. لأنهم يترجمون على هواهم الشخصي, وقد نقحت "الرسالة" عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ" حيث أبرزت اللغط في الترجمة الاستشراقية. أيضاً لا يمكننا إغفال القصص التي انتقلت عن العربية وأهمها "ألف ليلة وليلة" ومن ضمنها قصص"السندباد البحري" و هي غير معروفة المترجم.


دعنا نتوجه إلى الأدب المعاصر, لماذا لا يأخذ هذا الأدب حقه في الترجمة إلى اللغات الأخرى؟ وأين تكمن المشكلة برأيك؟


هناك ناحيتان تدعو لفقر ترجمة الأدب المعاصر, الأولى الإمكانيات العلمية, والثانية الإمكانيات المادية، فطباعة كتاب غربي تكلّف ثلاثة أضعاف طباعته هنا ومع هذا يغطي تكاليفه أضعافاً كثيرة, وبالرغم من ذلك هناك الكثير من الكتب الحديثة ممن ترجمت إلى اللغات الأخرى ككتب "جبران خليل جبران" وقد قام بترجمة قسم منها بنفسه و القسم المتبقي ترجمه آخرون.


لقد تحدثت عن الطباعة و دعنا نكون صريحين في هذا الأمر فهناك الكثير من الكتب لأدباء سوريين ونجد أن طباعة الكتاب تمت في مطابع بيروت أو القاهرة فما هو السبب برأيك؟


هناك عدة أسباب لذلك وأهمها الموافقة القانونية فبعض الكتب المكتوبة لا تتناسب مع القوانين السورية، فيضطر الكاتب إلى الاتجاه إلى بيروت لطباعة كتابه هناك حيث لا حدود ولا تقييد فكري. وأنا برأيي، أن للدولة حق مراقبة الإصدارات على أرضها… لأنه يجب أن يكون الكتاب مفيداً للقراء وليس حشواً لأدبهم, والسبب الآخر يكمن في دور النشر السورية حيث تتصف الدور هنا "بالاستغلالية والتجارية" فهي لا تنشر إلا الكتب المضمونة الأرباح لها ودون ذلك تنشر على حساب الكاتب فكتبي تنشر على حسابي الشخصي مثلاً, أما في بيروت فدور النشر تأخذ الكتب وتطبعها على حسابها الشخصي بل وتعطي الكاتب مكافأة على جهوده ولا يمكننا القول بأنه لا يربح ولكن له طرقه وأساليبه الخاصّة.


هل يمكن للكتاب المترجم أن يعطي حق الكتاب الأصلي كمادة أدبية؟


هذا الأمر يعود للمترجم، فإذا كان المترجم متمكن من اللغتين فإن هذا الأمر ممكن جداً،و لربما تتفوق النسخة المترجمة على النسخة الأصلية أدبياً, أما إذا كان المترجم دون ذلك فقد تحدث بعض الفروق, أذكر أنني ترجمت لشاعر أرمني ملحمة قصيرة فقال لي: الترجمة كالقمر تأخذ نورها من الشمس .. صاحب الكتاب هو الشمس والمترجم هو القمر.


ما هي الصعوبات التي تواجه المترجم أثناء قيامه بعملية الترجمة؟


إن التعبير من أهم الصعوبات، فقد يأتي التعبير أضعف أو أقوى, بالإضافة إلى المفردات الغريبة في اللغة.. حيث أن كل كاتب يقوم بوضع مثل هذه المفردات لإحيائها و أثناء الترجمة عندما نصادف هذه المفردات الغير متداولة نضطر إلى العودة إلى القاموس.


ما هو مستوى الترجمة في سوريا؟


في سوريا الكثير من المترجمين المجيدين كالدكتور شوكت يوسف والدكتور ألكساندر كششيان وهو عضو في جمعية العاديات وهو عدا عن ترجمته.. يكتب كتباً تصف الواقع العربي, وهناك أيضاً الأب المطران بطرس مراياتي.


آخر ما صدر لك من كتب؟


زنوبيا ثم عين على حارة الريش ثم آخرها "معالجة الحميات" يتحدث عن طبيب أرمني من القرن الثاني عشر ومعالجته للأمراض والحميات التي كانت منتشرة في تلك الفترة باستخدام بعض الأعشاب حيث اعتمد في وصفاته على أطباء عرب أشهرهم "ابن سينا" و "أبو بكر الرازي" و " يحيى بن اسحاق" , و أعتقد أنه كتاب قيم للمعالجات الشعبية.


هل أضفت أثناء ترجمتك لكتاب "معالجة الحميات" وصفات من الطب البديل الحديث؟


لا فلقد ترجمته كما هو, فالمترجم يجب عليه أن يكون أميناً في ترجمته فلا يضيف ولا ينقص, وأنا أعتمد هذا الأمر … ولكن هناك استثناء.. وذلك في كتاب أترجمه حالياً وهو ديني عن الصلوات المسيحية .. فأنا أتوسّع فيه، فمثلاً عندما يستشهد الكاتب بآية من الإنجيل أقوم أنا بزيادة التفسير لهذه الآية حسب معرفتي, و أودّ التنويه إلى أنه أيضاً دار النشر لا يحق لها زيادة أي شيء على الكتاب و مهمتها تكمن في طباعته فقط .


ما هو أكثر كتاب ترجمته وحقق شهرة ونسبة أعلى مبيعات؟


الكتاب الذي لاقى استحساناً مادياً ومعنوياً هو كتاب "المراثي" وهو عبارة عن صلوات وأدعية تتضمن كثيراً من العلوم والمعارف فكاتبه لم يكن راهباً فحسب ولكن ضمن صلواته كان يدخل علوم الفلك و الرياضيات والطب ’ وهذا الكتاب مقدّس عند الأرمن لذلك عندما ترجمته لاقى صدىً و جنى أرباحاً مادياً , أيضاً هذا الكتاب يشبه إلى حد الأخوة كتاب "الفصول والغايات" لأبي العلاء المعري ولكن يختلف عنه بأسلوبه الإسلامي حيث يتضمن إضافة إلى الأدعية الأشعار وأساليبها و المعلومات العلمية , وهناك أيضاً كتاب "تاريخ الأرمن" .


من خلال قراءتي لكتاب "المراثي" وجدت أن هناك مفردات مختلفة لمعنىً واحد, ألم تجد في أثناء ترجمتك له صعوبة في هذا الأمر؟


إن كاتب "المراثي" كان بالفعل يضع عدة مفردات لمعنى واحد لإظهار مقدار معرفته وعلمه وأنا جاريته في هذا الموضوع فترجمته بنفس الأسلوب كقولي للفرح سرور وحبور وسعادة ….الخ .


لقد تخصصت في الترجمة عن اللغة الأرمنية , فهل أنت مطلع على الأدب الأرمني الحديث؟


نعم , ولقد ترجمت بعض الكتب من الأدب الأرميني الحديث فمثلاً كتاب "المتسولون الشرفاء" للكاتب الأرمني الفكاهي "هاكوب بارونيان" الذي عاش في استانبول 1964 وهو أول كتاب حديث لي أترجمه، حتى أنه شرح من قبل الأستاذ "فاضل السباعي" وأيضاً حوّل إلى عمل مسرحي باللغة العربية.


ما رأيك بالأدباء الأرمن السوريين؟


إن الأدباء الأرمن السوريين إجمالاً مشبعين بالروح الأرمينية .. هم يحاولون العودة إلى الأرمينية الصحيحة لذلك يكتبون باللغة الأرمنية عن أرمينيا وعن شعبها وأما سوريا فهي قليلة الذكر في أدبهم.. باستثناء البعض كالكاتب "آكوب ميخائيليان" حيث كتب كتاب أرمني يشبه كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع … و كتاب آخر يتناول "الغش في النبات" وبعبارة أصح "عندما لا تعرف النبتة في أي فصلٍ هي" ومثلا على ذلك شجرة التفاح لا تزهر إلا في نيسان وأحياناً يأتي الطقس في الشتاء بأيام تشبه طقس نيسان … فنقول أن النبتة قد تم غشها بهذا الطقس فتزهر.. وهذا الزهر لا يعطي ثمراً.. وعندما يموت هذا الزهر لا تعطي النبتة ثماراً في موسمها هذا.. فيذهب الموسم هباءً و آكوب وصف هذه الحالة من خلال قصة فتاة عذراء غشت بشاب فلم تتزوج وكانت برأي مداخلة جميلة.


أثناء وجودنا في الملتقى الأرمني العربي للأدب العام الماضي تم ذكرك كأديب مترجم مجد و محب للأرمن ,ماذا يعني لك ذلك؟


في كل عام يوجد مناسبة لدى الأرمن تتمثل بـ "عيد الترجمة" وهو عيد متوارث عن الأرمن القدماء منذ آلاف السنين وقد تم تخصيصه في العام الماضي للحديث عن الأرمن والعرب, وأنا شاكر وممتن لذكري المميّز بهذه المناسبة.


ما هي النصيحة التي تقدمها للأدباء الأرمن في سوريا؟


أدعوهم للحياة الواقعية وللكتابة عن الواقع مع الحفاظ على القومية واللغة, ولنأخذ العرب في المهجر فأينما ذهبت هناك مدرسة تعلم اللغة العربية, بالنسبة للأرمن قديماً كانوا يقومون ببناء كنائس وبجانبها مدارس للغة الأرمنية أما حديثاً فهذا الأمر قد انحسر … ربما الاندماج مع العرب بشكل كبير أدى إلى ذلك نوعاً ما, وأنا أدعوهم للثبات على تطلعاتهم والحفاظ على قوميتهم إلى جانب اندماجهم في المجتمع السوري.

 


بالنسبة للأرمن الموجودين في محافظة حلب يمكننا القول أنهم محافظون على لغتهم فهل يمكن أن نقول عن أرمن الساحل غير ذلك؟


في كسب وضواحيها ينتهي التعليم الأرمني بتجاوز المرحلة الابتدائية فنجد الكثير من الشباب الأرمن هناك ممن يتكلم اللغة الأرمنية ولكن لغوياً قد لا يفقهها جيداً .. بل يفقه في العربية أكثر، وفي المقابل هناك الكثير من العرب ممن يتحدثون الأرمنية بطلاقة وهذا الأمر نادر الحدوث في حلب.


ما هي نصيحتك للمترجمين الشباب؟


أتمنى عليهم تقوية ..لغتيهم .. وعليهم بالمطالعة… فهذا أمر هام, ومن ثم الأمانة والصدق في الترجمة.


كتقنية ترجمة هل يقوم المترجم بترجمة الفكرة أم يترجم جملة جملة ؟


هو يترجم الفكرة لأن أحياناً الترجمة جملة جملة تشوّه الفكرة .. فالتعابير تختلف بين اللغات, مثلاً: قد يأتي فعل في اللغة الأصلية في آخر السطر فيقوم المترجم بنقلها في العربية إلى أول السطر لتكتمل الفكرة وتوضح, ومن هنا يجب عليه التجميل في السرد والحفاظ إلى الفكرة وكمثال يقال "الرجل ذهب إلى السوق و الرجل اشترى كتاباً" والأجمل "ذهب الرجل إلى السوق واشترى كتاباً" … ونلاحظ الاختلاف بين الحالتين, بمعنى آخر عل المترجم أن يمتلك حساً إبداعياً في اللغتين المترجم إليها والمترجم عنها.

وفي الختام، يبقى حديث المترجم نزار خليلي شيّقا ويحتاجنا العديد العديد من اللقاءات، آملين له دوام الصحة وطول العمر وأن نلتقيه قريبا في مجالات أخرى من الحديث.

مع ابنته المؤلفة الموسيقية والعازفة سوسن خليلي

حاوره : أغيد شيخو_ نوح حمامي

تحرير:  جلال مولوي